الأحكام الفقهية لبرنامج حافز
الإعانة المالية أصبحت اليوم من الواجبات المعاصرة المتحتِّمة لتسهيل بناء النفس وعمارة الأرض والتلذُّذ بالمباحات . بل إن الجريمة تنحسر في المجتمع إذا كان الفرد قد بلغ حدَّ الكفاف ووجد قوته وما يُغنيه عن الناس .


والمال قد يكون صعب المنال في كثير من الأحيان على شرائح كثيرة من المجتمع ممن لا يتقنون مهنة معينة أو مؤهَّل علمي للإنخراط في سوق العمل ، بل إن بعض أصحاب الشهادات العليا لم يُوفَّقوا للحصول على وظائف تتناسب مع طموحاتهم . والمال من سبل المباحات ، وقد تقرر عند الأصوليين أن المباح قد يكون واجباً على المعيَّن إذا كان المقصد إليه من الضروريات اللازمة .


وبسبب كثرة السؤال عن نظام حافز وأحكامه فقد تبيَّن أن من ينتسبون إليه هم أهل الإعسار . والأحناف يُسمُّونهم : مَن عُدم المال أصلاً . وعند المالكية: هم ‏الذي ليس عندهم ما يباع . وعند الشافعية: هم من لا يملك شيئًا من المال ، أو: الذين لا يملكون زيادة على كفاية يوم وليلة .
‏وعند الحنابلة: هم من لا شيء لهم ، ولا يقدرون على شيء .



وتستطيع الحكومات الإسلامية تنظيم توزيع المخصصات المالية على المحتاجين للإعانات والباحثين عن عمل حتى يمكنهم الإعتماد على أنفسهم وتأمين قنوات مالية بديلة أفضل في حاضرهم ومستقبلهم . والوجوب العيني على الحكومات لبذل المال مُقيَّد بحاجة الناس وملائمة الظرف الزماني لتسهيل حصول المستفيدين له . وبذل المال من الحاكم للرعية لا يشترط أن يكون تسليمه في الشرع نقدًا للمستفيدين منه ، فقد يكون البذل بصورة الاستثمار أو التنمية أو الوقف والاحتباس بمنافع متعددة .


وقد أمر الله تعالى بإعطاء المال وبذله على مستحقِّيه كما في قوله سبحانه : " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " ( النور : 33 ) .
وأحكام المال دقيقة ومترابطة وبينها تشابه في كثيرٍ من الوجوه والنظائر في المسائل المختلفة . والمعضلة أن صعوبة الحصول على المال تساوت مع سهولة المعاملات الربوية ، إضافة إلى شُحِّ الناس بما عندهم من أموال ، وتضييِّق باب الاستدانة بصورها الشرعية . والله المستعان .


ومن يبحث في المصنفات الفقهية سيجد أحكامًا دقيقة ومقاربة لبرنامج حافز أو نظام المخصصات المقطوعة . ولهذا فرَّق العلماء بين بذل المال وبذل المنفعة ، كما فرَّقوا بين المعاوضات والتبرعات ، وكما فرَّقوا بين التأمين التجاري والتعاوني . وقد وقع خلاف فقهي بين العلماء قديماً في جواز الجمع بين البيع والإجارة في عقدٍ واحد . ومسألة ضع وتعجَّل المتعلِّقة بوفاء الدَّين قبل حلول أجله . وهي أدلة عقلية وشرعية على وجوب التفريق بين النظائر في هذا الباب .


*ومن خلال هذه الخلاصة يمكن حصر الأحكام الفقهية لنظام حافز:
1- التكييف الفقهي لبذل المال في برنامج حافز :
نظام حافز مُخصَّص مالي اعتمدته وزارة العمل في صندوق الموارد البشرية ، لإعانة العاطلين عن التكسُّب . وهو إعانة مقطوعة يُحدِّدها الآمر بالعقد وهي الوزارة أو الجهة المموِّلة للإعانة لمدة معينة ، قد تكون عام كامل أو أقل على حسب العقد الموقَّع عليه بين المموِّل والمستفيد .


ويمكن تخريج نظام حافز على أحكام التبرع أو الهبة والصدقة المقيدة بالشرط الجزائي . ولا يجوز تخريج مال الدولة على مسألة بذل المال وجوبا ًللمضطر كما يظن بعض الجهال . لأن المال أمانة يجب بذلها مع عدم التفريط فيها أو بخس الناس حقهم فيها . والمضطر الذي يمكن تخريج المسألة عليه هو الذي يخشى الهلاك وهو غير متحقِّق في هذه الصورة . ولا يخفى أن المال قد يكون منافع وقد يكون أعياناً فثمرة بذله بحسب ماهيته.


وله علاقة طردية بالتأمين التعاوني لما فيه من البذل والإحسان والتعاون مع العاطلين لتحسين أحوالهم وإعانتهم للحصول على فرص العمل المناسبة . ويصح البذل من أموال الزكاة العامة التي تشرف عليها الحكومة أو من خزينة الدولة من المُخصَّصات المعتمدة لهذا الغرض .


