الكاتب : محمد رشيد رضا
صفر - 1353هـ
يونيه - 1934م

ذكرى المولد النبوي

أحمد الله أن وفق المسلمين منذ سنين معدودة لإحياء ذكرى منة الله تعالى على
البشر ببعثة محمد رسول الله وخاتم النبيين ، وإرساله رحمة للعالمين ، ونشر بعض
المطوي في الصحف ، والمحفوظ في ألواح القلوب من مناقبه الكثيرة ، وسنته
المنيرة ، وآياته البينات ، من مرويات ومرئيات ، في مثل يوم مولده على المشهور
في التاريخ ، والتذكير بها في الجرائد والمجلات ، والتنويه بها في الخطب التي
تلقى في المساجد والمحاضرات التي يحتفل لها في الجمعيات ، والرسائل المترجمة
بأشهر اللغات ، بعد أن كان مبدأ هذا التاريخ المجيد - الذي غير نظام الاجتماع
البشري فدخل به العالم في طور جديد - لا يكاد يُذكر إلا في قصص مؤلفة من
الروايات المعروفة والمنكرة ، والحكايات المكررة في عجائب الحمل به ، وصفة
ولادته ، وعجائب طفولته وشبيبته ، وصفات خلقه ومعيشته ، وما فيها من
إرهاصات نبوته ، مما يقل فيه الحديث الصحيح المرفوع ، ويكثر فيه المنكر
والموضوع ، ولا يخلو من مثار الشبهات ، ولا يسلم من توليد الاعتراضات ، بل
يكثر في بعضها الأخيلة الشعرية ، والأناشيد الغرامية ، التي تشغل سامعها بتصور
الجمال الخَلْقي الجسدي ، عن تمثل الجمال الخُلُقي الروحاني ، والجلال الملكي في
الكمال الإنساني ، والمثل الأعلى للتجلي الإلهي ، والمظهر الأكمل لكلام الله ووحيه ،
والوسيلة العظمى بين الرب تعالى وخلقه .
طالما أنكرت في مجلة المنار احتفال المولد الرسمي الذي تتولى تنظيمه في
القاهرة مشيخة الطرق الصوفية كل عام ، ووصفت ما يجرى فيه من المعاصي
والبدع ، ولشد ما انتقدت قصة المولد التي تقرأ في محفله على مسمع من ولي أمر
البلاد ووزرائه وخواص دولته من رجال الدين والدنيا ، وسفراء الدول الأجنبية فيها ،
وقد أفاد الإنكار والانتقاد فمنع من الاحتفال بعض المنكرات والبدع ، وفي سنة 1334
أُلغيت قراءة قصة المولد المنكرة ، واستبدل بها قصة كتبتها لأجلها ، إذ وعدني رئيس
الاحتفال ( السيد البكري ) أن يجعلها هي الرسمية ، فتحل محلها فوفى ، فكان لها ما
كان من حسن القبول والتأثير اللائق بالموضوع والزمان والمكان والسلطان .
اختصرت هذه القصة من رسالة في أنفع ما يقال في هذه الذكرى من السيرة
المحمدية ، مبتدئًا فيها بأصح ما روي في قومه ونسبه وحكمة
ظهوره في العرب ، وما اصفطاهم الله به على الأمم ، ما اصطفى به قبيلته
وعشيرته وأهل بيته عليهم ، وهو خلاصة من تاريخهم والتاريخ العام - وأعقبتها ما
صح من نسبه ، ومن خبر زواجه ، والحمل به ، وولادته ، ورضاعته ، وحضانته
وكفالته ، ومعيشته وكسبه ، ثم ارتقيت من ذلك إلى خبر بعثته وجملة سيرته قبلها ،
وتبليغ الدعوة وخلاصتها ، وفيها ما امتاز به دينه على جميع الأديان ، ثم إلى الكلام
في آية الله الكبرى على نبوته وهي القرآن الحكيم ، وما اختص به من الإعجاز في
لغته وعلومه وتأثيره في العالم ، وقفيت عليه ببيان مناهضة قومه ووطنه للدعوة ،
وإلجائه إلى الهجرة ، وذكر خلاصة من أخلاقه وسيرته بعد الهجرة مع المؤمنين ،
وحاله مع أهل الكتاب والمشركين ، وجعلت خاتمتها في إكمال الدين ، وأثر نبوته
في العالمين ، وما أسسه من تشريع وأمة ودولة ، وما بشر به
أمته من فتح قريب ، وملك كبير ، وما تركه فيها لحفظ دينها ودنياها من كتاب الله ،
وهو الروح المحيي للأمم ، والنور الأعظم المضيء للعالم ، وسنته في بيان هدايته
وتنفيذ شريعته ، وعترته آل بيته ، الذين هم الذكرى لشخصه الكريم ، وهديه القويم .
