السياق القرآني وأثره في خدمة التفسير المقاصدي عند ابن عاشور
إعداد
نشوان عبده خالد قائد ورضوان الأطرش

ملخص :
يهدف البحث إلى بيان أثر السياق القرآني في التفسير المقاصدي للقرآن الكريم عند ابن عاشور، وذلك من خلال تناول السياق القرآني من أطرافه المتسقة التي تتصل مباشرة بالمنهج التفسيري المقاصدي، بوصفه مرجحاً دلالياً يفضي إلى الكشف عن المقاصد القرآنية، ويوسع من إيراداتها في المواضع المختلفة. كما يدرس أهمية السياق القرآني، وأنواعه المختلفة التي لها بالغ الصلة في خدمة التفسير المقاصدي. وقد اعتمد الباحثان على المنهج الاستقرائي في إيراد الشواهد، والدلالات عن ابن عاشور في السياق والمقاصد، ثم المنهج التحليلي في إبراز العلائق، والأثر للسياق في خدمة التفسير المقاصدي.
الكلمات المفتاحية: السياق، التفسير، المقاصد، ابن عاشور.


مقدمة:
السياق القرآني أصل من أصول التفسير التي لا غنى للمفسر عنها؛ لما له من أثر في فهم مراد الله تعالى، وبيان المعنى الصحيح للآية، ويدل على ذلك أمور من أهمها: أنه أصل معتبر في تفسير النبي الكريم ، والسلف الصالح، كما أنه أصل معتبر عند العلماء في فهم كليات النص، يقول الشاطبي: "فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض." ويعدّ السياق من أعظم القرائن في الترجيح، وحل المشكلات والمتشابه كما يقرر ذلك الزركشي في البرهان، وقد عدّه ابن عاشور ضمن رؤيته المنهجية المقاصدية في التفسير، وقرره بوصفه أصلاً من الأصول التي بنى عليها ترجيحاته التفسيرية؛ إذ بدا أثر السياق واضحاً في تقريراته.
إن إشكالية البحث تكمن في وجود ضعف واضح في استخدام دلالة السياق القرآني لدى المناهج التفسيرية، وفي ربطه بالمقاصد والأغراض، وهما أمران يحتمان إعادة النظر من خلال تقديم الأبحاث والدراسات التي تتناول السياق، ومدلولاته القيّمة في ردم تلك الإشكالية، وهذا ما سنعمل على تجليته من خلال هذا البحث الذي يهدف إلى بيان أثر السياق القرآني في خدمة التفسير المقاصدي للقرآن الكريم عند واحد من أهم المفسرين المعاصرين، هو ابن عاشور.
أولاً: مفهوم السياق القرآني، والتفسير المقاصدي.
1. مفهوم السياق القرآني:
تنوعت المحامل والدلالات اللغوية للسياق لغة واصطلاحاً، غير أن تحديد المعنى الدقيق للسياق القرآني، هو ما نسعى لبيانه من خلال استقراء معانيه، ودلالاته المتنوعة.
أ. السياق لغةً: دلَّ السياق في المعاني اللغوية على الآتي:
التتابع واللُّحوق: جاء السياق من الجذر اللغوي (سَ وَ قَ)، والكلمة مصدر: (سَاقَ يَسُوقُ سَوْقَاً وسِيَاقَاً)، فالمعنى اللغوي يشير إلى دلالة الحدث، وهو التتابع، وقد انْسَاقَت، وتَسَاوقَت الإبل تَسَاوقَاً إذا تتابعت.
الانقياد: جاء في لسان العرب في مادة سَوَقَ: "السَّوقُ معروف سَاقَ الإبل وغيرها يـَسُوقُهَا سَوقَاً وسِيـَـاقَاً، وهو سَائِقٌ وسَوَّاقٌ وفي الحديث: "لا تقوم السَّاعة حتى يخرج رجل من قَحْطان يَسُوقُ الناس بعصاه،" وهو كناية عن استقامة الناس، وانقيادهم إليه واتفاقهم عليه."
حدوْ الشيء: جاء عند ابن فارس في مادة سَوَقَ: "يدل على حَدْوُ الشيء. والسِّيَقَة: ما استِيقَ من الدواب، ويقال سُقْتُ إلى امرأتي صداقها، وأسَقْتُه، والسَّوق مشتقة من هذا، لما يُساقُ إليها من كل شيء، والجمع أسْواق."
الجلب: وعند الراغب في تعريف مفردة سَاقَ: "سَوقُ الإبل: جلبها وطردها، يقال: سُقْتُهُ فانْسَاقَ، والسِّيقة: ما يُسَاقُ من الدواب، وسُقتُ المهر إلى المرأة...، ورجل أسْوق، وامرأة سَوقاء بينة السُّوق، أي: عظيمة السَّاق، والسُّوق: الموضع الذي يجلب إليه المتاع للبيع."
السَّرد: يقول الزمخشري: "تسَاوقت الإبل: تتابعت، وهو يسُوق الحديث أحسن سِيَاق، وإليك يُسَاقُ الحديث، وهذا الكلام مسَاقُة إلى كذا، وجئتك بالحديث على سَوقه: على سَرده." وعند المناوي: "السِّياق سَوق الرُّوح من أرجاء البدن إلى الخروج منه." وفي المعجم الوسيط: "السِّياق: المهر وسياق الكلام تتابعه، وأسلوبه الذي يجري عليه، والنـزع: يقال هو في السِّياق الاحتضار."
ومن مجموع المعاني اللغوية المتقدمة يتضح لنا أن كلمة السياق تدور حول عددٍ من المعاني منها: التتابع واللحوق، والانقياد، وحدْو الشيء، والجلب للشيء، والسرد. وهذا ما تؤكده قراءة المعاصرين لمعنى السياق.
يقول صاحب كتاب" دلالة السياق منهج مأمون لتفسير القرآن": "إن كلمة ساق تثير في الذهن معنى لحوق شيء لشيء آخر، واتصاله به، واقتفائه أثره كما تثير معنى الارتباط، والتسلسل، والانتظام في سلك واحد." ويضيف صاحب كتاب نظرية السياق القرآني معنىً آخر لهذه الكلمة فيقول: إنّها تدل على: "انتظام متوالٍ في الحركة لبلوغ غاية محددة،" وبهذا التقريب تتضح المعاني اللغوية للسياق أكثر، وتتبلور في صورة أوضح.
ب. السياق اصطلاحاً:
يستخدم المفسرون القدامى السياق، ويوردونه في مصنفاتهم، إلا أنهم لم يفصِّلوا في تعريفه، فبعد التتبع والاستقراء لم نعثر على تعريف اصطلاحي مستقل للسياق عندهم، ولكن وردت معانٍ وعبارات لم نر بداً من ذكرها؛ حتى لا نغفل ما جاء عنهم.
فهذا الإمام ابن جرير الطبري يعلل بعض اختياراته التفسيرية بالسياق، مضمناً ذلك بمعنى السياق فيقول: "فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى،" وعلل ما يذهب إليه من اختيار لما يقتضيه السياق والمعنى. ويحدد ابن دقيق العيد معنى عاماً للسياق بقوله: "أما السياق والقرائن: فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه، وهي المرشدة إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات." وقد أرجع السياق إلى مراد المتكلم، وهو غرضه ومقصوده.
