الأربعاء 5 ربيع الثاني 1435
[align=justify]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد؛ فهذا الدرس الثالث من دروس: "شرح متن تحفة الأطفال"، ضمن البرنامج العلمي التأصلي في علم التجويد الذي بدأتُه في موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)؛ تقرّبًا إلى الله تعالى بتذليل هذا العلم للمبتدئين في تحصيله، ورغبةً في نيل شَرَف خدمة كتاب الله العظيم، سائلاً الله القبول وعموم النفع، إنه سميع قريب.


[/align]
(الدرس الثالث)


قال الناظم :
والثانِ إدغامٌ بستة أتت...في يرملون عندهم قد ثبتت

[align=justify]
انتقل الناظم –- إلى بيان الحُكم الثاني من أحكام النون الساكنة والتنوين، وهو الإدغام.
فقال: (والثان إدغام) أي: الحُكم الثاني من أحكام النون الساكنة والتنوين = الإدغام.
والإدغام هو: إدخال حرف ساكن في حرف متحرِّك بحيث يصيران حرفًا واحدًا مشدَّدًا يعتمد على المخرج مرة واحدة.
فالإدغام باعتباره حُكمًا من أحكام النون الساكنة والتنوين هو: إدخال النون الساكنة والتنوين في أحد أحرف الإدغام الستة بحيث يصيران حرفًا واحدًا مُشدَّدًا يعتمد على مخرج الحرف المُدغَم فيه.
وقول الناظم: (بستة أتت في يرملون) أي: أن إدغام النون الساكنة والتنوين يأتي في ستة أحرف، وقد جمع علماء التجويد هذه الأحرف الستة في كلمة: (يَرْمُلون) بضم الميم، والأحرف الستة هي: الياء، والراء، والميم، واللام، والواو، والنون.
وقوله: (عندهم قد ثبتت) يحتمل معنيين:
الأول: أن هذه الكلمة (يرملون) اشتهرت عند القراء، بمعنى: أنه شهر عند القراء استعمال هذه الكلمة في الإشارة إلى حروف الإدغام.
الثاني: أن حروف الإدغام استقرّت على هذه الأحرف الستة المجموعة في كلمة: (يرملون).
[/align]
قال الناظم :
لكنها قسمان قسم يُدغَما...فيه بغُنَّة بينمو عُلِما

[align=justify]
قوله: (لكنها قسمان) بيّن الناظم –- أن حروف كلمة (يرمُلون) على قسمين، ثم شرع في القسم الأول، وهو الإدغام بغنة فقال: (قسم يُدغَما فيه بغنة) أي: أن القسم الأول من قسمي الإدغام = الإدغام بغُنَّة.
والغُنَّة هي: الصوت الصادِرُ من الأنف، المصاحِب لنطق حرفي النون والميم.
قوله: (بينمو علما) أي: أن أحرف الإدغام بغنة جمعها القراء في كلمة: (ينمو)، المشتملة على أربعة أحرف: الياء، والنون، والميم، والواو.
وقوله: (علما) أي: من المعلوم المشهور عند القراء تخصيص الإدغام بغنة بالأحرف الأربعة المجموعة في كلمة: (ينمو).
وهذه أمثلة لإدغام النون الساكنة والتنوين بغنة:
الياء: (مَنْيَقُولُ)، (وَبَرْقٌيَجْعَلُونَ)
النون: (مِنْنُورٍ)، (يَوْمَئِذٍنَاعِمَةٌ)
الميم: (مِمَّنْمَنَعَ)، (مَثَلًامَا)
الواو: (مِنْوَالٍ)، (غِشَاوَةٌوَلَهُمْ)
[/align]
قال الناظم :
إلا إذا كانا بكلمة فلا...تُدغِم كدنيا ثم صنوان تلا

[align=justify]
استثنى الناظم من حُكم الإدغام مسألة واحدة وهي: ما اجتمع فيه الحرف المُدغَم والحرف المُدغَم فيه في كلمة واحدة، وإن شئتَ قلتَ: التقاء النون الساكنة بأحد أحرف الإدغام الستة في كلمة واحدة.
ففي هذه الحالة يجب الإظهار قولاً واحدًا، ويمتنع الإدغام إجماعًا.
وقوله: (فلا تدغم) أي: لاتدغم النون والحالة هذه، بل أظهِرْها.
وقوله: (كدنيا ثم صنوان تلا) تمثيل لهذا الاستثناء من الإدغام بكلمتن قرآنيتين، هما: (دنيا) في نحو قوله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا و (صنوان) في قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، ولم تَرِد كلمة (صنوان) في القرآن إلا في هذين الموضعين. ويُضاف إلى ما ذكره الناظم كلمتان هما: (قنوان) في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ و (بنيان) في نحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ، ويستوي أن تكون كلمة (بنيان) مجرَّدة عن الإضافة إلى ضمير كما في المثال السابق، أو مضافة إليه.
ولم يأتِ في القرآن الكريم غير هذه الكلمات الأربع المستثناة من قاعدة إدغام النون الساكنة في أحرفها.
وقول الناظم: (كدنيا) = تمثيل فيه نظر؛ لأن لفظ (الدنيا) لم يأتِ في القرآن إلا مُعَرَّفًا، لكن يُعتَذَرُ له بضرورة النظم.
وقوله: (ثم صنوان تلا) أي: أن لفظ (صنوان) تَبِع لفظ (الدنيا) في حكم الإظهار وعدم الإدغام.

[/align]
قال الناظم :
والثان إدغام بغير غُنَّة...في اللام والرا ثم كررنه

[align=justify]
قوله: (والثان إدغام بغير غنة) والقسم الثاني من قسمي إدغام النون الساكنة والتنوين = الإدغام بغير غنة.
قوله: (في اللام والرا): أي: إدغام النون الساكنة والتنوين بغير غُنَّة يكون في حرفين، وهما الباقيان من كلمة: (يرملون) بعد استبعاد حروف الإدغام بغنة المجموعة، في كلمة (ينمو).
وهذه أمثلة لإدغام النون الساكنة والتنوين بغير غُنَّة:
- الراء: (مِنْرَبِّهِمْ)، (ثَمَرَةٍرِزْقًا).
- اللام: (مِنْ لَدُنْهُ)، (هُدًىلِلْمُتَّقِينَ).
ومما ينبغي على القارئ ملاحظته: أنه في حال الإدغام بغير غنة = لا يبقى للنون الساكنة والتنوين أثرٌ في النطق؛ لأنهما ينقلبان في هذه الحالة لامًا أو راء، ولا يبقى لهما أي أثر.
وقوله: (ثم كررنه) أمرٌ بإظهار صفة التكرير في حرف الراء، وسيأتي بيان هذه الصفة وتحقيق القول فيها في شرح المقدمة الجزرية إن شاء الله تعالى.
فإن قلتَ: ما سبب ذكر الناظم لصفة التكرير في حرف الراء دون سواها من صفات الراء، بل دون الصفات اللازمة قاطبة؟
فالجواب: الظاهر أن الناظم أراد تتميم البيت، ثم استحسن الإتيان بما يتضمن فائدة علمية؛ مجافاة منه لإثقال النظم بالكلمات التي تكون حَشوًا يثقل النظم دون عائد علمي يُذكَر، والله أعلم.

[/align]
وكَتب: أبو داود، ضيف الله بن محمد الشمراني
مدينة رسول الله