القلم الثاقب
في الفصل بين القمر والكواكب
عبدالرحمن بن عبدالمحسن


إن الحمد لله أستعينه وأستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا, أما بعد,


فهذه رسالة خفيفة المحمل سهلة الأسلوب تحرر بجملتها اللبس القائم في مسألة التفرقة بين النجوم والكواكب والشمس والقمر في ضوء صحيح السنة وآيات الكتاب حرصت فيها على إجمال القول في المسألة وإبرازها بهدف النصح والتصويب لمن اهتم بمسائل الاعجاز العلمي المبارك في القرآن والسنة حتى تتوافق المصطلحات ويزول اللبس بإذن الله.


إن لفظ "الكوكب" قد استخدم صراحة للدلالة على النجوم عند بعض المفسرين وللدلالة على الشمس عند بعضهم و وللدلالة على القمر عند بعضهم الآخر, فاختلط لفظ الكوكب مع غيره من الأجرام السماوية حتى عند المفسر الواحد في بعض الأحيان الأمر الذي نفد إلى بعض كتابات الاعجاز العلمي في عصرنا هذا, هذا وقد أطلق أيضا لفظ الكوكب على الشهب الراجمة عند بعض المفسرين أيضا. وهذاا اللفظ إنما ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع جليلة:
· سورة الأنعام 76: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا.
· سورة يوسف4: إني رأيت أحد عشر كوكبا.
· سورة النور35 : كأنها كوكب دري.
· سورة الصافات6: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب.
· سورة الانفطار3: وإذا الكواكب انتثرت.

وأما لفظة الكوكب في صحيح السنة على ثلاثة حالات نذكرها مجملة:
· في حديث الصحيح في ترتيب الزمر التي تدخل الجنة فالأولى على صورة القمر والثانية كأشد الكواكب الدرية إضاءة في السماء في أفق السماء الذي يطلع من مشرق الأرض ومغربها.
· في حديث الصحيح فيمن يكفر بالله ويؤمن بالكوكب بسبب المطر.
· في حديث الذي جاء في من يجتاز الصراط يوم القيامة ومنهم كانقضاض الكوكب. وإسناده صحيح.


وبالجمع بين الآيات والأحاديث يظهر للمتأمل الحاذق في سياق آيتي سورة الأنعام وسورة يوسف من جهة وحديث زمر الجنة من جهة أخرى يظهر وضوحا الفصل ما بين الكوكب كجرم سماوي والقمر كجرم سماوي آخر. ولكن في رواية أخرى لحديث الزمر هذا جاء في أن الزمرة الثانية جاء وصفها كأشد نجوم السماء إضاءة. وهذا هو السبب الذي دفع بظن البعض من العلماء المسلمين اعتبار الكوكب والنجم شيء واحد وذلك من المتقدمين كالطبري ومن المتأخرين كالطاهر بن عاشور.. وهذا غير دقيق إذا ما قورن بمصطلحات العلم الحديث وتحرير هذه المسألة هي غرض رسالتنا هذه وذلك أن الجمع ما بين الروايتين لا يقتضي المساواة بين النجم والكوكب إنما قصدت الاضاءة في كل منهما ولم يقصد جنس النجم وجنس الكوكب, هذا وقد حاول الشنقيطي المساواة بين طمس النجوم وانتثار الكواكب بأن هاتين مرحلتين متعاقبتين فافترض ضمنا المساواة بين النجم والكوكب في تفسيره, وهذا أيضا غير دقيق علميا وتحرير هذه المسالة إنما وقع عند البغوي وطيب ثراه فقد قال عند تفسير آية سورة النور: "قيل: الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام وهي زحل والمريخ والمشتري والزهرة وعطارد, وقيل: شبهه بالكوكب ولم يشبهه بالشمس والقمر لأن الشمس والقمر يلحقهما الخسوف والكواكب لا يلحقها الخسوف" " فقد فرق البغوي صراحة بين الكواكب والشمس والقمر وضمنا بين الأجرام وبين النجوم. ومن الناحية الحديثية فقد فقد فرق البخاري في صحيحه بينهما ضمنا أيضا فأفرد كتاب بدء الخلق وفيه بابا للنجوم وآخر لصفة الشمس والقمر وقد ورد تحت الباب الآخير حديث يقول بأن الشمس والقمر مكوران يوم القيامة وهذه جزئية جد مهمة في حين وصف الحديث أنه من أحداث القيامة كانقضاض الكوكب, وانقضاض الكوكب هو سقوطه –بمعنى الانتثار- وقد يأتي بمعنى التصدع كما جاء عند الطبري ومن المعلوم أن القمر قد خسف به وانشق كما ثبت في الصحيح وأن هذه آية مضت فكيف يستقيم هذا مع انقضاضه وتصدعه كنهاية له؟! بل إنه لا يمكن الجمع بين تكوير الشمس والقمر وبين الانقضاض وبالتالي لا يمكن الجمع بين ما سيحصل للقمر على أنه قمر قد انشق وسوف يتكور وبين القمر بمعنى الكوكب الذي سيتصدع وينشق مرة أخرى ويسقط!؟ هذا وإن المحقق للمسألة يجب دوما ارتباط ما بين لفظ الشمس والقمر في نصوص القرآن والسنة على الأغلب وليس هناك ربط صريح صحيح واضح ما بين الكوكب-الكواكب- وبين غيرها من الأجرام السماوية اللهم ما ورد من اختلاف رواية زمر أهل الجنة التي حررناها سابقا.


