في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود (( إنَّ خَلْقَ أحدِكم يُجمعُ في بطنِ أُمِّهِ أربعين يومًا أو أربعين ليلةً ، ثم يكونُ علقةً مثلَه ، ثم يكونُ مضغةً مثلَه ، ثم يُبعثُ إليه المَلَكُ ، فيُؤذنُ بأربعِ كلماتٍ ، فيكتبُ : رزقَه ، وأجَلَه ، وعملَه ، وشقيٌّ أم سعيدٌ ، ثم يُنفخُ فيه الروحُ ، فإنَّ أحدَكم ليعملُ بعملِ أهلِ الجنةِ حتى لا يكونُ بينها وبينَه إلا ذراعٌ ، فيسبقُ عليه الكتابُ ، فيعملُ بعملِ أهلِ النارِ فيدخلُ النارَ . وإنَّ أحدَكم ليعملُ بعملِ أهلِ النارِ ، حتى ما يكونُ بينها وبينَه إلا ذراعٌ ، فيسبقُ عليه الكتابُ ، فيعملُ عملَ أهلِ الجنةِ فيدخُلها ))
الأجل في الحديث جاء متأخرا عن الخلق ، وجاء مطابقا للآية القرآنية : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ [الأنعام:2] . الأجل الأول هو الموت . وفُصل عن الخلق بالأداة (ثم) .
إلا أننا نجد بعض المفسرين كابن جزي يعتبرون (ثم) لترتيب الأخبار لا لترتيب الوقوع ، بدليل أن القضاء متقدم على الخلق .
ومثل هذا الخطأ يقع فيه من يُسقِط البعد الإنساني من الكلام الإلهي . وبعبارة أخرى أقول : علينا أن نفهم كلام الله من خلال الواقع الإنساني . لأن الوحي يخاطب الإنسان .
فإذا عدنا إلى الآية السابقة التي تبين أن الله خلق الإنسان من طين ، لأن النطفة تحمل الخصائص الممتدة من آدم الذي خُلق من طين ، والجنين يتشكل مما يصله عن طريق دم الأم ، الذي يتكون من أصل التغذية التي تأتيه من تراب الأرض . هذا التكوين الذي يستغرق وقتا محددا كما جاء في الحديث ثم يُكتب أجله بعد ذلك . وبهذا يكون كلام الله يطابق الواقع الإنساني . وهذا الفهم يخالف الفهم الذي يُسقط هذا الواقع ويريد أن يصل إلى المعنى من خارج الواقع الإنساني ، اعتمادا على التأمل في الذات الإلهية .
ونأتي بمثال آخر ربما يوضح الفكرة أكثر . يقول تعالى : وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:166]
فالعلم هنا علم ظهور ، لأن الله يعلم كل شيء . ولكن المستهدف هو الإنسان . أي ليَظهر المؤمنون من غيرهم ، وتتعرفون بذلك على الحقيقة الغائبة عنكم . وقس على ذلك الأسماء الحسنى التي تختتم بها الآيات القرآنية ، والتي لها علاقة وثيقة بكلام الله للبشر .
إن إسقاط البعد الإنساني من الخطاب الإلهي ، ومحاولة التركيز على الذات الإلهية في الدرس التفسيري ، هو الذي جعل كثيرا من الفرق الكلامية تتيه عن الحقيقة القرآنية ، وتَضِل في ذلك التيه الذي لا تجد له مخرجا ، مما يجعلها تعيش انقسامات فكرية تسيء إلى الأمة أكثر مما تحسن إليها .
والله أعلم وأحكم