انتشرت رسالة ذكرى المولد النبوي ومختصرها في العالم الإسلامي انتشارًا
بطيئًا ، فكان تأثيرها في إصلاح العادات السابقة ضعيفًا ، حتى نهض إخواننا مسلمو
الهند منذ خمس سنين بجعل ذكرى المولد النبوي موسمًا إنسانيًّا عامًّا ، يعنون فيه
بتعريف جميع الأمم بما كان لذلك المولود العظيم من التأثير بتغيير التاريخ البشري
كله ، وتبرع الحاج فاروق ( لورد هدلي ) بمبلغ من المال لنشر بعض رسائل في
المناقب والمآثر المحمدية النافعة لجميع الناس باللغات الكبرى للأمم ؛ فنُشرت مئات
الألوف من أول رسالة بعدة لغات في أول مرة .
وقد اقترحت عليّ اللجنة العامة أن أكتب لها رسالة في ذلك لنشرها في مولد
سنة 1350 ؛ فأرسلت إليها ( خلاصة السيرة المحمدية ) ؛ فترجمتها ، ونشرت
مئات الألوف من نسخها بعشر لغات هي أشهر اللغات الشرقية والغربية ، منها لغتها
العربية الأصلية ، وكانت اقترحت عليّ كتابة رسالة أخرى في حقوق النساء في
الإصلاح المحمدي ؛ لتنشر في ذلك العام ؛ فكتبت الرسالة ، بل الكتاب الذي سميته
( نداء للجنس اللطيف ، في يوم المولد النبوي الشريف ، أو حقوق النساء في
الإسلام ، وحظهن من الإصلاح المحمدي العام ) وأذنت للجنة باختصاره - إن
شاءت - ونشرته في يوم محمد ، أي 12 من ربيع الأول سنة
1315 فكان له تأثير كبير في العالم الإسلامي ، وقرَّظه كثير من العلماء والأدباء
وأصحاب الصحف بما شهدوا له به أنه لم يُؤلَّف مثله في موضوعه .
ثم إنني نشرت في مثل هذا اليوم العظيم من العام الماضي ( 1352 ) كتاب
(الوحي المحمدي : ثبوت النبوة بالقرآن ، ودعوة شعوب المدنية إلى الإسلام ، دين
الأخوة الإنسانية والسلام ) الذي لم يحظ مصنف في حقيقة الإسلام ببعض ما حظي
به من حسن التأثير ، وحسن التقريظ والترجمة باللغات المختلفة ، وسرعة انتشاره
وإعادة طبعه مزيدًا فيه ، وصدروه قبل انتهاء سنته الأولى .