إلا أن ابن كثير قد خلط صراحة بين الكواكب والشمس والقمر عند تفسيره لآية سورة الأنعام فقال:" وَبَيَّنَ فِي هَذَا الْمَقَامِ خَطَأَهُمْ وَضَلَالَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْهَيَاكِلِ ، وَهِيَ الْكَوَاكِبُ السَّيَّارَةُ السَّبْعَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ ، وَهِيَ : الْقَمَرُ ، وَعُطَارِدُ ، وَالزَّهْرَةُ ، وَالشَّمْسُ ، وَالْمِرِّيخُ ، وَالْمُشْتَرَى ، وَزُحَلُ ، وَأَشُدُّهُنَّ إِضَاءَةً وَأَشْرَقُهُنَّ عِنْدَهُمُ الشَّمْسُ ، ثُمَّ الْقَمَرُ ، ثُمَّ الزُّهَرَةُ . فَبَيَّنَ أَوَّلًا أَنَّ هَذِهِ الزُّهْرَةَ لَا تَصْلُحُ لِلْإِلَهِيَّةِ ; لِأَنَّهَا مُسَخَّرَةٌ مَقَدَّرَةٌ بِسَيْرٍ مُعَيَّنٍ ، لَا تَزِيغُ عَنْهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا وَلَا تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا تَصَرُّفًا ، بَلْ هِيَ جِرْمٌ مِنَ الْأَجْرَامِ خَلَقَهَا اللَّهُ مُنِيرَةً ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ الْعَظِيمَةِ ، وَهِيَ تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ ، ثُمَّ تَسِيرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ حَتَّى تَغِيبَ عَنِ الْأَبْصَارِ فِيهِ ، ثُمَّ تَبْدُو فِي اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ . وَمِثْلُ هَذِهِ لَا تَصْلُحُ لِلْإِلَهِيَّةِ . ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْقَمَرِ . فَبَيَّنَ فِيهِ مِثْلَ مَا بَيَّنَ فِي النَّجْمِ . ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الشَّمْسِ كَذَلِكَ " أهـ. وهذا هو السبب المباشر لنفاد هذا الخلط إلى كتابات الاعجاز العلمي في أيامنا هذه, وقد بينا الأخذ بقول البغوي الضمني وما دلت عليه سياق الآيتين من سورة الأنعام ويوسف وكذلك ما ثبت في الصحيح.


