في هذا الموضوع أود أن أطلعكم على مثال تطبيقي لنظرية النظم والتي تثبت أن القرآن معجز في نظمه ، وقد حاولت شرح النظرية هنا http://vb.tafsir.net/tafsir38269/
فمن لم يكن قد قرأه فليقرأه أولا
,
,
علمنا أن ثمة نوعان من النظم في العربية : نظم الحروف ونظم الكلم ، وأن هذين النوعين لا يجتمعان في كلام واحد ، وبينا أن المعجزة هي أمر خارق للعادة ، وبينا أن القرآن قد خرق العادة في نظمه بأن جمع بين نظم الحروف ونظم الكلم.
وبناء على ذلك فإن كل كلام منظوم نظم حروف فهو إذا ليس منظوما نظم كلم (إلا القرآن الكريم).
والمثال الذي بين أيدينا هو خطبة قس بن ساعدة الإيادي المشهورة التي ألقاها في سوق عكاظ.
وسوف نرى كيف أن قس بن ساعدة وهو خطيب العرب قاطبة قد حاد عن نظم الكلم طلبا لنظم الحروف ، وكيف أن القرآن قد جمع بين نوعي النظم مما يدل على إعجازه من هذا الوجه.

نص خطبة قس بن ساعدة

أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا وَعُوا، إنَّهُ مَنْ عَاشَ مَات، وَمَنْ مَاتَ فَات، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آت ..،
لَيْلٌ دَاج ، وَنَهَارٌ سَاْج ، وَسَماءٌ ذَاتُ أبْرَاجٍ ، وَنُجُومٌ تَزْهَر ، وَبِحَارٌ تَزْخَر ..، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرا، وإِنَّ فِي الأرضِ لَعِبَرا . مَا بَاْلُ النَّاسِ يَذْهبُونَ وَلاَ يَرْجِعُون ؟! أرَضُوا بِالمُقَامِ فَأَقَامُوا، أمْ تُرِكُوا هُنَاك فَنَامُوا ؟ يَا مَعْشَرَ إيَاد : أيْنَ الآبَاءُ والأجْدَادُ ؟ وأيْنَ الفَرَاعِنَةُ الشِّدَادُ ؟ أَلَمْ يَكُوْنُوا أكْثَرَ مِنْكُم مَالاً و أطولَ آجالاً .. ؟ طَحَنَهُم الدهْرُ بِكَلْكَلِهِ، ومزَّقَهم بتطاوُلِه.

بيان أخطاء نظم الكلم التي وقع فيها قس بن ساعدة طلبا لنظم الحروف:
1- (وَسَماءٌ ذَاتُ أبْرَاجٍ) : كلمة أبراج جمع على وزن أفعال ، وهذا الوزن يدل على جمع القلة قال ابن مالك (أفعِلَةٌ أفعُلُ ثُمَّ فِعله ثُمَّتَ أفعَالٌ جُمُوعُ قِلَّه ) ويستخدم جمع القلة في حالتين : 1- أن يدل على ما دون العشرة ،2- أن يدل على ما فوق العشرة ولكن الغرض البلاغي هو التقليل والتحقير أو لبيان القلة النسبية ، وفي خطبة قس فإن المعدود يزيد عن العشرة (12 إن كان يقصد البروج المعروفة :الحوت والعذراء ،الخ،، وكثير جدا إن كان يقصد الأجرام السماوية بصفة عامة( هذا من ناحية العدد أما من ناحية الغرض البلاغي فإن المقام هو مقام تعظيم وتهول لا تقليل وتحقير ، لذا فالصحيح من كل الوجوه أن يستخدم جمع الكثرة (بروج) بدلا من جمع القلة (أبراج).
وبالطبع يعلم خطيب العرب موضع جمع القلة وموضع جمع الكثرة ، غير أنه تغافل عن ذلك كي تتفق حروف الكلمات (داج ، ساج ، أبراج) .
أما في القرآن الكريم فقد تم استخدام لفظة البروج للدلالة على الكثرة مراعاة للفروق اللغوية بين صيغ الجموع المختلفة مع كون القرآن منظوما نظم حروف أيضا قال تعالى :
وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ

وتجد في كتاب "معاني الأبنية في العربية" للدكتور فاضل صالح السامرائي (ص113-ص149)، أمثلة كثيرة لاستخدام القرآن لصيغ الجموع تدل على دقة القرآن في انتقاء اللفظ المناسب.