ولا يزال إخواننا من مسلمي الهند وغيرها ، وأصحاب المجلات والجرائد في
مصر ، والعراق ، وفلسطين يقترحون علينا في كل عام أن نكتب لهم رسائل
خاصة لتُنشر في يوم ذكرى المولد النبوي الشريف ، وإنما يطلبون شيئًا جديدًا لم
يُنشر بعد ، وأنى لي أن أستجيب لكل طالب ، فإذا كانت المناقب المحمدية لا تنفد
دررها ، ولا تبخل على الغائص عليها بفرائدها ، فأنى يتاح لمثلي على ضيق وقته ،
وضعفه وكثرة أعماله ، أن يكرر الغوص عليها في وقت واحد لأجل طلاب
كثيرين ( من الرأسماليين لا الاشتراكيين ) وإذ كان هذا غير مستطاع ، ولا مرجح
لتفضيل بعضهم على بعض ، وكان رد الجميع يسوء الجميع ، فما عليّ إلا أن
أرجح جمهور قراء صحفهم عليهم ، فأرسل ما أكتبه إلى كل منهم ، وهذا مقام تقديم
المصلحة العامة على الخاصة ، وقد بعث محمد للناس كافة
بشيرًا ونذيرًا ، وأنزل عليه وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ( الأنبياء :
107 ) وهذا ما كتبته لذكرى يوم محمد سنة 1353 .
* * *
يوم محمد
أو ذكرى مولده سنة 1353
ماذا فعل محمد ؟
ماذا فعل محمد ؟ كلمة قالها شاب حجازي في مكة المكرمة لأستاذ مصري
مشهور ، فلم يره أهلاً للرد عليه ، ولا للصفع بنعل الإحرام الخاصة بتربة تلك
الأرض المقدسة ، ولا بالحذاء المعد لدوس الأرض المدنسة ، فظل مغمولاً لا يعرفه
أحد بوصفه ، كما لا يعرفه أحد بشخصه ، وما يدريك لعله يقول كلمة مثلها أمام
بعض النجديين الذين لم تألف أسماعهم ما ألفه سمع الأستاذ المصري من الجهر
بالكفر والتعطيل ؛ فتكون عاقبته شهرة ، وعقوبة شرًّا من عاقبة الذي كسر قطعة من
الحجر الأسود فيما كان من تشهيره وعقابه ؛ لأنه شر منه .
وأما أنا فرأيته أهلاً لأن أذكره في فاتحة هذه الذكرى لمحمد ، وما فعل محمد
في يوم محمد لعلل ثلاث ، ( إحداها ) ما كان لرواية هذه الكلمة
الجاهلة الغبية عن شاب مكي من لذعة الألم ، وعميق الأسى في قلبي ، لما لمكة
عندي من الحسب والكرامة ، ولما أحبه لأهلها من العلم بعظمة الإسلام ، وإفاضتهم
ذلك على حجاج بيت الله الحرام ، فعسى أن يعتبر ويزدجر ويتوب ، ولا نسمع مثل
هذا من أحد يقيم في البلد الأمين .
( الثانية ) تنبيه أذهان قارئيها بدهشة هذا القول وغرابته إلى ما في البشر
من التفاوت البعيد في الجهل والغباوة ، والعلم والفطنة ، وأعتقد أنه لم يكن أحد منهم
يظن ولا يتوهم أنه يوجد في البشر نصراني ولا يهودي ولا وثني ولا معطل مادي
يسفه نفسه ، ويطوع له تعصبه أن يقول : ماذا فعل محمد ؟
و ( الثالثة ) وهي العليا المقصودة بذاتها الجواب عن هذا السؤال ببعض ما
فعل محمد ، وما عُللت به أعمال محمد ، أو فُسرت به معجزاتها من أجانب يعلم
أجهلهم وأضلهم من أعمال محمد العظيمة التي لم يعمل مثلها أحد من عظماء خلق
الله ما لا يعلم بعضه هذا الشاب الذي يُنسب إلى أمة محمد ، ويعيش في بلد محمد ،
ويرى بعينيه عشرات الألوف ومئات الألوف يفدون في كل عام على بلد محمد ، من
جميع أمم الأرض في جميع أقطارها ، شعثًا غبرًا ، ناسكين ، طائفين ساعين ،
راكعين ساجدين يتقربون إلى الله تعالى باتباع ملة محمد ، ويسمعهم بأذنيه يهتفون
بالصلاة والسلام على محمد ، والدعاء لمحمد بالوسيلة والدرجة الرفيعة والمقام
المحمود الذي يغبطه به ، ويحمده عليه الأولون والآخرون ، ومنهم النبيون
والمرسلون ، صلى الله عليه وآله ، كلما ذكرته ، وكلما ذكره الذاكرون .
