الأحكام الفقهية لاستخراج الكنوز المحصَّنة بالجن
قبل أيام في شمال بلاد الحرمين أطلعني أحد الإخوة الرحالة على صندوق صغير من الفضة البائدة تم استخراجه من دفائن تحت الأرض عبر قناة شجر الرُّمان التي تستخدم في البحث عن الكنوز الأرضية والتي يستخدمها ويتقنها الخبراء وأهل التنقيب عن الآثار .


وقناة شجر الرمان من الوسائل العديدة التي اخترعها الهواة والرحالة للبحث عن المياه الجوفية والدفائن والكنوز المطمورة والمعادن والأواني تحت سطح الأرض ، بطرق خفية لا يعرفها إلا من علَّمه الله لطائفها .
ويوجد الآن أجهزة حديثة للكشف عن المعادن في باطن الأرض والتعرف على حجم دفائنها وصفتها بشكل تقريبي .



والدفائن في باطن الأرض لا حصر لها في الجزيرة العربية والهند وروسيا والصين وأوروبا وغيرها . واستخراجها من علامات الساعة كما في المرفوع : " تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأُسطوان من الذهب والفضة ، فيجيء القاتل فيقول في هذا قُتلت ، ويجيء القاطع فيقول في هذا قُطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول في هذا قُطعت يدي ،ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا " أخرجه مسلم .


والمال عند الفقهاء ما يميل إليه الطبع ويمكن ادِّخاره لوقت الحاجة ، وهذا التعريف مطابق لمسألة الدفائن في جوف الأرض . وقد اشتهر عن الامام الشافعي ( ت: 204هـ ) تعالى قوله : " لا يقع اسم المال الا على ماله قيمة يباع بها وتلزم مُتلفه " .


وبعض الناس يظن أن الكنوز المخفية للأمم الماضية لا يجوز استخراجها أو التنقيب عنها وهذا فهم غير منضبط ، لأن المال إن لم يكن له صاحب ومالك حاضر فهو لقطة ، وإن كان مالاً مدفوناً منذ عهد الجاهلية فهو ركاز .


وهذا كله يعرف بعلاماته والكتابات الواضحة فيه أو من جهة أهل الخبرة .
والمال المخفي في باطن الأرض مما لا يقع تحت ملك أحد يجوز الانتفاع به حتى يثبت عكسه ويظهر له مالك ، فيُردُّ إليه .


ولعل من حكمة الله تعالى في إخفاء آثار الأمم البائدة أن يتأمل الناس في ضعفهم وعجزهم ، وأن الله تعالى غني عن خلقه وقدير على بعثهم وإحصاء أعمالهم فهو سبحانه لا تخفى عليه خافيه ، والدليل الحسي أنه أبقى كنوزهم وحفظها آلاف السنين . والمتاحف العالمية اليوم من الحجج التي أقامها الله على العباد لمعرفته والخضوع لعبوديته .


*وهذه خلاصة نافعة في تأصيل هذه المسألة وتقعيد أحكامها :
1 - طلب الأموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي :
وقد قرر هذا المعنى العلامة ابن خلدون ( ت: 818هـ ) تعالى .
وعلة ذلك أن السلف لم يتتبعوها على الرغم من فقرهم وحاجتهم للمال ، ولأنه من ضعف التوكل أن يُطلب الغائب ويترك الحاضر مما يمكن تحصيله بالعمل والكدِّ والسعي . وعمارة الأرض تكون بالسعي في أعلاها لا في جوفها. والقاعدة عند الأصوليين أن الزيادة على الواجب إذا لم تكن من لوازمه فإنها لا تكون واجبة .


2- لا حرج في استخراج الدفائن مما ليست تحت ملك أحد :
ويتضح هذا المعنى من إذن الله تعالى بالانتفاع بالركاز ، فما أبيح أصله جاز الانتفاع بفرعه إلا ما خصه الدليل . وقد قال الله تعالى : " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً " ( البقرة : 29 ) لكن بحدود الشرع وضوابطه .
وفي آية سورة الكهف في قصة الغلامين ما يدل على الإباحة.
قال الله تعالى : "
:"وَأَما الجِدَار فَكَانَ لِغلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَه كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلغَا أَشدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ "( الكهف : 82 ) .


ولأن المال إما مال معصوم له حرمة وملكية ، وإما مال ملتقط فيعرَّف حتى يعود أربابه ، وإما مال قديم ترجح أنه لا ملكية له فينتفع به لأنه من أرزاق الله في أرضه التي وضعها في مناكب الأرض .
والمال لواجده وليس للدولة منه شي إن كان في أرض الواجد ، لأنه مال الله وليس من حقوق العباد التي تعاد إلى صاحبها أو للحاكم . وقد قال الله تعالى " " ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف " ( النساء : 6 ) . وهذا مال غير مغصوب ولا مستولى عليه ولا محجور عليه فيكون لواجده الحاصل عليه .



وإن كان المال في خلاء بعيد الناس وليس مرفقاً عاما تم تخطيطه للإنتفاع به فيلحق بما سبق فيكون لواجده . وإلا فيخرج خُمسه لبيت المال للخروج من شبهة المُلك .


