الأحكام الفقهية للتصويت في الإنترنت
الثورة المعلوماتية الحديثة أفرزت كثيراً من المستجدات الفقهية والشرعية التي لا مناص من استخراج مناط الأحكام من أدلتها وقواعدها الحاصرة .

وبعض تلك المستجدات تتفاوت أحكامها بحسب النظائر العلمية المتعلِّقة بمعانيها ومآلاتها .

ويعدُّ التصويت عبر شبكات الحاسوب ( الإنترنت ) من المسائل المهمة التي لم تُنقَّح أحكامها وأدلتها إلا بصور مقتضبة ومختصرة لا تفي بالحاجة لمن رام فهم جُزئياتها والإحاطة بفروعها .


والتصويت يأتي بعدة أشكال وصور مثل : استطلاع الرأي ، الاقتراع ، المساهمة ، الانتخاب ، الاستفتاء ، الترشيح ، التزكية .


وقد يظهر التصويت في شبكات الحاسوب برسومات بيانية أو أعمدة إحصائية أو تسلسل أُفقي قابل للتجزئة أو غير ذلك من الهيئات .


والمسلمون اليوم لا يمكنهم مزاحمة الأمم بدون الدخول إلى التقنية الحديثة والمشاركة في عالمها بحدود الشرع وضوابطه وترجيحاته المناسبة لفقه العصر.

لكن مما يجب التنبيه عليه هنا أن الأحكام الشرعية لا تُبنى على الصور النادرة بل العبرة بالكثير الغالب كما هو مقرر عند الأصوليين .


فمثل هذه المسألة المعاصرة تُقدَّم مصلحة الشرع فيها على رضا الناس ، ولا عبرة بكثرة القياس . وقد قال الإمام أحمد ( ت: 204هـ ) تعالى : " سألتُ الشافعي عن القياس فقال لي : " عند الضرورة " .


وقد أعجبتني قاعدة ُأصولية قرَّرها الامام ابن تيمية (ت: 728هـ ) تعالى وهي أن المسلم إذا طرأ عليه شك وجب إزالته بترجيح أحد طرفيه ولا يستحب له ولا يشرع الإعراض عن هذا الترجيح للعمل بالأحوط من وجوهه .


وطرق الترجيح قد تكون بغلبة الظن أو استصحاب حكم الأصل أو العمل بما جرت عليه العادة غير المنهيِّ عنها ، أو دلالة الاختبار الحسي أو العقلي .


ولا يخفى أن العمل بالاحتياط قبل العمل على ترجيح أحد جانبي الشك غير مشروع .


وهذه القاعدة الأصولية لا يمكن الاستغناء عن العمل بها اليوم لا في النوازل ولا في الوقائع المتجدِّدة .


*وهذه خلاصة نافعة لتأصيل أحكام التصويت وتقعيد مسائلها :

1- التكيِّيف الفقهي للتصويت :
التكيِّيف الفقهي بمفهومه العام للتصويت لا يتجاوز المعنى العام للشهادة والإقرار . وفي بعض مفرداته تعلُّق بالقياس الخفي والاستحسان وعقد الضمان وخيار المجلس وحجية مفهوم الشورى .
وتعلق التصويت بالشهادة لأنها إخبارٌ بحقٍ لشخص على غيره بناء على دليل حِسي . فإن كانت الشهادة بمجرد الاجتهاد والظن فإنه لا يعتد بها . والمقصود بالشهادة هنا المعنى العام للفظها، ويلحق بها التزكية .

فالتصويت الإجتهادي المتعلِّق بالمسائل الشرعية لا يصح قبوله ولا التوصية به ولا العمل بموجبه لأنه لا يستند على أصل قام به الدليل ، ولأن فيه إفتئات على مائدة العلم من غير أهلها .


وعند الفقهاء يجوز الإخبار بالشهادة في حال الاستخفاء والاستتار ، وهو مرويُّ عن الإمام أحمد تعالى ، وهذا المعنى مطابق للتصويت في شبكات الحاسوب .