أيها الحجازي الجهول !
لا أعجب لك إن كنت لا تؤمن بنبوة محمد ورسالته ، وأنت في هذا الدرك
الأسفل من الجهل بما جاء به ، ولا أعجب لك إن كنت تجهل تاريخ محمد الذي غيَّر
تاريخ العالم الإنساني بما نقله من ضعة وفساد ، إلى رفعة وصلاح في أموره الدينية
والمدنية والاجتماعية
، وإنما أعجب لك أنك ترى نفسك أهلاً لمخاطبة أستاذ مصري
متعلم ، بل مؤلف ومعلم ، بتلك الكلمة الجاهلة الغبية التي كان خيرًا لك من النطق
بها أن تخطفك الطير ، أو تهوي بك الريح في مكان سحيق ، وتيهور عميق .
أيها الحيران المسكين ، الذي استهوته شياطين الملحدين ، إن كان محمد لم
يعمل شيئًا تذكره ، وتفخر به بأنك من قومه ووطنه ، فأخبرنا أي عظماء البشر
الذين يفخر بهم أقوامهم عمل عُشر ما عمله محمد لقومه ، وما عمله بنفسه وبقومه
للبشر كافة ؟
هل يُذكر عمل بسمارك الذي تفتخر به ألمانية في السعي للوحدة الجرمانية ،
وكافور وغاريبالدي اللذين تباهي بهما إيطالية للوحدة الطليانية ، ما يقرب من عمل
محمد للوحدة العربية ؟ مع التفاوت البعيد بين الأمم الثلاث في
الاستعداد لها وعدمه ، مما كانت عليه كل منهن من جاهلية أو علم وفن ونظام .
ارفع رأسك إلى من فوق هؤلاء ، ارفعه إلى الأنبياء المرسلين ، فإنك لا تجد
أحدًا منهم عمل لقومه أكبر مما عمله موسى لبني إسرائيل في دينهم
ودنياهم ، ويعلم جميع مؤرخي الأمم أن ما عمله محمد أعظم
في كل منها
، أما الدين فأمره ظاهر ، ولعلك لا تعنيه من العمل الذي تسأل عنه ،
وأما الدنيا فقد مهد السبيل لقومه أن يملكوا فلسطين من بعده ؛ ولكن قوم محمد صلى
الله عليه وسلم ملكوا فلسطين وما حولها من مشارق الأرض ومغاربها ، وإذا كنت
فاقدًا للشعور بعظمة الجامعة الدينية التي يكرمك لأجلها الملايين من الأمم ، فإنني
أضرب لك مثلاً من كرامة الجامعة القومية .
نظم أديب سوري نصراني النشأة قصيدة مدح بها محمدًا
بمناسبة ذكرى مولده ، وأنشدها أصدقاءه من أمثاله ، فعذله بعضهم فأجابهم قائلاً :
إن جميع الشعوب الراقية تفتخر بالنابغين والعظماء من طبقات أقوامهم ، وإن
الأنبياء في عرف جميع الأمم أعلى طبقات البشر في أممهم ، وإني وإياكم من
العرب نفتخر بالمتنبي والبحتري والمعري من شعرائنا ، أفلسنا أجدر بأن نفتخر
بنبينا ، وهو أعظم قدرًا ومقامًا وعملاً من شعرائنا الذين كانوا يفتخرون به ، ومن
أنبياء غيرنا أيضًا ؟ ولماذا نفتخر بالمسيح وهو من أنبياء اليهود ، ولا نفتخر بمحمد
وهو نبي قومنا العرب ، وما منا أحد يؤمن بألوهية المسيح فنجعلها هي المانعة من
مدح نبينا العربي العظيم ؟ ( وأما نبوته وآياته ، فالقرآن يثبتها ، فهي مما تقتضي
مدح نبينا ، لا مما تمنع منه ) .