3- الاستعانة بالجن لا تجوز على القول الراجح :
من العلماء من أجاز الاستعانة بالجن لحفظ الأموال والحماية من الآفات وعمل الخير ، لكن الراجح هو المنع ، لأن الجن في الغالب لا يخدمون من ينتفع بخدمتهم إلا بإيقاع محرم أو كبيرة . قال الله تعالى " وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن فزادوهم رهقا " ( الجن : 6 ) . وبعض الناس يستعين بسحرة ومشعوذين للتقرب إلى الجن بالذبح لهم للحصول على الدفائن والكنوز ، وهذا شرك بالله لا يفلح صاحبه ولا يسلم من الإثم .


4- استخراج الدفائن يوجب اخراج خمسها إن لم تكن لقطة :
ما عُرف أنه من أموال الإسلام فهو لقطة ولا حرج في الانتفاع به ، لأنه رزق ساقه الله لواجده . وما عرف أنه من أموال الجاهلية فهو ركاز يخرج فيه الخمس ، ولواجده أربعة أخماسه . وفي المرفوع : " ما كان في طريق مأتي أو قرية عامرة فعرِّفها سنة ، فإن جاء صاحبها وإلا فلك ، وما لم يكن في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس " أخرجه النسائي بإسناد صحيح .

5- حراسة الجن للكنوز عادة قديمة عرفها السلف والخلف :
يُضعِّف كثير من الناس القصص القديمة والحديثة لحراسة الجن لدفائن الأرض ، والصحيح رجحان ذلك لتواترها وثبوتها في الأثر .فقد ثبت أن زيد بن أسلم استعمل على معدن لبني سليم، وكان معدناً لا يزال يصاب فيه الناس من قبل الجن، فلما وليهم شكوا ذلك إليه فأمرهم بالأذان، وأن يرفعوا أصواتهم به، ففعلوا فارتفع ذلك عنهم حتى اليوم . رواه ابن عبد البر بإسناد صحيح .

6- التقرُّب للجن بعمل بدعي لاستخراج دفائن الأرض محرم شرعا :
والعلة في التحريم أن الجن غائب فلا يجوز الاستغاثة بغائب ، وهم مخلوقون لا يملكون نفعا ولا ضراً . ومثلهم السحرة المجرمون والمشعوذون المتذلِّلون لغير الله تعالى . والذهاب إلى الكهنة والسحرة من قوادح التوحيد كما هو معلوم . وقد أنكر الله تعالى أن يسوِّي بين المختلفين وأن يفرِّق بين المتماثلين . وهذه قاعدة عقدية لا جدال فيها .


7- علاقة الجن بالزئبق خرافة يُروِّج لها السحرة والمشعوذون :
يعتقد بعض الناس أن الجن يعشقون الزئبق الأحمر ، لإعادة شبابهم وقوتهم ، وهو قول ساقط لا حجة له ، ولم يعرف الأوائل الزئبق رغم عنايتهم بالكيمياء ، والزئبق الأحمر خرافة لا وجود له .وقد روَّج لهذه الخرافة بعض التجار لتصريف البضائع العتيقة .


8- انتفاع الجن بالذهب بعد مئة سنة قول باطل لا أصل له :
يظن بعض الناس أن الجن ينتفعون بالذهب بعد قرن من الزمان ، ولا يوجد في الشرع ما يُقرِّر هذا المعنى ، فيكون من حكايات الإخباريين التي لا يصح الاحتجاج بها . وهذا الانتفاع وصف طردي لا يجوز الاستدلال به عند جمهور الأصوليين .

9- نبش القبور الخاصة بالأمم القديمة لاستخراج كنوزها جائز شرعًا :
ودليله ما رواه عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر : "هذا قبر أبي رغال، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه " ، فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن . أخرجه أبو داود بإسناد صحيح .
وقد اتفق أكثر الفقهاء على أن ما ظهر من مال أو كنز من قبور أهل الجاهلية فهو ركاز ، وما ظهر من قبور أهل الاسلام فهو لقطة . فتكون هذه القاعدة مخصصة لما سبق . أما قبور أهل الإسلام فيحرم نبشها أو العبث بها .
لكن تتبع الدفائن في المقابر ونحوها من المصالح المسكوت عنها ، فيكون المكلف مأموراً بمقاصد الشرع من غير إهدار لمنفعته العامة .


10- إذا غلب على الظن حصول أذىً بسبب البحث عن الدفائن فيجب تركها:
فقد تواترت الأخبار بحصول الأذى والضرر لمن يُسلِّط نفسه على مال غيره ، لأن دفائن الأرض مسكونة بالجن ولا يمكن تحصيل ما فيها إلا بضرر متحقِّق ، ولم يكلِّفنا الله بالسعي لبذل العافية مقابل الحصول على مال غائب في الأرض لا يعلم نسبة ادراكه . وقد تقرر عند الأصوليين أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة إذا لم يكن ضررها بالغاً .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

( منقول )