ويؤكد الزركشي على بُعد آخر للسياق فيقول: "ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز، ولهذا ترى صاحب الكشاف يجعل الذي سيق له الكلام معتمداً حتى كأن غيره مطروح." والذي يظهر من كلامه أنه يجعل السياق في معنى الغرض والنظم.
وقد وقف الباحثان على بعض التعريفات المعاصرة التي حاول أصحابها وضع تعريف للسياق، منها ما يأتي:
عرفه عبد الوهاب أبو صفية الحارثي بقوله: "أما السياق القرآني فإننا نقصد به أمرين:
1. الأغراض والمقاصد الأساسية التي تدور عليها جميع معاني القرآن، إلى جانب النظم الإعجازي، والأسلوب البياني الذي يشيع في جميع تعبيراته.
2. الآيات والمواضع التي تتشابه في موضوعها."
ويعرفه فهد الشتوي بالغرض الذي يساق الكلام لأجله فيقول: "الغرض الذي تتابع الكلام لأجله مدلولاً عليه بلفظ المتكلم أو حاله، أو أحوال الكلام، أو المتكلم فيه، أو السامع." ويرى الباحث عبد الرحمن المطيري بأنه التتابع والترابط فيقول: "تتابع المفردات، والجمل، والتراكيب القرآنية المترابطة؛ لأداء معنى."
ويقسم نجم الدين زنكي التعريف الاصطلاحي للسياق إلى عدة محاور: السياق عند القدامى، والسياق عند المحدَثِين، ويتضمن أربعة اتجاهات، لا تخرج كلها عن دائرة المقام والمقال والقرائن، ويخلص إلى أن السياق هو: ما انتظمت فيه القرائن الدالة على المقصود من الخطاب، سواء أكانت القرائن مقالية أم حالية.
بينما يرى المثنى عبد الفتاح محمود بأنه: "تتابع المعاني وانتظامها في سلك الألفاظ القرآنية؛ لتبلغ غايتها الموضوعية في بيان المعنى المقصود، دون انقطاع أو انفصال."
وبالنظر لجملة التعريفات السالفة الذكر للسياق بمعناه الاصطلاحي يتضح أن هناك تفاوتاً بينها من حيث المضمون، فعبارات السابقين اتسمت بالعموم والشرح لمواضعها التي أتت فيها، بينما نجد تعريفات المتأخرين قد اتجه بعضها إلى تعريفات جزئية دلَّت على الغرض والتتابع. ولعل أقرب هذه التعريفات، أو ما يمكن اعتماده هو تعريف عبد الوهاب أبو صفية، وتعريف المثنى عبد الفتاح اللذيْنِ جمعا في تعريفهما للسياق بين التتابع الدال على الترابط، الانتظام الدال على السير المنتظم للمعاني، ثم بلوغ الغاية التي يقصد منها إعطاء المعنى التام للغرض الذي لأجله نـزل القرآن، مع الاشتمال على الأغراض، والمقاصد الأساسية، وعدم إغفال مواضع السياق، فالسياق قد يكون في الآية أو المقطع من السورة أو السورة أو القرآن كاملاً، وذلك من جهة أغراضه، ومقاصده الأساسية، ومن جهة نظمه المعجز.
ومن ثمَّ يمكننا القول بأن المقصود بالسياق القرآني: (تتابع المعاني، والألفاظ القرآنية المتشابهة النظم، والأسلوب؛ للبلوغ إلى غايتها الموضوعية في بيان المعاني المقصودة، والحكم المستفادة).
ويعد ابن عاشور من جملة الذين استخدموا السياق في مساحات متعددة من تفسيره، أفضت بمجلها إلى أنّ للسياق أهمية بالغة عنده. غير أنه قد شابه عبارات السابقين على المستوى التنظيري، بخلاف الجانب التطبيقي الذي اتسم بالتميّز والإبداع، من خلال ربط السياق بالأغراض والمقاصد. ومن جملة ما قاله ابن عاشور في السياق: "فمختلف المحامل التي تسمح بها كلمات القرآن، وتراكيبه، وإعرابه، ودلالته، من اشتراك، وحقيقة، ومجاز، وصريح، وكناية، وبديع، ووصل، ووقف، إذا لم تفض إلى خلاف المقصود من السياق، يجب حمل الكلام على جميعها." وفي هذه العبارة مراعاة للسياق، واعتبار واضح له، فقد جعل ابن عاشور مختلف المحامل، والأوجه في مقابل السياق، بحيث إذا عارض أحدها السياق فلا اعتبار لها، إلى غير ذلك من العبارات التي سطرها ابن عاشور، والتي تأتي تباعاً في الفقرات الآتية.
2. التفسير المقاصدي:
أ. التفسير لغة:
التَّفْسِير مصدر على وزن تفعيل، وفعله الماضي رباعي مضعف: فسَّر، تقول: فَسَّرَ، يُفَسِّرُ، تَفْسِيراً. جاء في لسان العرب لفظ "فَسَرَ" بمعنى: "الفَسْرُ البيان، يقال: فسَّر الشيء يفسِّره بالكسر وتَفْسِرُهُ بالضم فَسْرَاً، وفَسَّرَهُ أبانه، وقوله : ﮋﭗ ﭘﮊ (الفرقان: 33). الفَسْرُ كشف المغطى والتَّفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل." وقال ابن فارس: "الفَسْرُ: كلمة تدل على بيان شيء وإيضاحه. تقول: فَسَرْتُ الشئ وفَسَّرْتُه،" وقال الراغب: "فسَّر الفَسْرُ إظهار المعنى المعقول، والتَّفسير في المبالغة كالْفَسْر."
ومما سبق من المعاني اللغوية يتضح لنا أنَّ من معاني التفسير في اللغة: البيان، والكشف، والإظهار، والتوضيح.
ب. التفسير اصطلاحاً:
تعددت التعريفات الاصطلاحية للتفسير، وسنقتصر هنا على ذكر ثلاثة من التعريفات المشهورة مع الترجيح لأحدها. فقد عرَّفه الإمام الزركشي بقوله: "التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنـزل على نبيه محمد  وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النـزول، والناسخ والمنسوخ."
وعرّفه الشيخ الزرقاني بأنه: "علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية." وعرفه الإمام محمد الطاهر ابن عاشور بقوله: "التفسير: اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن، وما يستفاد منها، باختصارٍ أو توسُّع." وهذا التعريف وضعنا على بعدٍ آخر من معاني التفسير، يتمثل هذا البعد في إشارته لمعاني القرآن والفائدة منها، غير أن المدقق في مقدمات تفسيره، وبين أصداف تفسيراته يجده يوضح مفهومه للتفسير من أبعاد قد تكون أقرب للدلالة على التفسير المقاصدي؛ إذ يوضح في المقدمة الرابعة أن غرض المفسر من التفسير هو: "معرفة المقاصد التي نـزل القرآن لبيانها،" ويؤكد من عمق هذا المفهوم عنده استخدامه المفهوم ذاته في مواضع متعددة على مستوى تفسير الآيات، ومن ذلك قوله: "على أنّ من مقاصد القرآن أمرين آخرين: أحدهما كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لِمختلِف استنباط المستنبطين، حتى تؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين، وثانيهما تعويد حَمَلة هذه الشريعة، وعلماء هذه الأمة، بالتنقيب، والبحث، واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة."