وبذل هذا التبرع قد يكون واجبًا يفرضه الوقت وحاجة الناس ، وقد يكون مندوباً لحصر قنوات الفاقة والحدِّ من تعدُّدها لئلا تتسع دائرة الجريمة في المجتمع . وقد أجمع الجمهور على أن الحاكم يجب عليه تحرِّي منافع الرعية ومواطن صلاحهم وتحقيق رغباتهم المعيشية .
ويجب التنبيه أن هذا العقد لا يصح تشبيهه بعقد شركة الوجوه أو المضاربة أو الأبدان لاختلاف العلة والسبب .

2- شروط الاستحقاق :
المكافأة المقطوعة أو المخصَّص المحدَّد للعاطلين عن العمل له أربعة عشر شرطاً لتسهيل الحصول عليه . وهذه الشروط قد تكون وضعت باستقراء أحوال العاطلين أو بحسب تصنيف شرائح المستفيدين . وهي شروط يجب الوفاء بها بين الآمر بالعقد والمستفيد منه . ويحرم التدليس والغش فيها من الجهتين المموِّلة والمستفيدة .



وبالنظر في هذه الشروط تبين أنها شروط مُنظِّمة للمخصص المالي وليس فيها مخالف شرعي ، لكن يؤخذ عليها أنها مقيدة بأشهر معدودة وبشروط قد لا يمكن الوفاء بها من الطرف المستفيد بحسب الظروف المعاصرة .


وتعليق برنامج حافز لهبته بشروط معينة يفرضها النظام على المستفيد من المسائل الفقهية التي وقع الخلاف فيها بين العلماء قديماً . فمن العلماء من أبطل العقد ومنهم من أجازه . وقد رجَّح الامام ابن تيمية ( ت: 728هـ ) تعالى جواز تعليق الهبة بشرط .



وفي حالة قبول المستفيد للعقد فإنه يجب الوفاء به من الجهتين لقول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " ( المائدة : 1 ) . وقد صح عن ابن سيرين ( ت: 110هـ ) تعالى أن رجلاً قال لكريِّه : ادخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه " . أخرجه البخاري .

3- ايجابيات حافز وسلبياته من الناحية الشرعية :
يُعدُّ نظام حافز من النظم الإسلامية التي ساهمت وتساهم في إعانة العاطلين وشدِّ عضدهم في الحياة المعاصرة بتحسين أحوالهم لمكابدة المشاق الحياتية المختلفة . وهو من الصدقات الجارية التي يدوم نفعها ويشكر عليها من قنَّن لها ورتب العمل بها . ومن سلبياته عدم اعتماده لشرائح أوسع في المجتمع وحصره على فئات معينة بقيود ثقيلة . ويجب على المستفيد المعدم الإفادة من هذا البرنامج المالي ولو كان فيه بعض القيود الشاقة .


4- ضوابط الاعانة المالية في الفقه الاسلامي :
يجوز لولي الأمر أو الجهة المشرفة على المخصصات المالية للعاطلين عن العمل تحديد سقف المبالغ المعطاة للمحتاجين إليها . وهذا من واجبات القيِّم على بيت المال منذ العصور الإسلامية القديمة . كما يجوز تقنين توزيع المال بحسب اجتهاد القائم عليه إذا كان من أهل الرأي والحكمة . وقد سبق بيان أن بذل المال لا يجب اخراجه عيناً بل يصح بذله نفعا ً على حسب اجتهاد القائم عليه ومصلحة الناس العامة . وإذا كانت القاعدة الشرعية نصَّت على أنه ليس لعِرق ظالم حق ، فإن مطل الغني ظلم أيضاً . فهذا ميزان للعدل في الهبات والتبرعات .


5- هل هناك بديل أفضل من برنامج حافز ؟ :
من الفقه في الدِّين تسهيل أمور الحياة بحسب مخرجاتها المشروعة . والأصل في العقود بناؤها على عقد أربابها كما نصَّت على ذلك القواعد الفقهية . وإذا لم تقم مصلحة الناس إلا بالتسعير سعَّر الإمام .
وقد ورد في المرفوع : " من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له "أخرجه مسلم . وفي تقديري أن برنامج حافز فيه خير وبركة ، وهو استثمار لطاقات الشباب ومشاركة في بناء المجتمع وسبب لتحصيل القوت الحلال . والبركة بالمال القليل تحصل بحسن المقصد وتجريد الإخلاص في العقود والنيات . وفي المرفوع : " أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه " أخرجه أبو داود بإسناد حسن. وقد نصَّت القاعدة الفقهية على أن الحاجة تُنزَّل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة . وقد تقرر عند الأصوليين أن على كل أحد من الناس عبودية بحسب مرتبته . وعبودية الغني يلزم منها ما لا يلزم الفقير ، وعبودية الحاكم يلزم منها ما لا يلزم المحكوم .


والمقصود أن نظام هذا البرنامج المالي بادرة حسنة لمن صحَّت همته ، ومن كان في غنِى عنه من العاطلين ،فأبواب العمل الحر خير وأبقى وأزكى .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .


أ/أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

( منقول )