ولا يصح تكيِّيف التصويت على أحكام الوكالة، لأنه يفتقر لدليل حِسي لذلك ، وهو بعيد شرعاً وعقلاً .


والنصوص الشرعية لما تقدَّم من تكيِّيف هي أدلة مشروعية أحكام الشهادة والإقرار وما يلحق بها من قياس واستحسان ، كلُّ حسب مورد مسألته .

2- التصويت على الأمور الشرعية :
يُقيَّد جواز التصويت على الأمور الشرعية بكل مسلم جامع لحال النازلة أو المسألة المراد البحث فيها ، كأهل العلم والفقه وأهل الدِّراية . وما سواهم ممن ينقصهم العلم والدِّراية فلا حجة في تصويتهم .


والأمور الشرعية مثل : قضايا الحجاب والضرائب والمعاملات المالية المختلف فيها ومستجدات العصر الفقهية .


والدليل قول الرسول للأنصار : " أخرجوا إليَّ من قومكم اثني عشر نقيبًا ، يكونون على قومهم بما فيهم " أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح .


وفي قصة سبي هوازن : " إِنِّي لَا أَدرِي مَنْ أذنَ مِنْكُمْ مِمنْ لَمْ يَأْذَن ، فَارْجِعُوا حَتَّى يرفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكم أَمرَكُم ، فَرَجَعَ النَّاس ، فَكَلَّمَهُم عُرَفَاؤُهُم، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَروه أَنَّ النَّاس قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا " أخرجه البخاري .


فيفهم من هذين النصين تعليق الرسول قبول الحق الفاصل للحجج من أهلها العارفين بظواهرها وبواطنها .

3- التصويت على أمور لا تُعرف مآلاتها :
مثل التصويت على مشاريع يُخطَّط لها في المستقبل ، أو زيادة أُجور العاملين ، أو الاستقدام من الخارج ، أو نزع ملكية العقارات . فهذه الأمور الحكم فيها على الإباحة ، لأن القصد منها النصح والشفقة ورعاية مصالح المسلمين . والتصويت فيها شهادة وأمانة على من تحمَّلها .


4- التصويت على حقوق العباد :
لا يجوز التصويت على حقوق العباد إلا من عارف بحدودها لأنها مبنية على المشاحَّة . مثل التصويت على استحقاق جهة معلومة بواجبات معينة أو بمطالبات مالية أو اجتماعية، أو الحكم بالسجن على زعيم أو رئيس ينتمي لطائفة معينة ، أو تجريد صلاحيات محكوم عليه في قضايا شرعية .


فهذه يجب التوقِّي من التصويت فيها لأنها حقوق آدمية تفتقر إلى العدل والبيِّنة وإقامة الدعاوى . وفي المرفوع " أن الرسول أشار إلى الشمس وقال يا ابن عباس على مثل هذه فاشهد " أخرجه الحاكم بإسنادٍ حسن .


5- التصويت على الأحكام الوضعية :
في كثير من دول الغرب يتم التصويت من المسلمين المقيمين في بلاد الكفر على قوانين غربية مُلزمة . والواجب على المسلمين فيها الاحتيال بحيلة شرعية تصرف عن الإثم ، أو الهجرة من البلد لإبراء الذمة . وقد قال الله تعالى : " ما كان ليأخذ أخاهُ في دِّين المَلِك " (يوسف :76) . وهذه الآية نزلت في يوسف حينما خلَّص أخاه بحيلة لا تُخالف قانون الملك الكافر في وقته .


6- التصويت على الانتخابات :
يجوز التصويت في الانتخابات إذا كان المقصد حماية البلد الإسلامي وحفظ حقوق أهله وتوطيد الحكم فيه للأكفاء . ويكون التصويت لاختيار الأعدل والأصلح للبلد . وقد استدل بعض العلماء بمشروعية التصويت للإنتخابات بقول الله تعالى: " قالوا يا شعيبُ ما نفقهُ كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنتَ علينا بعزيز" (هود :91) .