لقد كان أدنى ما يُنتظر من ذلك المارق الحجازي ، أن يعرف من قدر نبي
قومه ، ووجوب الفخر به ما عرفه هذا الأديب السوري ؛ ولكن المسألة مسألة علم
وتاريخ ومفاخر قومية ، وهذا الحجازي لا يعقل من ذلك ما يعقل السوري ، وإني
لأعرف من هؤلاء السوريين الأحياء والميتين من يؤمنون بنبوة محمد ؛ ولكنهم
كانوا يكتمونها عن أهلهم والمتعصبين من أهل الدين الذي نشؤوا فيه ، ومنهم
من
كان يصلي الصلوات الخمس ، وقد قال لي أحد المؤرخين المشهورين منهم : اكتب
عقيدتك التي أعرفها منك ؛ لأضع عليها إمضائي بأني أؤمن بها
.
وإن منهم ومن غيرهم ممن لم يؤمن به لمن يعتقد أنه أفضل البشر على
الإطلاق ، وإنه عمل لترقية البشر بالعلم والعقل والحكمة والأخلاق والإنسانية
الكاملة ما لم يعمله أحد من الأنبياء ولا الحكماء ولا الأدباء ، ولا يُرجى أن يعمل مثله
أحد ، وقد نقلت شهادة الدكتور شبلي شميل المشهور في هذا نظمًا ونثرًا ، وما في
معناها من شهادة الأستاذ وليم موير العالم الإنكليزي في الطبعة الثانية من كتاب
الوحي المحمدي .
تساءل الناس من قبل هذا المكي سؤال الاستفهام عما سأل هو عنه سؤال :
الإنكار ماذا فعل محمد ؟
أجابهم التاريخ العام : إن محمدًا أسس دينًا وأمة ودولة .
جواب مختصر مفيد ، ثلاث كلمات ، صغيرات كبيرات ، يملأن الأرض
والسموات ، لم يختلف فيهن اثنان ، ولم ينتطح في النزاع فيهن عنزان ؛ ولكن وجد
تيس في شكل إنسان ، ينطح جبل أبي قبيس من أدناه ؛ لأنه يجهل ما حدث منذ
1366 عامًا في أعلاه من نزول الناموس الأعظم جبريل على محمد
ابن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، من الوحي الإلهي الذي أسس به هذه المنشآت
الثلاث .
ليس من المعقول أن يكون هذا المكي يجهل ما نزل في غار حراء من ذلك
الجبل ، وإنما المعقول أنه يعوزه العلم التفصيلي بما كان بعد ذلك وما حصل ،
وكيف بدَّل هذا النبي البشر غير البشر ، حتى إن أربعمائة مليون منهم يتسقبلون
بلده من مشارق الأرض ومغاربها في كل يوم خمس مرات تعبدًا لله تعالى ويشيدون
برفع اسمه مع اسم الله في جميع أنحاء العالم حتى لندن و باريس في يومه هذا من
عامنا هذا .
ألا وإنني أعلم والأسى يفيض من قلبي ، فيكاد يقتلني أن أكثر المسلمين أمسوا
بين جاهل كنه هذه الأعلام الثلاثة ، وغافل عن عظمتها ،
ولو علَّمت الجاهل لعلم ،
ولو نبَّهت الذاهل لفطن ، ولأقر بأحقية الكلمات الثلاث ومدلولاتها بالإجمال ؛ ولكن
يبقى عليك العلم التفصيلي الدال على صفة تأسيسها ، ووضع قواعدها ، وإقامة
أركانها ، ورفع سمكها ، وتسوية سقفها ، وسرعة إتمامها ، ومن أوى إليها من
الشعوب والقبائل ، ودرجة عظمة كل منها في نفسها ، وبالإضافة إلى ما يشاركها
باسمها من الأديان والأمم والدول ، وهل اتفق ذلك أو ما يقرب منه لأحد من البشر
قبل محمد ؟
العلم الإجمالي أول خطوة بين الجهل المطلق والعلم المفصل الذي يثمر
العبرة والحكمة والعمل ، فهو علم ناقص قابل للشك ، عاجز عن دفع الشبهات
.