وقد استثارت هذه الآية من سورة الأنعام مسألة فلكية لخصها الفخر الرازي في التفسير الكبير" فَإِنْ قِيلَ : لَا شَكَّ أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَانَتْ مَسْبُوقَةً بِنَهَارٍ وَلَيْلٍ ، وَكَانَ أُفُولُ الْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ حَاصِلًا فِي اللَّيْلِ السَّابِقِ وَالنَّهَارِ السَّابِقِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ لَا يَبْقَى لِلْأُفُولِ الْحَاصِلِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَزِيدُ فَائِدَةٍ . وَالْجَوَابُ : أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - إِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا الدَّلِيلَ عَلَى الْأَقْوَامِ الَّذِينَ كَانَ يَدْعُوهُمْ مِنْ عِبَادَةِ النُّجُومِ إِلَى التَّوْحِيدِ . فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ جَالِسًا مَعَ أُولَئِكَ الْأَقْوَامِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي وَزَجَرَهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ الْكَلَامِ إِذْ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى كَوْكَبٍ مُضِيءٍ ، فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَوْ كَانَ هَذَا الْكَوْكَبُ إِلَهًا لَمَا انْتَقَلَ مِنَ الصُّعُودِ إِلَى الْأُفُولِ وَمِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الضَّعْفِ . ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ الْكَلَامِ طَلَعَ الْقَمَرُ وَأَفَلَ . فَأَعَادَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْكَلَامَ ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الشَّمْسِ ، فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يَحْضُرُنَا فِي تَقْرِيرِ دَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ." أهـ


ووقف عليها صاحب التحرير والتنوير فقال "وَظَاهِرُ قَوْلِهِ رَأَى كَوْكَبًا أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ رُؤْيَةُ الْكَوَاكِبِ عَرَضًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّأَمُّلِ وَإِلَّا فَإِنَّ الْأُفُقَ فِي اللَّيْلِ مَمْلُوءٌ كَوَاكِبَ ، وَأَنَّ الْكَوْكَبَ كَانَ حِينَ رَآهُ وَاضِحًا فِي السَّمَاءِ مُشْرِقًا بِنُورِهِ ، وَذَلِكَ أَنْوَرُ مَا يَكُونُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ . فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَأَى كَوْكَبًا مِنْ بَيْنِهَا شَدِيدَ الضَّوْءِ . فَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ الْكَوْكَبَ هُوَ الزُّهَرَةُ . وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ الْمُشْتَرِي . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَظَرَ الْكَوَاكِبَ فَرَأَى كَوْكَبًا فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ إِيجَازُ حَذْفٍ مِثْلُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ، أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ . وَجُمْلَةُ رَأَى كَوْكَبًا جَوَابُ لَمَّا . وَالْكَوْكَبُ : النَّجْمُ ." أهـ