2- (وَبِحَارٌ تَزْخَر) : يدل الفعل المضارع على التجدد والحدوث مرة بعد مرة بينما يدل الاسم على الثبوت ، أنظر مثلا لقول قس : وَنُجُومٌ تَزْهَر ، هنا وفّق قس في استخدام الفعل المضارع حيث أن النجوم تعاود الظهور مرة بعد مرة ، فهي تختفي نهارا ثم تظهر ليلا ثم تختفي نهارا ثم تظهر ليلا وهكذا ، ولكن هل البحار تزخر ثم تفرغ ثم تزخر ثم تفرغ ! ، أو أنها تزخر (بمعنى أن الماء يزداد فيها شيئا فشيئا فشيئا حتى تغرق كل شييء) !! كلا فالبحار زاخرة ثابتة فلا يصح استخدام الفعل المضارع هنا لأنه لا يوجد تجدد في هذا الأمر وكان يجب استخدام الاسم فيقال (وبحار زاخرة) للدلالة على ثبوت هذه الصفة في البحار.
وبالطبع يعلم خطيب العرب أن هذا خطأ ، غير أنه تغافل عن ذلك كي تتفق حروف الكلمات (تظهر ، تزخر) .

وتجد في كتاب "معاني الأبنية في العربية" للدكتور فاضل صالح السامرائي (ص9-ص17)، أمثلة كثيرة على هذا تدل على دقة القرآن في هذا الصدد.

3- (إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرا) ، من المعلوم أن ثمة فرق بين النبأ والخبر ، فالنبأ هو خبر عظيم متعر عن الكذب لا يعلمه السامع تحصل بعلمه الفائدة ، ولما كان قس قد دعا الناس فقال يا أيها الناس اسمعوا وعوا فهم إذا بصدد أمر عظيم تحصل بعلمه الفائدة ، كما أن ما يحدثهم عنه هو في السماء لا يعلمونه ، فكان الصواب أن يقول (إن في السماء لنبأ) لا أن يقول (إن في السماء لخبرا).
وبالطبع يعلم خطيب العرب أن هذا هو الصواب ، غير أنه تغافل عن ذلك كي تتفق حروف الكلمات (خبرا ، عبرا) .
وقد ذكر في القرآن الكريم لفظ النبأ والخبر ، فوضع كل في موضعه اللائق ورواد هذا المنتدى الكرام أعلم مني بهذا الأمر.


4- (أطولَ آجالاً) : العمر هو الحياة والأجل هو غاية هذا العمر ونهايته وهو الموت ، والصحيح أن يقال أطال الله عمرك : أي بقاءك وحياتك قال تعالى : وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ أي من حياته ، لا أن يقال أطال الله أجلك لأن معناها أطال الله موتك !! بينما يوصف الأجل بأنه بعيد أو قريب لأنه غاية مدة الحياة قال تعالى : لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ.
فقول قس (أطولَ آجالاً) خطأ والصحيح أن يقول (أطول أعمارا) ، غير أنه قد تغافل عن ذلك كي تتفق حروف الكلمات (مالا ، آجالا) .

وهذه أمثلة فقط لما وقع في الخطبة من حيود عن نظم الكلم ، وانما انتقيتها لأنها واضحة لا يحال فيها إلى الذوق ولا يعتمد في معرفتها على الملكة.