من مقدمات هذا العلم التفصيلي في مسألتنا ، على المنهج المعروف بالنقد
التحليلي في عصرنا ، تاريخ محمد ، فمن المعلوم بالتواتر
القطعي أنه كان أميًّا نشأ بين قوم أميين ليس عندهم شيء من العلوم الدينية ولا
الدنيوية ، ولا الفنون المدونة عند شعوب العالم التي تلقى بالتعليم والتلقين ، وأنه لم
يزاول شيئًا من معارف قومه الوراثية ، ولا آداب لسانهم من الشعر والخطابة
والمفاخرة والمماتنة التي ارتقت بها لغتهم ، وبلغت شأوًا عاليًا في البلاغة والتأثير ،
وأنه لم يشاركهم في شيء من تقاليدهم الدينية ، ولا عاداتهم الاجتماعية والحربية ولا
الخرافية ، وأنه ظل كذلك حتى بلغ سن الأربعين .
ومن المقدمات التي تقرن بهذا أنه قد ثبت عند علماء النفس والاجتماع
والتاريخ في عصرنا هذا أن ما تنطوي عليه غرائز الإنسان الشخصية والوراثية
من استعداد للعلم والعمل إنما تظهر كلها في نشأته البدنية والعقلية ، وتكمل في سن
الشباب فتنتهي إلى سن الثلاثين حتى الخامسة والثلاثين ، وأنه لم يوجد في تاريخ
البشر أحد ظهر منه بعد هذه السن علم جديد ، ولا النهوض بعمل اجتماعي عظيم ،
وإنما قد يكون بعدها الإتمام والتكميل .
ومن العلم التفصيلي في مسألتنا أو موضوعنا أن المباني الثلاثة التي أسسها
محمد كما يقول المؤرخون - وهي أعظم مقومات حياة البشر - هي أعلى وأكمل مما
كان من قبلها ، ولم يتجدد بعدها مثلها ، وأنه لم يتفق لنبي ولا ملك ولا حكيم
الاضطلاع بواحدة مثل واحدة منها ، وأنها قد تمت كلها في مدة قريبة لم يقع في
التاريخ نظير لها
، فهي مجموعة معجزات في كتابها ، وفي كمال تشريعها
وإصلاحها وفلسفتها ، وفي إدماج أمتها لجميع أمم البشر في عقائدها وآدابها
وتشريعها ولغتها ، وفي بناء دولتها ووحدتها الإنسانية على أساس العدل والمساواة
والشورى والمصالح العامة ، وغير ذلك من أصولها وفروعها العلمية والعملية التي
بسطناها بالتفصيل مُؤَيَّدة بالبرهان والدليل في كتاب الوحي المحمدي ، الذي صدرت
الطبعة الأولى منه في مثل هذا اليوم : يوم محمد من العام
الماضي .
لا موضع في هذه الذكرى الوجيزة للإشارة إلى ما يمتاز به كل من دين محمد
وأمته على ما يقابلهما من الأديان والأمم ، وقد فصلناه في كتاب الوحي المحمدي
بالشواهد من القرآن والأكوان تفصيلاً مقنعًا بالأسلوب التي تتقاضاه من الإسلام
حاجة هذا العصر في علمه وأفكاره وأسلوب تأليفه من جميع النواحي والجوانب
الدينية والمدنية والعقلية والسياسية ، ولا سيما إعجاز القرآن وهو مشرق النور
الأعظم ، وينبوع الحياة العليا ، ومصدر الإصلاح العام .