ولعل عباراته هذه هي الأنسب لمعنى الاتجاه المقاصدي في التفسير؛ لتركيزه على المقاصد القرآنية صراحة، بالإضافة إلى استعماله الواسع لمفهوم التفسير المقاصدي على المستوى التطبيقي عند تفسيره للآيات. ولو أنَّ ابن عاشور وسّع التعريف قليلاً لكان أجمل وأكمل، ومن ثمَّ يمكننا القول إنّ علم التفسير بناءً على فهم ما جاء عن ابن عاشور هو: (ذلك العلم الذي يتم من خلاله فهم مراد الله تعالى من آيات القرآن، وبيان معانيه، وما يستفاد منها، والكشف عن الأحكام الواردة فيها، ومقاصدها وغاياتها، ويرفع الغموض عن ألفاظها).
ت. المقاصد لغة:
مقاصد على وزن مفاعل، وترجع كلمة المقاصد في معناها اللغوي إلى الفعل "قَصَدَ" تقول: قَصَدَ، يَقْصُدُ، قَصْدَاً. ومنه تنصرف جميع الاشتقاقات، كالقَصْدُ، والقَاصِدُ، والـمَقَاصِدُ، والاقْتِصَادُ، وغيرها.
جاء في لسان العرب: "القَصْدُ: استقامة الطريق. قَصَدَ يَقْصُدُ قَصْدَاً فهو قَاصِدٌ. وقوله تعالى: ﮋﭬ ﭭ ﭮ ﭯﮊ (النحل: 9). أي على الله تبيين الطريق المستقيم، والدعاء إليه بالحجج والبراهين الواضحة." وقال ابن فارس: "قَصَدَ: القاف والصاد والدال أصول ثلاثة، يدل أحدها على إتيان شيء وأمه، والآخر على اكتناز في الشيء. فالأصل: قَصَدْتُهُ قَصْدَاً ومَقْصَداً."
ويقول الراغب الأصفهاني: "قَصَدَ: القَصْدُ استقامة الطريق، يقال قَصَدْتُ قَصْدَهُ أي نَحَوتُ نَحْوَه."
وقد جاء لفظ (قَصَدَ) في القرآن في ستة مواضع، يفيد أغلبها التوسط، والاستقامة، والاعتدال، وهي كالآتي:
• اقْصِدْ: في قوله تعالى:[وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ](لقمان: 19)، ومعناه توسط فيه، والقصد ما بين الإسراع والبطء.
• قَصْدُ: في قوله تعالى:[وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ] (النحل: 9)، أي على الله بيان قصد السبيل، فحذف المضاف وهو البيان، والسبيل هو الإسلام، ومعنى الآية: على الله بيان الإسلام بالرسل والحجج والبراهين، وقصد السبيل معناه استقامة الطريق، يقال طريق قاصد، أي مستقيم يؤدي إلى المطلوب.
• قاصِدَاً: في قوله تعالى:[لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ](التوبة:42)؛ أي سفراً سهلاً معلوم الطريق.
• مُقْتصِدْ: في قول الله تعالى:[ وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ] (لقمان:32)؛ أي عدل في العهد، وفي البر بما عاهد عليه في البحر.
• مُقْتصِدْ: في قوله تعالى:[ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ](فاطر: 32)؛ أي الملازم للقصد، وهو ترك الميل.
• مُقْتصِدَة: موضع آخر، في قوله تعالى:[وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ ](المائدة: 66)؛ أي منهم قوم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين، والاقتصاد: الاعتدال في العمل.
وبناءً على ما سبق من المعاني اللغوية لمعنى المقاصد، يمكن القول: بأن القَصْد والمقْصَد والمقاصد في الأصل، تعني العزم والتوجه نحو الشيء، ولها استعمالات أُخر متعددة منها: الاعتماد، والأَمُّ، وتعدّ الحكمة من أقرب تلك المعاني للمقاصد، وورودها في القرآن أكثر.
ث. المقاصد اصطلاحاً:
يستعمل الأصوليون عادة لفظ المقاصد تحت معنى الهدف والغاية من الأحكام التشريعية، وهناك عدد من الألفاظ المستعملة بمعنى المقاصد، منها: الحِكَم والحكمة، والأسرار، والغايات، والأهداف، والأغراض. ولا بدّ من أن نفرق بين مقاصد الشريعة عموماً، ومقاصد القرآن خصوصاً؛ إذ إنّ مقاصد القرآن هي أصل مقاصد الشريعة، وعليها تدور مقاصد الشريعة، ومنها تستمد، فمن تعريفات العلماء لمقاصد الشريعة ما يأتي:
- ما ذكره الإمام الشاطبي في معرض ذكر مفهوم المقصود الشرعي: "أنَّ المقصود الشرعي من الخطاب الوارد على المكلفين تفهيم ما لهم وما عليهم، مما هو مصلحة لهم في دنياهم وأخراهم، وهذا يستلزم كونه بيّناً واضحاً لا إجمال فيه ولا اشتباه."
وقد وضع الإمام الشاطبي ثلاث جهات لمعرفة القصد الشرعي وهي: إرادة التكليف، والمقصود الدلالي من الخطاب الشرعي، والمقصود الشرعي من الحكم.
- ويعرّف الإمام محمد الطَّاهر بن عاشور المقاصد العامة للشريعة بقوله: "مقاصد التشريع العامة هي: المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع، أو معظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاصّ من أحكام الشريعة."
- ويعرف الريسوني مقاصد الشريعة بأنها: "الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها، لمصلحة العباد." ولعل التعريف الأخير يشمل مقاصد الشريعة الكلية، والجزئية ويتسم بالوضوح والبساطة.
وأما مقاصد القرآن، فإن ما ذكره المتقدمون -بحسب اطلاع الباحثيْن- حول تعريف المقاصد القرآنية، لا يكتمل أن يكون تعريفاً علمياً، إلا أن ورود المصطلح لم تخل منه كتب المتقدمين والمعاصرين، فقد جاء هذا اللفظ عند الإمام العز بن عبد السلام في مواضع عدة من كتابه القواعد، كقوله: "معظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها." وقوله كذلك: "ولو تتبعنا مقاصد ما في الكتاب والسنة، لعلمنا أن الله أمر بكل خير دِقَّهُ وجِلَّهُ، وزجر عن كل شر دِقَّهُ وجِلَّهُ، فإن الخير يعبّر به عن جلب المصالح ودرء المفاسد، والشر يعبّر به عن جلب المفاسد ودرء المصالح." وقد ذكر هذا المصطلح أيضاً الإمام ابن عاشور في مواضع عدة منها ما ذكره في مقدمات التحرير والتنوير في المقدمة الرابعة فيما يكون عليه غرض المفسر، يقول: "فغرض المفسر بيان ما يصل إليه أو ما يقصده من مراد الله تعالى في كتابه بأتمِّ بيانٍ يحتمله المعنى، ولا يأباه اللفظ من كل ما يوضح المراد من مقاصد القرآن."