أما صاحب تفسير المنار فقد حرر المسألة بتفصيل يقترب من المنهج العلمي الحديث فقال "وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْمُشْتَرَى الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ آلِهَةِ بَعْضِ عُبَّادِ الْكَوَاكِبِ مِنْ قُدَمَاءِ الْيُونَانِ وَالرُّومِ ، وَكَانَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ سَلَفُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ ، وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ الزُّهَرَةُ ." ويفصل فيقول: "وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَأَى الْكَوْكَبَ فِي لَيْلَةٍ ، وَرَأَى الْقَمَرَ فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ لَهَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْعَطْفِ بِالْفَاءِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَاصِلَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَأُخْرَى إِلَّا النَّهَارَ ، وَهُوَ لَيْسَ بِمُظْهِرٍ لِلْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ ؛ فَكَأَنَّهُ غَيْرُ فَاصِلٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى الْكَوْكَبَ وَالْقَمَرَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةُ هِيَ الَّتِي رَأَى الشَّمْسَ فِي أَوَّلِ نَهَارِهَا - وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ - وَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَأَى الْكَوْكَبَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ هَاوِيًا لِلْغُرُوبِ ، وَبَعْدَ أُفُولِهِ بِقَلِيلٍ بَزَغَ الْقَمَرُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي وَسَطِ الشَّهْرِ ، وَأَنَّهُ سَهِرَ مَعَ بَعْضِ قَوْمِهِ اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتَّى أَفَلَ الْقَمَرُ فِي آخِرِهِ ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُ النَّاسُ هَذَا ، وَلَا سِيَّمَا فِي اللَّيَالِي الْبِيضِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ غَرَضٌ دِينِيٌّ أَوْ عِلْمِيٌّ مِنْهُ ، وَقَدْ يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي الْقَلِيلَةِ مِنَ السَّنَةِ كَاللَّيْلَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ مِنْ سَنَتِنَا هَذِهِ ( سَنَةُ 1336 هـ ) فَإِنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ فِيهَا عَنْ أُفُقِ مِصْرَ السَّاعَةَ 6 وَالدَّقِيقَةَ 28 وَيَطْلُعُ الْقَمَرُ بَعْدَ غُرُوبِهَا بِعِشْرِينَ دَقِيقَةً ، وَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَرَى بَعْضَ السَّيَّارَاتِ أَوْ نَحْوِهَا مِنَ النُّجُومِ الْمُشْرِقَةِ الْمُمْتَازَةِ - كَالشِّعْرَى - هَاوِيًا لِلْغُرُوبِ ، وَيَغْرُبُ بَعْدَهَا بِرُبْعِ سَاعَةٍ ، وَيَغْرُبُ الْقَمَرُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بَعْدَ انْتِهَاءِ السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ بِدَقِيقَتَيْنِ مِنْ صَبِيحَتِهَا ، وَتُشْرِقُ الشَّمْسُ بَعْدَ غُرُوبِهِ بِأَرْبَعَ عَشْرَةَ دَقِيقَةً ، وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِيهِ جَنُّ اللَّيْلِ ، وَهُوَ إِظْلَامُهُ . وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ تَصْوِيرُ وُقُوعِ مَا ذُكِرَ فِي مِثْلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْقَمَرُ بَدْرٌ وَالشَّمْسُ فِي الدَّرَجَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ بُرْجِ الثَّوْرِ ، إِذَا تَعَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَصْفُ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ بِالْبُزُوغِ إِلَّا فِي أَوَّلِ طُلُوعِهِمَا مِنْ وَرَاءِ أُفُقِ الْقُطْرِ كُلِّهِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ هَذَا غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بِالْوَصْفِ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : رَأَيْتُ الْقَمَرَ بَازِغًا وَلَوْ بَعْدَ طُلُوعِهِ بِسَاعَاتٍ ، كَمَا يُقَالُ : رَأَيْتُ نَابَ الْبَعِيرِ بَازِغًا بَعْدَ طُلُوعِهِ بِأَيَّامٍ . ثُمَّ إِنَّ الْبُزُوغَ وَالْغُرُوبَ مِنْهُمَا مَا هُوَ حَقِيقِيٌّ عُرْفًا وَمَا هُوَ نِسْبِيٌّ ، فَمَنْ كَانَ فِي مَكَانٍ مُطَمْئِنٍ أَوْ مُحَاطٍ بِالْبُنْيَانِ وَالشَّجَرِ ، يَبْزُغُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ وَالشَّمْسُ بَعْدَ بُزُوغِهِمَا فِي أُفُقِ قُطْرِهِ ، وَيَغْرُبَانِ عَنْهُ قَبْلَ غُرُوبِهِمَا عَنْ ذَلِكَ الْأُفُقِ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي مَكَانٍ يَحْجُبُ مَشْرِقَهُ مَا ذُكِرَ دُونَ مَغْرِبِهِ وَبِالْعَكْسِ - فَيَخْتَلِفُ الْبُزُوغُ وَالْغُرُوبُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ . وَبِهَذَا يَتَّسِعُ مَجَالُ احْتِمَالِ وُقُوعِ مَا ذُكِرَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَصَبِيحَتِهَا بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ . وَالْكَلَامُ فِي الْآيَاتِ مُرَتَّبٌ عَلَى رُؤْيَةِ الْكَوْكَبِ رُؤْيَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِحَالٍ وَلَا وَصْفٍ ، وَعَلَى رُؤْيَةِ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ بَازِغَيْنِ لَا عَلَى بُزُوغِهَا ، فَالْأَوَّلُ يَصْدُقُ بِرُؤْيَتِهِ قُبَيْلَ الْغُرُوبِ فِي أَوَّلِ جُنُونِ اللَّيْلِ ، وَالْآخَرَانِ يُصَدَّقَانِ بِالرُّؤْيَةِ فِي حَالِ الْبُزُوغِ النِّسْبِيِّ ، وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذِهِ الدِّقَّةِ فِي تَعْبِيرِ التَّنْزِيلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ رُؤْيَةَ مَا ذُكِرَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَصَبِيحَتِهَا ، وَمَنْ فَرَضَ لِذَلِكَ وُجُودَ حَالٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْخَالِي مِنَ الْجِبَالِ ." أهـ وقد سردنا لك ما قاله العلماء في هذه المسألة حتى نؤكد لك الثمرة العلمية البراقة التي تثمر عند الفصل بين القمر والكوكب, وبهذا ترى كيف أن مسائل علم الفلك دقيقة جدا وهي مع علم الحساب يشكلان علم صحيح لا يشوبه غلط!