وإننا نختمها بالإشارة إلى تعليل علماء الإفرنج لبعض هذه المعجزات بعد أن
عرفوها ، واضطر المنصفون منهم إلى الاعتراف بها ، والإقرار بأن تعاليم محمد قد
أصلحت تعاليم الأديان القديمة حتى المسيحية ، وأحيت علوم الحضارة القديمة بعد
موتها ، وأن حضارة أوربة الحديثة مستمدة منها ، كما صرح بهذا غوستاف لوبون
ودرابر وغيرهما من علمائهم الأعلام .
فأما علوم القرآن ، وما فيه من بينات الهدى والفرقان ، فقد قال منصفوهم : لا
شك أن محمدًا كان أميًّا لم يتعلم شيئًا ، وأنه كان مطبوعًا على الصدق والإخلاص
ومكارم الأخلاق ، وأن ما ثبت في تاريخه قبل الإسلام وبعده يفيد اليقين بأن مثله لا
يكذب على الله ، ولا على الناس ، وأنه صادق في تعبيره عن اعتقاده بأن هذا
القرآن وحي من الله ( قالوا ) ولكنه وحي كان يفيض من استعداده النفسي العالي
وعقله الباطن على قلبه وخياله ولسانه وحواسه . وقد فندت هذا التعليل بالبراهين
العقلية والنقلية الهادمة لشبهاته التي ذكروها ، وأثبتُّ أنه وحي من الله تعالى ، بما لا
يدع للشك مجالاً .
وأما استعلاء دينه على جميع الأديان ، ودخول الملايين من النصارى واليهود
فيه ، بَلْه المشركين والوثنيين ، فقد عللوه بأن تلك الأديان كلها كان قد دب فيها الفساد
من قبل الملوك والأساقفة ؛ حتى غلبت على أهلها الوثنية وعبادة الشهوات والمال ،
فأمكن دين التوحيد والفطرة السليمة والعقل والفكر ومكارم الأخلاق أن يظهر عليها
في معاهد قوتها ، وشوكتها من البلاد المقدسة وغيرها . اهـ .
قلنا : نعم ، ولكن كيف جاء هذا الدين النقي الكامل من قِبَل رجل أمي بعد
استكماله سن الأربعين ، وقد ثبت بالاستقراء وعلم قوى النفس أن هذا من المحالات ،
وخوارق العادات ؟ فلم يبق إلا أنه من الله كما شرحناه في كتاب الوحي
المحمدي .
وأما توحيد قوى القبائل العربية المتفرقة ، وجعلها أمة واحدة في سنين معدودة
فعللوه بأن العرب كانوا أذكياء الأذهان ، بلغاء اللسان ، أقوياه الجنان ، فجاءهم
زعيم حكيم يدعوهم إلى توحيد العقيدة وأخوة الإيمان ، ويعدهم عن الله تعالى بالغنى
والقوة والسلطان في الدنيا ، والخلود في جنات النعيم في الآخرة ، فآمنوا به ،
واتبعوه .
وقلنا في الرد عليهم : إن هذا صحيح في ظاهره ؛ ولكنه مخالف للطبع والوراثة
وسنة الإجماع في أقوام وقبائل رسخ فيها الشقاق منذ ألوف السنين
، فكيف يزول
بمجرد الدعوة في سنين معدودة ؟ كلا إنهم ما اتبعوه إلا بما ثبت عندهم من إعجاز
هذا القرآن لهم في لغتهم بنظمه وأسلوبه وبلاغته وسلطانه الروحي على عقولهم
وإرادتهم ، وإيقانهم أنه من وحي الله تعالى ، لا من كلامه ، وبما أيد هذا من سيرته
وأخلاقه وأعماله وآيات الله الأخرى له ، قال تعالى له : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ
وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( الأنفال : 62-63 ) وما كان من حكمته
في سياستهم فهو من توفيقه تعالى له وآياته في تربيته قال :
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ( آل
عمران : 159 ) .