ويقول في تفسير سورة الفاتحة: "إنّها تشتمل، محتوياتها، على أنواع مقاصد القرآن، وهي ثلاثة أنواع: الثناء على الله ثناءً جامعاً لوصفه بجميع المحامد، وتنـزيهه عن جميع النقائص، ولإثبات تفرده بالإلهية، وإثبات البعث والجزاء." وقد ذكر هذا اللفظ غير واحد من المعاصرين من أمثال الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار، والإمام حسن البنا في مقاصد القرآن، وغيرهما.
وقد وقف الباحثان على تعريف للمقاصد القرآنية لعبد الكريم حامدي –من علماء المقاصد المعاصرين- الذي عرّفها بقوله: "مقاصد القرآن هي الغايات التي أنـزل الله القرآن لأجلها تحقيقاً لمصالح العباد،" وهي محاولة جيدة أفادها من تعريفات العلماء لمقاصد الشريعة عموماً، وكذلك هو تعريف قريب مما قاله الرَّيسوني مذكور في تعريف مقاصد الشريعة الذي سبق إيراده.
وبناءً على ما سبق من بيان لمصطلح مقاصد القرآن، يرى الباحثان بأنَّ مقاصد القرآن هي: (الأسرار والحكم والغايات التي نـزل القرآن لأجل تحقيقها جلباً للمصالح، ودفعاً للمفاسد، وهي واضحة في جميع القرآن أو معظمه).
ونخلص مما سبق كلّه إلى طرح السؤال الآتي: هل وضع أهل التفسير تعريفاً معتبراً للتفسير المقصدي؟
يعدّ التفسير المقاصدي تفسيراً تجديدياً، بالرغم من أن تاريخ المقاصد قديمٌ قِدَم التشريع، واستعمال لفظ المقاصد ومعانيه مشهور منذ القِدَم، إلا أنَّ إدخال المقاصد في التفسير ظهر في القرون المتأخرة، ابتداءً من عصر محمد عبده، وتلميذه رشيد رضا، ثم ابن عاشور، وانتهاءً بسيد قطب، وسعيد حوَّى، وغيرهم ممن كتب في التفسير المعاصر، غير أن هؤلاء - جميعاً- لم يوجد في تفاسيرهم التعريف الواضح لهذا النوع من التفسير، على الرغم من أن منهجيتهم واضحة، وطريقتهم في تناول المقاصد لا لبس فيها. ولعل ابن عاشور حاول في تعريفه للتفسير بمعناه الاصطلاحي أن يحدد ملامح هذا النوع من التفسير، ولكن يظل تعريفه المذكور تعريفاً للتفسير بمعناه العام، وقد سبق بيان ما يشتمل عليه تعريفه، وما يميزه عن غيره.
ومما سبق ذكره من تعريفات لمقاصد الشريعة عموماً عند علماء المقاصد والمفسرين، وبناء على التعريفات السابقة لمقاصد القرآن خصوصاً يمكننا تعريف التفسير المقاصدي للقرآن الكريم بأنه:
(ذلك النوع من التفسير بالرأي بالمحمود الذي يهتم ببيان الأغراض والمقاصد التي تضمنها القرآن، وشرعت من أجلها أحكامه، ويكشف عن معاني الألفاظ، مع التوسع في دلالاتها، مراعياً في ذلك قواعد التفسير بالمأثور،.... والسياق، والمناسبات).
ويمكن تقسيم التعريف إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ويتضمن إبراز الأغراض والمقاصد، أو الأسرار والغايات التي أنـزل الله تعالى من أجلها القرآن، وشرع سبحانه من أجلها الأحكام، وذلك إظهار لعظمة القرآن، وبيان للمقاصد التي جاء لتحقيقها، وبهذا يستطيع المفسر أن يفسّر القرآن وفقاً للمقاصد الخاصة، أو الجزئية التي دعا إليها القرآن، وأثبتها من خلال ما جاء في آيات الأحكام، والحدود، والمعاملات، أو من خلال العبادات عموماً، والدعوة إلى الأخلاق، وإصلاح الفرد، والمجتمع.
القسم الثاني: ويتضمن كشف الدلالات اللغوية لألفاظ القرآن الكريم، وبهذا يستطيع المفسّر أن يفسّر القرآن وفقاً للمقاصد العامة من القرآن. وإنّ احتمال الألفاظ لأوجه لغوية متعددة، وقراءات متواترة، فيه يسر ورفع للمشقة الناتجة عن تفسير واحدي للفظ، وهذا المنهج التيسيري من المقاصد التي جاء بها القرآن الكريم.
القسم الثالث: ويتضمن الاهتمام بقواعد التفسير الأخرى التي يكتمل بها وضوح الحكم، وفهم الآية كالمأثور، والسياق، والمناسبات، وأسباب النـزول، من خلال الإفادة منها، وتوظيفها في سبيل تقوية النهج المقاصدي الذي يرمى إليه المفسر دون شذوذ أو خروج عن المألوف، بل إن كل قول تفسيري يصبُّ في فحوى الخطاب المقاصدي ينبغي أن يستدل به، وهذا ما نهجه الإمام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا في تفسير المنار، والذي سار عليه ابن عاشور في تفسيره.
ثانياً: أهمية السياق القرآني، وأنواعه عند ابن عاشور:
يعدّ السياق القرآني من الأهمية بمكان؛ إذ إن لفهم السياق فوائد متعددة تساعد المفسر في قوام منهجيته، وسير خطته؛ فسياق السورة أو الآية خير معين على فهم المراد منها، وقد جعله كثير من المفسرين أصلاً يستند عليه في بيان المعنى، والمقاصد، والأغراض، والتوجيه والترجيح، ومن هؤلاء الإمام ابن جرير الطبري بقوله: "غير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنـزيل، أو خبر عن الرسول تقوم به حُجَّة، فأما الدَّعاوى، فلا تتعذر على أحد." وعلاوة على ذلك فقد عَدَّ ابن جرير الطبري السياق القرآني من قواعد الترجيح بين الأقوال في التفسير، ونصّ على أن الكلام على اتصال السياق ما لم يدل دليل على انقطاعه، كما يؤكد ذلك صاحب كتاب قواعد الترجيح في التفسير: "واستعمل هذه القاعدة في مواطن كثيرة جداً من كتابه، ونص عليها بلفظها كذلك في مواطن كثيرة، فهي من القواعد الأساسية التي اعتمد عليها في الترجيح."