أما سياق آية سورة الصافات فقد أشكل على بعض الناس ولقد حرر هذه المسألة الفخر الرازي في تفسيره الكبير وذكر وجها جيدا ومفاده أن الكوكب سبب غير مباشر لظهور هذه الرجوم من الشهب وهذا على توافق جيد مع ما جاء في علو الفلك الحديث ونماذج المحاكاة الحاسوبية التي تبرز حزام من مئات الألوف من الصخور الضحمة في المدار بين المشتري وزحل التي هي أصل لكثير من الأجرام التي ترتطم بالأرض وتشكل تهديدا كبيرا للحياة عليها والحمد لله على حفظنا منها. وأما آية سورة الانفطار فلم نجد قول صحيح ولاضعيف ينقل عن أحد من السلف في تفسيرها إنما قام الطبري بتفسيرها لغويا على أن انتثرت بمعنى تساقطت وتبعه في هذا جمهور المفسرين وكذا الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير. ووصف التساقط خاص لنهاية الكواكب ووصف التكوير خاص لنهاية القمر مع الشمس وليس مع الكواكب. والله أعلم.
أما رؤية يوسف فقد جمهور المفسرين من السلف والخلف على تأويل هذه الآية بأنها رؤيا ليوسف وظاهر قولهم يؤيد عدم الربط بين عدد هذه الكواكب وكواكب مجموعتنا الشمسية, هذا وقد روي حديث في أسماء هذه الكواكب ورده ابن كثير وفيه خلط بين النجوم والكواكب وما أجمل ما قاله الفخر الرازي" واعلم أن كثيرا من هذه الأسماء غير مذكور في الكتب المصنفة في صورة الكواكب, والله أعلم بحقيقة الحال"أهـ. وفي الآية فصل واضح بين الكواكب والشمس والقمر ولم يقل أحد من المفسرين بتخصيص الشمس والقمر من الكواكب ولا يمنع أن تصطف الكواكب سواء من مجموعتنا الشمسية أو من غيرها على صفحة السماء السوداء بأمر الله كهيئة الساجد, وقد تخيل الكثير من القدماء صورا مزرية لتوضع هذه الأجرام في السماء المرئية في عالمنا الحاضر فتخيلوا فيها آلهة ونساء والعياذ بالله.


وبهذا يستقيم التوفيق بين مصطلحات العلم الحديث ونصوص السنة والكتاب-التي لم يشكل شيء فيهما- ولكن الذي أشكل هو تأويل هذه النصوص وفق ما توصل له كل عصر من القدرات التجريبية الرصدية, وبهذا نقول بأن النجوم والكواكب والشمس والقمر كلها تسميات أجرام سماوية يصح توضيح علاقتها مع بعضها البعض وفق ما جاء في كتب "صورة الكواكب" في كل عصر وقد جاء في عصرنا هذا أن الشمس نجم والكواكب هي الكواكب المعروفة والقمر هو القمر ويصح وصف أي منها على أنه جرم سماوي-وليس كوكب- فلا تناقض ولا تعارض والحمد لله رب العالمين. والله أعلم.