على أن تربية الأمم النفسية والاجتماعية لا تتم إلا بطول الزمن والانتقال من
جيل إلى جيل ، وقد ضربت لهم المثل في كتاب الوحي المحمدي ببني إسرائيل ،
وما شاهدوا من آيات الله لموسى في مصر ، ثم في التيه ، ولم يؤثر فيهم ذلك بما
جعلهم أمة واحدة خاضعة لشريعة التوراة ، إلا بعد انقراض الجيل الأول في التيه
وهو أربعون سنة ، وأما قوم محمد فقد تربوا في كنفه في
عشرين سنة ، صاروا فيها خلقًا جديدًا ، وكان الجيل الأول أفضل الأجيال وأكملها
في الدين والأدب والأخلاق والسياسة وحكم الأمم ، وتفضيل دينهم على أديانهم ،
ولغتهم العربية على لغاتهم طوعًا واختيارًا ؟

وعللوا فتح الصحابة للممالك الكثيرة ، وإسقاطهم لدولة الفرس
العظيمة في مهد قوتها ، وتدويخ دولة الرومان العظمى ، وإجلاءها عن ممالكها في
آسية و أفريقية في سنين معدودة ، وامتداد ملك الإسلام في العصر الأول من شاطئ
بحر الظلمات ( المحيط الأتلانتي ) إلى حدود الصين - بأن حكومات هذه الدول
كانت قد هرمت وضعفت بالظلم والفسق والفساد في الأرض ، وعبادة المال
والشهوات ، واتباع الباطل ، فجاء هؤلاء العرب بدينهم الجديد معتصمين بالحق
والعدل والعفة وسائر الفضائل على ما أوتوه من الشجاعة والقناعة ، ففضلتهم
الشعوب والأمم على حكوماتها الفاسدة فكانت ظهيرًا لهم على أنفسها .
قلنا : نعم ، ولكن تلك الدول وشعوبها لم كانت لا تزال أقوى من العرب ، وأكثر
استعدادًا للحرب ، ولا سيما الغنية بأسلحتها الخاصة بها ، وحصونها وخنادقها وكثرة
عددها ، وما يقتضيه غزوها في عقر دارها ، ودفاعها عن حياتها القومية والدولية
من الاستبسال ، ولم يغن عنها كل ذلك شيئًا ؟ أفلم يكن انتصار العرب عليها بالحق
والعدل والفضائل آية من الآيات ، ومعجزة من خوارق العادات ، ومصداقًا لوعد الله
لهم في كتابه بنصره ، وإعلاء دينهم على الدين كله ، ووعد نبيهم لهم بملك كسرى
وقيصر ؟
صرح بهذه المعاني كثير من علماء الإفرنج المستقلين ، حتى المتحمسين في
النصرانية كالدكتور ألفرد . ج بتلر في كتابه ( فتح العرب لمصر ) الذي جمع فيه
بين الإنصاف التاريخي المضطرب ، والحماس الديني الإنكليزي الملتهب .
هذه إشارة وجيزة إلى ما فعل محمد بن عبد الله ، بل محمد رسول الله وخاتم
النبيين ، ولم يفعل مثله ، ولا ما يقرب منه أحد من النبيين ولا الفاتحين ، ولا
الحكماء المصلحين ، ولا الساسة المشترعين ، والعجب العجاب أن يجهل تفصيله
أكثر المسلمين ، وأن يعلمه الأجانب ؛ فيعترف به المنصفون ، ويؤمن به منهم
الموفقون ، ويعلله غيرهم بما يزيده قوة وتأييدًا ، فمتى يثوب المسلمون إلى رشدهم ،
ويرجعون إلى هداية دينهم ؛ فيعود به إليهم مجدهم .
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا
رَسُوَلَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ( المؤمنون : 68-69 ) عودوا إلى كتابكم ، وهدي نبيكم ،
وسيرة سلفكم أيها المسلمون ، فلن يصلح هذه الأمة إلا ما صلح بها أولها ، كما قال
الإمام مالك تعالى والسلام .
... ... ... ... ... ... ... ... ( محمد رشيد رضا )
_
(34/129)