ويقرّ بهذا الأصل علماء المقاصد، فهذا العز بن عبد السلام يبين بعض آثار دلالة السياق، وأهميته قائلاً: "السياق مرشد إلى تبين الـمُجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، وكل ذلك بعرف الاستعمال، فكل صفة وقعت في سياق المدح كانت مدحاً، وكل صفة وقعت في سياق الذم كانت ذمَّاً، فما كان مدحاً بالوضع فوقع في سياق الذم صار ذماً، واستهزاءً، وتهكماً بعرف الاستعمال مثاله: ﮋﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍﮊ (الدخان: 49)، أي الذليل المهان لوقوع ذلك في سياق الذم، وكذلك قول قوم شعيب: ﮋﯖ ﯗ ﯘ ﯙﮊ (هود: 87)؛ أي السفيه الجاهل؛ لوقوعه في سياق الإنكار عليه، وكذلك: ﮋﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈﮊ (الأحزاب: 67)؛ لوقوعه في سياق ذمهم بإضلال الأتباع، وأما ما يصلح للأمرين فيدل على المراد به السياق، كقوله تعالى: ﮋﮛ ﮜ ﮝ ﮞﮊ (القلم: 4)، أراد به عظيماً في حسنه، وشرفه؛ لوقوع ذلك في سياق المدح، وقوله: ﮋﭭ ﭮ ﭯ ﭰﮊ (الإسراء: 40)، أراد به عظيماً في قبحه؛ لوقوع ذلك في سياق الذم."
وهذا الإمام الشاطبي، يقرُّ بهذا الأصل كذلك، وذلك في قوله: "المساقات تختلف باختلاف الأحوال، والأوقات، والنوازل، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان؛ فالذي يكون على بال من المستمع، والمتفهم، والالتفات إلى أول الكلام وآخره، بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها، لا ينظر في أوّلها دون آخرها، ولا في آخرها دون أوّلها، فإن القضية وإن اشتملت على جمل؛ فبعضها متعلق [ببعض]؛ لأنها قضية واحدة نازلة في شيءٍ واحدٍ، فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض، إلا في موطن واحد، وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي، وما يقتضيه، لا بحسب مقصود المتكلم، فإذا صح له الظاهر على العربية، رجع إلى الكلام نفسه، فعَمَّا قريب يبدو له منه المعنى المراد؛ فعليه بالتعبد به."
ومنهم كذلك محمد عبده، وتلميذه رشيد رضا؛ إذ يقول رشيد رضا موافقاً أستاذه: "وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ: موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى."
وقد سرد كثير من الباحثين أقوالاً متعددة للعلماء، والأئمة القدامى والمعاصرين، ليس المجال مناسب لبيانها، أو الحديث عنها، وقد تم اقتصار الحديث على ما له صلة بموضوعنا، وبما يعزز الرؤية المقاصدية في التفسير، وبما يخدم السياق بوصفه منهجية تخدم التفسير المقاصدي. ونشير إلى أنّ ابن عاشور قد أعطى السياق مزيداً من العناية والاهتمام؛ لما له من ارتباط بالمقاصد والأغراض، وجعل من منهجيته المقاصدية أن عدّ السياق أساساً في التفسير، واتخذه مدخلاً لتوجهه المقاصدي في التفسير، كما سيأتي معنا لاحقاً.
1. أنواع السياق القرآني:
يستدل المفسرون بالسياق بأنواعه المختلفة، فتارة يستدلون بدلالة السياق في الآية، وتارة يستدلون بسياق المقطع أو الآيات، وتارة أخرى يأخذون بسياق السورة، وطوراً يتحدثون عن السياق القرآني بعمومه، ويقسم الباحثون أنواع السياق إلى أربعة أقسام:
النوع الأول: سياق الآية
ونعني به النظر في دلالة الآية، وسياقها من أوّلها إلى آخرها، دون الالتفات إلى ما قبلها أو بعدها بما يجعلها موضوعاً متكاملاً وحدها، ولا بدّ من النظر بما تضمنته من تتابع واتساق في الكلمات، وما اشتملت عليه من وجوه الإعجاز والإيجاز، حتى تخدم غرضاً ومقصداً بعينه، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى:[أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ](البقرة: 258)، قال ابن عاشور عن دور السياق في هذا الآية: "وفي تقديم الاستدلال بخلق الحياة إدماج لإثبات البعث؛ لأنّ الذي حاجّ إبراهيم كان من عبدة الأصنام، وهم ينكرون البعث، وذلك موضع العِبرة من سياق الآية في القرآن على مسامع أهل الشرك، ثم أعقبه بدلالة الإماتة، فإنّه لا يستطيع إنهاء حياة الحي، ففي الإحياء والإماتة دلالة على أنّهما من فعل فاعل غير البشر، فالله هو الذي يحيي ويميت." وقد استدل ابن عاشور بسياق الآية فقط، وأثبت من خلاله وجوه الاستدلال بخلق الحياة والموت، كما دل عليها سياق الآية، ثم بيّن موضع العبرة وهو مقصد جليل.
النوع الثاني: سياق الآيات، أو سياق النص
ويقصد منه النظر إلى مجموعة من الآيات التي تمثل محوراً معيناً، أو تتحدث عن قضية معينة، أو تتناول قصة من القصص، فلا بدّ من النظر إلى مجموعه ولا يقتصر على أوّله دون آخره، أو آخره دون أوّله، وقد أوضح ذلك الإمام الشاطبي بقوله: "المساقات تختلف باختلاف الأحوال، والأوقات، والنوازل، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان؛ فالذي يكون على بال من المستمع، والمتفهم، والالتفات إلى أول الكلام وآخره، بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها، لا ينظر في أوّلها دون آخرها، ولا في آخرها دون أوّلها، فإن القضية وإن اشتملت على جمل؛ فبعضها متعلق ببعض؛ لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد، فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده."
وقد اعتمد ابن عاشور على هذا المبدأ على المستوى التطبيقي في تفسيره، مع الإفادة منه في إبراز المقاصد والأغراض، ومن أمثلة ذلك ما جاء عن ابن عاشور في حديثه عن سياق الآيات عند قول الله تعالى:[وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ](التوبة: 100)؛ إذ بيّن مفهوم السبق بناءً على سياق الآيات، وفي ذلك بقول: "والمقصود بالسّبق: السّبق في الإيمان؛ لأن سياق الآيات قبلها في تمييز أحوال المؤمنين الخالصين، والكفار الصرحاء، والكفار المنافقين؛ فتعيّن أن يراد الذين سبقوا غيرهم من صنفهم، فالسابقون من المهاجرين: هم الذين سبقوا بالإيمان قبل أن يهاجِر النبي  إلى المدينة، والسابقون من الأنصار: هم الذين سبقوا قومهم بالإيمان، وهم أهل العقبتين الأولى والثانية،" فبيّن من السياق المقصود بالسبق بناءً على مقتضى سياق الآيات.
