الخميس 8 ربيع الأول 1435
الترجمة وخصوصية النص الديني
اعسو المصطفى

لعل أول من أشار إلى الصعوبات الفنية، والعواقب الوخيمة التي تثار بين يدي المتأهب لخوض غمار الترجمة الدينية هو الجاحظ في كتابه الحيوان حيث يقول: وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق، والعلماء به أقل، كان أشد على المترجم وأجدر أن يخطيء فيه، ولن تجد ألبتة مترجما يفي بواحد من هؤلاء العلماء. هذا قولنا في كتب الهندسة والتنجيم والحساب واللحون، فكيف لو كانت هذه الكتب كتب دين وإخبار عن الله بما يجوز عليه مما لا يجوز.» ثم قال: «والخطأ في الدين أضر من الخطأ في الرياضة والصناعة والفلسفة والكيمياء وفي بعض المعيشة التي يعيش بها بنو آدم... وإذا كان المترجم الذي قد ترجم لا يكمل لذلك، أخطأ على قدر نقصانه من الكمال] .
ونحن نقصد بالنص الديني في المقام الأول القرآن الكريم ثم كتب الحديث وما دون في سائر العلوم الإسلامية مما له تعلق بالوحيين القرآن والسنة.
إن المتصدي لترجمة النص الديني يحتف به من الإكراهات والشروط والمسؤوليات الأخلاقية والدينية ما يقتضي منه استعداد عاليا وجهدا دؤوبا في الإدراك والتنقيح والمراجعة حتى يخرج عمله الترجمي بريئا من الأخطاء التي تزهد الناس في عمله ، وقد تعرضه للمساءلة من الجهات الدينية المختصة .
وقد اعترف بهذه الصعوبات الجمة كبار المستشرقين، فهذه ماري شمل عميدة الاستشراق الألماني تقول: إن ترجمته [أي القرآن] لا يمكن إلا أن تكون تقريبية ضمنية لا تضارع الأصل، إذ لا أحد مهما بلغ من الحذق والكفاءة يـقدر أن يترجم ذلك الإعجاز الإلهي إلى لغة أخرى، وإلا فأين المترجم الذي يزعم ذلك؟ إن الإيقاع اللفظي والموسيقى الداخلية وتعدد طبقات النـبر همسا وجهرا، وغير ذلك مما تحفل به اللغة العربية، ناهيك عن لغة القرآن ونظمه المعجز: كل ذلك يجعل النقل من العربية إلى غيرها عسيرا» .
ومع ذلك فقد تصدى للترجمة أحيانا من لم يتحقق بأقل مقاماتها وشروطها من مثل معرفة اللسان العربي والتمكن من فهم الخطاب الديني، فقد وجد مصطفى السباعي في جامعة أكسفورد أن رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية فيها يهودي يتكلم ببطء وصعوبة، وكان يعمل أيضا في دائرة الاستخبارات البريطانية في ليبيا خلال الحرب العالمية الثانية، وهناك تعلم العربية العامية، وتلك هي مؤهلاته التي بوأته هذا القسم، ومن العجيب أنه كان في منهاج دراساته، التي يلقيها على طلاب الاستشراق: تفسير آيات من القرآن الكريم من الكشاف للزمخشري ، وهو لا يحسن فهم عبارة بسيطة في جريدة عادية كما يقول السباعي- ويضم إليها دراسة أحاديث من البخاري ومسلم وأبواب من الفقه في أمهات كتب الحنفية والحنابلة، وكان مرجعه في ذلك كتب المستشرقين أمثال جولد تسيهر ومرجليوت وشاخت من الطاعنين على الدين والمفترين عليه.
وهذه الصورة تتكرر عند كثير من المستشرقين مما سأوضحه في مقال لاحق بإذن الله ، مما يرتب على المسلمين الانتهاض لمسؤولية البلاغ المبين والتصدي لتحريف هدايات الرسالة الإسلامية. قال رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية، بجامعة كمبردج، المستشرق آربري: إننا نحن المستشرقين نقع في أخطاء كثيرة في بحوثنا عن الإسلام، ومن الواجب ألا نخوض في الميدان، لأنكم –أنتم المسلمين العرب- أقدر منا على الخوض في هذه الأبحاث، قال هذا مخاطبا مصطفى السباعي .
إن واجب المسلمين لا يقتصر على إنجاز ترجمات دقيقة وأمينـة ، بل يتعداه إلى الحرص على أن تؤدى هذه الترجمات دورها في نشر رسالة الإسلام وجسر الهوة التاريخية بين المسلمين وغيرهم، وذلك بامتلاك استراتيجية لدعم هذه الترجمات الأمينة، وتقنينها ومراجعتها باستمرار وإلقاء الأضواء عليها بإنجاز الدعاية المطلوبة لها من قبل المراكز الثقافية الإسلامية في العواصم الأجنبية، وإنشاء مواقع عملاقة إلكترونية بلغات العالم للتعريف برسالة الإسلام، وبالتصدي للتشويه الذي تمتلئ به الموسوعات الكبرى ودوائر المعارف العالمية وترجمات المغرضين الطاعنين من المستشرقين المتحيزين والفرق المنحرفة مثل القاديانية والبهائية وغيرها.
مراجع :
مصطفى السباعي: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي. دار السلام ط 4، 2008. ص 28
كاميليا صبحي: النص الديني وحركة ترجمته إلى الفرنسية منذ بداية الطباعة وحتى 2004. مقال في: الترجمة وتفاعل الثقافات حلقة بحثية، المجلس الأعلى للثقافة القاهرة سلسلة أبحاث المؤتمرات ص: من 766 إلى 768