النوع الثالث: سياق السورة
ويراد به نظر المفسِّر إلى سياق السورة بأكملها، فيبين أغراضها، ويجلي سياقها، ويحدد مقاطعها، ويستخلص الترجيحات من ذلك، ويستخرج المتشابه، وهذا النوع يخدم المقاصد خدمة كبيرة في بيان الأغراض، والسياق العام للسورة، ويعرض ذلك في قوالب عامة يمكن للمفسِّر أن يرجع إليها عند الترجيح أو التشابه أو الإبهام، يقول عبد الله دراز: "إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثاً من المعاني، حشيت حشواً، وأوزاعاً من المباني جمعت عفواً، فإذا هي -لو تدبرت- بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، وامتدَّ من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول، فلا تزال تنتقل بين أجزائها، كما تنتقل بين حجرات، وأفنية في بناء واحد قد وضع رسمه مرة واحدة... ولماذا نقول إن هذه المعاني تنتسق في السورة كما تنتسق الحجرات في البنيان؟ لا بل، إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان...، ومن وراء ذلك كله يسري في جملة السورة اتجاه معين، وتؤدي بمجموعها غرضاً خاصاً، كما يأخذ الجسم قواماً واحداً، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد، مع اختلاف وظائفه العضوية."
وهذا الوصف من جملة الأوصاف الجميلة التي أتحفنا بها الدكتور دراز حول سياق السورة الذي يدل على سعة أفقه، وعميق تدبره وتفهمه لكتاب الله، وتقديره للسياق القرآني، وعدّه مسألة يفهم على ضوئها القرآن الكريم فهماً مقاصدياً.
وقد حرص ابن عاشور على إبراز هذا النوع، وذلك من خلال استقرائه كلّ سورة، والتزامه بذكر أغراض السور، ومحدداتها العامة. ومن الأمثلة على الاستدلال بسياق السورة، ما ورد عند تفسير قول الله تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا](النساء:19). يذكر ابن عاشور أن دلالة الآية تؤيد السياق العام للسورة، في تفصيل أحكام النساء، وما تحتاجه المرأة بشكل عام، فيقول: "استئناف تشريع في أحكام النساء التي كان سياق السورة لبيانها، وهي التي لم تزل آيها مبيّنة لأحكامها تأسيساً واستطراداً، وبدءاً وعوداً، وهذا حكم تابع لإبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من جعل زوج الميّت موروثة عنه." وهذا يدلّ على اهتمام ابن عاشور بسياق السورة، وتوظيفه في خدمة أغراض السورة ومقاصدها، جاعلاً السياق ركناً مهماً من أركان التفسير.
النوع الرابع: السياق القرآني بالجملة
ويراد به المقاصد الكلية، والأغراض الأساسية التي تضمنها القرآن الكريم، ويكون ملاحظتها بالنظر في عموم الخطاب القرآني، ولقد عني ابن عاشور بهذا النوع أيّـمَا عناية، يقول: "فغرض المفسِّر بيان ما يصل إليه أو ما يقصده من مراد الله تعالى في كتابه بأتمِّ بيان يحتمله المعنى، ولا يأباه اللفظ من كل ما يوضح المراد من مقاصد القرآن، أو ما يتوقف عليه فهمه أكمل فهم، أو يخدم المقصد تفصيلاً وتفريعاً." ومن البراعة المنهجية لابن عاشور أنه وضع مقاصد ثمانية أصلية للقرآن الكريم؛ لتكون نهلاً عذباً، ومرداً طيباً عند الحاجة إليها. ومن السياق العام للقرآن الألفاظ، والمعاني المتشابهة التي يستدل بسياقات أمثالها على معانيها، يقول ابن عاشور: "فلا جرم كان رائد المفسر في ذلك –أي بيان القرآن- أن يعرف على الإجمال مقاصد القرآن مما جاء لأجله، ويعرف اصطلاحه في إطلاق الألفاظ، وللتنـزيل اصطلاحٌ، وعاداتٌ." وقد حرص ابن عاشور على إبراز هذا النوع، وذلك من خلال استقرائه للقرآن عموماً، والتزامه بذكر الأغراض الكُلِّية، والأسس العامة.
ثالثاً: أثر السياق القرآني عند ابن عاشور في خدمة التفسير المقاصدي
تنوعت اهتمامات ابن عاشور بالسياق القرآني، وظهرت في اتجاهات مختلفة، تصبُّ في مجرى واحد هو توظيفه للسياق في خدمة توجهه المقاصدي، فتارة يشير للغرض الذي دلّ عليه السياق، أو المقاصد التي دلت عليها السورة، أو المقطع، أو الآية الواحدة، وتارة أخرى يستخدم السياق للتفريق بين المعاني والمقاصد. وقد ظهر أثر هذا الاهتمام والعناية في المناحي الآتية:
1. يبين ابن عاشور دور الغرض أو المقصد في بيان اتصال الكلام بعضه ببعض، فيقول: "وإنما تنـزل سور القرآن في أغراض مقصودة، فلا غنى عن مراعاة الخصوصيات المناسبة لفواتح الكلام، وخواتمه بحسب الغرض، واستيفاء الغرض المسوق له الكلام، وصحة التقسيم، ونكت الإجمال والتفصيل، وأحكام الانتقال من فن إلى آخر من فنون الغرض، ومناسبات الاستطراد، والاعتراض، والخروج، والرجوع، وفصل الجمل، ووصلها، والإيجاز، والإطناب، ونحو ذلك مما يرجع إلى نكت مجموع نَظم الكلام، وتلك لا تظهر مطابقتها جلية إلا إذا تم الكلام واستَوفَى الغرضُ حقه،" فدل هذا على السياق المعبر عنه بترابط الكلام، ونظمه، ومطابقته.
ولابن عاشور عناية بهذا المجال في المستوى التطبيقي، ومن ذلك ما جاء عنه عند تفسيره قول الله تعالى:[وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ](الأنعام: 38)؛ إذ يقول في بيان الراجح في معنى الكتاب: "وقيل الكتاب القرآن، وهذا بعيد إذ لا مناسبة بالغرض على هذا التفسير،" فقد ردّ القول بأن الكتاب في الآية هو القرآن، وبيّن من خلال السياق أن المقصود بالكتاب هو اللوح المحفوظ، واحتجّ بأن التفسير لا يناسب غرض الآية، فهي مع سابقاتها من الآيات قبلها في محاجة المشركين، وبيان قدرة الله عليهم.
2. تظهر عناية ابن عاشور بالسياق من خلال تعريفه للسورة؛ إذ يقول: "السورة قطعة من القرآن معينة بمبدأ ونهاية لا يتغيران، مسماة باسم مخصوص، تشتمل على ثلاث آيات فأكثر في غرض تام ترتكز عليه معاني آيات تلك السورة، ناشئ عن أسباب النـزول، أو عن مقتضيات ما تشتمل عليه من المعاني المتناسبة." فالتعبير الحاصل لتعريف السورة يدل على السياق، بوصف السورة قطعة واحدة لا يمكن تجزئتها، أو فصل آياتها بل تفسر وفق سياقها.
3. يعزز ابن عاشور من اتساع فهمه لمسألة السياق القرآني، فيدخل الأغراض في السياق قائلاً: "من أفانين البلاغة ما مرجعه إلى مجموع نظم الكلام، وصوغه بسبب الغرض الذي سيق فيه من فواتح الكلام وخواتمه، وانتقال الأغراض، والرجوع إلى الغرض، وفنون الفصل، والإيجاز والإطناب، والاستطراد والاعتراض." وقد استخدم ابن عاشور الأغراض والسياق هنا بمعنى واحد، ومن أمثلة ذلك ما أورده عند تفسيره قول الله تعالى:[كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ](آل عمران: 185)، يقول: "هذه الآية مرتبطة بأصل الغرض المسوق له الكلام، وهو تسلية المؤمنين على ما أصابهم يوم أُحُد، وتفنيد المنافقين في مزَاعمهم أنّ الناس لو استشاروهم في القتال لأشاروا بما فيه سلامتهم فلا يهلكوا، فبعد أنّ بيّن لهم ما يدفع توهّمهم أنّ الانهزام كان خذلاناً من الله، وتعجّبهم منه كيف يلحق قوماً خرجوا لنصر الدين، وأن لا سبب للهزيمة...، ختم ذلك كلّه بما هو جامع للغرضين في قوله تعالى:[كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ](آل عمران: 185)؛ لأنّ المصيبة والحزن إنّما نشآ على موت من استشهد من خيرة المؤمنين." ويقدم لنا هذا المثال دلالة واضحة على أمور منها: أهمية اعتبار السياق عند ابن عاشور في التفسير، والاتجاه المقاصدي في اعتبار السياق، فقد ساق المثال على اعتبار الأغراض والسياق من غير التفريق بينهما، وربط الآية بغرض السياق المتقدم، بمعنى أنه راعى السياق من أول السورة إلى آخرها.
ومن اهتمام ابن عاشور بالسياق، وربطه بالمقاصد والأغراض ما جاء عند تفسيره لقول الله تعالى: ﮋﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁﮊ (الأنعام: 112)؛ إذ أوضح أن للفعل: ﴿جَعَلْنَا﴾ مفعولين: الأول: ﴿عَدُوّاً﴾، والثاني: ﴿لِكُلِّ نِبِيٍّ﴾، ويبين سبب تقديم المفعول الثاني على الأول في سياق الآية فيقول: "لأنّه الغرض المقصود من السّياق؛ إذ المقصود الإعلام بأنّ هذه سنّة الله في أنبيائه كلّهم، فيحصل بذلك التَّأسِّي والقُدوة والتّسلية؛ ولأن في تقديمه تنبيهاً من أول السمع على أنه خبر." وقد دل هذا المثال على أمور منها:
- المراعاة البالغة من ابن عاشور لدلالة السياق في الآية؛ إذ أرشد إلى سبب تقديم المفعول الثاني على المفعول الأول لمراعاة السياق.
- كما دلّ على اتباع ابن عاشور لمنهجية السياق في تفسير الآيات، وربط ذلك بالمقاصد والأغراض.
- ودل كذلك على التمكن اللغوي لابن عاشور، فإن كثيراً من المفسرين فاتتهم مثل هذا الـمُكنة اللغوية التي خاض ابن عاشور من خلالها أغمرة الصعاب، ومنها السياق، والمجاز، والإعجاز.
4. استخدم ابن عاشور السياق للتفريق بين المعاني والمقاصد، ومن ذلك ما جاء عند تفسيره قول الله تعالى:[ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ](المائدة: 67)، يقول: "هذه الآية تثبيت للوعد وإدامة له، وأنّه لا يتغيّر مع تغيّر صنوف الأعداء، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾؛ ليتبيّن أنّ المراد بالنّاس كفّارهم، وليومئ إلى أنّ سبب عدم هدايتهم: هو كفرهم، والمراد بالهداية هنا: تسديد أعمالهم، وإتمام مرادهم، فهو وعد لرسوله بأنّ أعداءه لا يزالون مخذولين لا يهتدون سبيلاً لكيدِ الرّسول والمؤمنين لطفاً منه تعالى، وليس المراد الهداية في الدّين؛ لأنّ السياق غير صالح له." وترشد عبارة ابن عاشور إلى أمورٍ منها:
- التفريق بين معاني الهداية المذكورة في الآية بناءً على دلالة السياق؛ لأن السياق لا يصلح بأن تكون دلالة الهداية بخصوص الدين.
- بالإضافة إلى أن منهجية السياق عند ابن عاشور تزداد براعة، وتفوق في هذا المثال الذي جمع بين المعاني والمقاصد وربطها بالسياق.
5. استخدم ابن عاشور السياق في معنى المقصد، فهو أحياناً يعمد إلى إظهار الاتصال الوثيق بينهما بوصفهما وحدة تكاملية تصب في مجرى التفسير المقاصدي، ومن ذلك الاستخدام ما جاء عنه عند تفسيره قول الله تعالى:[وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ](الأنعام: 121)، فهو يرى بأن النهي مراد به شيء معيّن لم يذكر اسم الله عليه، مستدلاً بلفظ المقصد والسياق؛ إذ يقول: "فإن اعتددنا بالمقصد والسّياق، كان اسم الموصول مراداً به شيء معيّن، لم يذكر اسم الله عليه، فكان حكمها قاصراً على ذلك المعيّن، ولا تتعلّق بها مسألةُ وجوب التّسمية في الذكاة، ولا كونها شرطاً أو غير شرط، بل له حكم نسيانها، وإن جعلنا هذا المقصد بمنـزلة سبب النـزول، واعتددنا بالموصول صادقاً على كلّ ما لم يذكر اسم الله عليه." والمتأمل في هذا المثال يجد أن ابن عاشور لا يفرق بين السياق والمقصد، بل إنه يوقن بأن كليهما يعني الآخر.
6. من منهجية ابن عاشور أنه عدّ السياق حكماً على المحامل والدلالات التي تحتملها الآية، وخلاف ذلك لا يعد مقبولاً عنده، وقد صرح عن هذا التوجه بقوله: "فمختلف المحامل التي تسمح بها كلمات القرآن، وتراكيبه، وإعرابه، ودلالته، من اشتراك، وحقيقة، ومجاز، وصريح، وكناية، وبديع، ووصل، ووقف، إذا لم تفض إلى خلاف المقصود من السياق، يجب حمل الكلام على جميعها." وتعد هذه العبارات من أقوى عبارات ابن عاشور في الاعتداد بالسياق، وتبين كذلك أهمية السياق عنده، فهو يقبل كل المحامل في معنى الآية ما لم تخالف السياق، فإذا خالفت السياق فهي غير مقبولة كما يفهم من مقتضى المخالفة.
ومن أمثلة ذلك ما جاء عنه في تفسير قول الله تعالى:[وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ](الذاريات: 19)، يقول: "واختلف الناس في ﴿الْمَحْرُومِ﴾ اختلافاً هو عندي تخليط من المتأخرين؛ إذ المعنى واحد. وقد عبّر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات، فجعلها المتأخرون أقوالاً، قلت: ذكر القرطبي أحد عشر قولاً كلها أمثلة لمعنى الحرمان، وهي متفاوتة في القرب من سياق الآية، فما صلح منها لأن يكون مثالاً للغرض قُبل، وما لم يصلح فهو مردود،" فدل هذا المثال على أن الأقوال، والاحتمالات، والاختلافات يحكم بقبولها وردها على السياق، وهذا ضابط مهم، فليس من منهجية التفسير المقاصدي سوق أقوالٍ بعيدة عن معنى الآيات أو سياقها، أو سياق المقطع أو السورة دون النظر في فحوى تلك الأقوال أو الأمثلة.
ولابن عاشور منهجيته المتميزة في السياق القرآني، وطرائق استعماله، الأمر الذي عزز من توجهه المقاصدي في التفسير، فلا يمكن للمفسِّر الذي يراعي الأغراض أن يعيش بمنأى عن السياق الذي يحدد الأغراض، ويكشف عن تفاصيل دقيقة قد يخفى بيانها من المعاني الجزئية.
وبعد هذا البيان للسياق، ومعناه، وأمثلته يمكننا بيان أثر السياق في خدمة التفسير المقاصدي بالنقاط الآتية:
- للسياق دور كبير في الكشف عن الأغراض والمقاصد.
- هناك ترابط بين السياق والأغراض، والمقاصد كما دلّت على ذلك الأمثلة المتقدمة، وابن عاشور يجعلهما نتيجة لتحكيم السياق، ويستخدمهما أحياناً في معنى واحد، وبألفاظ متقاربة.
- يعدّ السياق مرجحاً دلالياً، فقد تفيد الآية معنى لا يتوافق مع السياق، فحينها نرجع إلى السياق في الترجيح، وكذلك عند تعارض المعاني، فإن السياق هو معيار الترجيح. وقد سبق بيان أن السياق يعدّ حَكَمَاً على المحامل التي تحتملها الآية، فما خالفها فهو مردود.
- من خلال السياق يمكننا تصنيف المقاصد من حيث أهميتها، وعمومها، وخصوصها، وجزئيتها، فما كان منها من ضمن السياق العام أدخلناه في دائرة المقاصد العامة، وما كان منها في السياق الخاص أدخلناه في المقاصد الخاصة، وما كان منها في السياق الجزئي للآية أدخلناه في المقاصد الجزئية.
- السياق مهم للتفريق بين المعاني والمقاصد، فمن خلال السياق نستطيع التفريق بين ما هو في دائرة المعاني وما يدخل ضمن دائرة المقاصد، وهذا بُعدٌ منهجي مهم في إدراك الفرق بينهما.
- للسياق أثر مهم في بيان إظهار الترابط بين أجزاء الآية الواحدة، وبين الآيات في السورة الواحدة، وبين السور القرآنية، وبذلك يمكننا تفعيل دور الوحدة الموضوعية لخدمة التفسير المقاصدي، من حيث تناول المواضيع ذات الطابع المتحد، أو القضايا المتحدة، أو الأحكام المتحدة كذلك، مع بيان المقاصد، والأغراض، والهدايات التي تضمنتها بشكل مستقل، يفصل في كونها وحدات موضوعية، أو قضايا مستقلة لها مقاصدها الداخلة في الإطار العام للمقاصد.
خاتمة:
حاول البحث جمع مادة علمية حول أثر السياق القرآني في خدمة التفسير المقاصدي عند ابن عاشور، وتحليل هذا المادة من خلال ربط العلائق بين مقتضى السياق القرآني والتفسير المقاصدي؛ إذ بدا جلياً أهمية مراعاة السياق القرآني للمفسِّر بوصفه أحد المرجحات الدلالية التي لها بالغ الأثر في توسيع دائرة المقاصد القرآنية، وقد يكون من المناسب في ختام هذا البحث أن نسلط الضوء على أبرز النتائج التي تراءت أمامنا.
أثبت البحث أن عناية ابن عاشور بالسياق القرآني جاءت من نظرته العميقة التي تربط السياق بالأغراض والمقاصد، فجعل من منهجيته المقاصدية أن عدّ السياق في التفسير، واتخذه مدخلاً لتوجهه المقاصدي فيه؛ إذ أثبت أن أفانين البلاغة راجعة إلى نظم الكلام، ومن خلال استخدامه للسياق في التمييز بين المقاصد.
وتوصّل البحث إلى أن ابن عاشور جعل من منهجيته عدّ السياق حكماً على المحامل والدلالات التي تحتملها الآية، وهذا من جملة الميزات المنهجية التي ميزت تفسيره، وفي كل ذلك أيضاً ربط عجيب بين السياق القرآني والمقاصد القرآنية.
وظهر لنا أن السياق القرآني من أهم الأصول التي ينبغي على المفسِّر اعتمادها في التفسير؛ إذ به تحلُّ المتشابهات من الآيات، وتتضح أسرار البلاغة، وتتكشف من خلاله الحِكَم، والأسرار، والمقاصد القرآنية.
لقد جعل ابن عاشور المقاصد القرآنية مكوِّناً رئيساً في تفسيره، ووظّف السياق كما وظف غيره في خدمة توجهه المقاصدي في التفسير، وقد برز ذلك في منهجيته التفسيرية منذ اللحظة الأولى.
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن هذا البحث قد يفتح الباب لإجراء مزيد من البحوث الي تجيب عما طرح من تساؤلات ضمنية حول علاقة السياق القرآني بالتفسير المقاصدي عموماً، ووضع الأسس التي ينضبط بها، وذلك من قبيل التحقيق الأصولي لهذا المسألة، التي يبدو أنّ الحاجة إليها لدى المتخصصين في الحقل القرآني كبيرة، بالإضافة إلى التركيز على التفسير المقاصدي بالدراسة التأصيلية بوصفه نوعاً لا يقل أهمية عن الأنواع التفسيرية الأخرى، كالتفسير بالرأي، والتفسير التحليلي، والتفسير الموضوعي، والتفسير الفقهي، والتفسير الاجتماعي. ولعل الحاجة ماسّة اليوم إلى توجيه طلبة الدراسات العليا نحوكتابة رسائل جامعية حول أثر السياق في توجيه التفسير عموماً، ويمكن الاستعانة في ذلك بالتفاسير التي راعت السياق القرآني كتفسير ابن عاشور، وتفسير المنار وغيرهما.
والأهم من ذلك كله السؤال الآتي: هل يمكن للباحثين التحقيق حول إمكانية عدّ السياق علماً من جملة العلوم الخادمة للقرآن، كالمناسبات، وأسباب النـزول، والناسخ والمنسوخ، التي رأينا لها تأصيلاً في كتب علوم القرآن قديمها ومعاصرها، بينما لم نر تأصيلاً وافياً للسياق القرآني؟ وهل يمكن أن نقف عند مصطلح "السياق"، وأن نضع مصطلحاً آخر كالمقام القرآني مثلاً؟
وإنه لمن المناسب أن نوصي بتوجيه عناية المراكز المتخصصة بالدراسات، والبحوث إلى إنتاج البحوث، والمقالات المتخصصة، التي تسهم في تجلية المفهوم للسياق القرآني، وأوجه العلائق بينه وبين العلوم التي يرتبط بها.
هذه جملة من التوصيات والتساؤلات يضعها هذا البحث أمام السادة الباحثين، للنظر فيها، وبسط القول؛ إذ إن السياق يمثل أرضية خصبة للبحث والتدقيق، ومساراً يرتبط بغيره من العلوم كالتفسير والمقاصد.


المصدر : مجلة إسلامية المعرفة