والتصويت للكافر في الانتخابات محلَّ خِلاف بين أهل العلم ،لأن فيه تعلقاً بعقيدة الولاء والبراء . ومن العلماء من أجازه لقول الله تعالى : " قال اجعلني على خزائن الأرض إنِّي حفيظ عليم " ( يوسف : 55 ) . فقد طلب يوسف الولاية من ملك كافر لتحقيق مصلحة راجحة . وهذه مسألة اجتهادية تُطلب في مظانِّها .

7- التصويت لتزكية فرد معين أو شخصية معتبرة :
لا يجوز التصويت لتزكية أحد بدون علم وإحاطة بحال المزكَّى . والجرح والتعديل لشخص معين أو جهة معينة يجب فيه الوقوف على حال المزكَّى وعمله ومقاصده . والتزكية بقرائن الحال لازمة لمعرفة المآل . وفي كتب الطبقات والتراجم ما يدلُّ على الاحتياط في هذا الباب والبصيرة بحال أهله. وقد صح عن الإمام أحمد تعالى أنه قال : " بلغ ابن أبي ذئب أن مالكاً لم يأخذ بحديث : " البيِّعان بالخيار" فقال : " يُستتاب ، فإن تاب وإلا ضُربت عنقه " ! .

8- التصويت للترف العلمي بلا هدف معين :
يكون القصد من هذا القسم – في الغالب – الإثارة، أو تسويد الصفحات الإلكترونية ، أو جذب القراء ، ونحوها من الغايات القاصرة . مثل التصويت لشعبية علم من أعلام الأمة ، أو ترشيح كتاب من المصنفات المعاصرة في معارض الكتاب ، ونحوها من فنون الجذب . وحكمه الإباحة والتورع فيه لازم . وقد صح عن الإمام أبي حنيفة ( ت: 150هـ ) تعالى أنه قال في ترك الاستحسان : " لا تأخذوا بمقاييس زُفر، فإنكم إن أخذتم بمقاييِّسه حرَّمتم الحلال وحللتم الحرام " .


9- التصويت على الأمور العرفية العامة :
حكم التصويت في هذا القسم يكون بإعادة فرعها إلى أصل من الأصول المتقدِّمة من نظيراتها ، إما الإباحة أو الوجوب أو الكفِّ والاحتياط لإبراء الذمَّة. ومن أمثلة هذا القسم التصويت لأفضل قبيلة ، أو أفضل فصيل من سوائم الأنعام ، أو أنظف مدينة في البلد . وقد تقرَّر عند الفقهاء جواز الشهادة على الموت والنسب والنِّكاح مما يتم العلم بحالها بالتسامع . فتكون هذه القاعدة مُقرِّرة لهذا القسم ودليلًا عليه .

10- نتائج التصويت :
تختلف نتائج التصويت بحسب المواد المدرجة للإقتراع ، وفي بلاد المسلمين يجب على القائمين على التصويت تحرِّي العدل والأمانة للتميِّيز بين التصويت الإيجابي والتصويت السلبي . وقد رجَّح الإمام ابن تيمية تعالى العمل بشهادة الاستفاضة في الأخبار ولم يُحدِّد لها عدداً معيناً لقبولها .


وتخضع نتائج التصويت في البلاد الغربية الكافرة لمقاييس دقيقة لا يمكن تزويرها أو العبث بها ، مثل الرقابة والمحاسبة ومنع شهادة الزور . وهي مقاييس أُخذت من شرعنا ونُقِّحت في بلادهم فالتزموا بها وغلَّفوها بغلاف الديمقراطية .

والمقصود أن التصويت على الرغم من أهميته وفضله ، إلا أن الإعتماد عليه لا يُعين على حسم المشكلات في جميع النوازل . والسبب الرئيس هو عوارض الأهلية للِمصوِّتين التي قد تنُقص من قيمته أو تُقلِّل من الإعتماد عليه . وقد تقرر عند الأصوليين أن المصالح الحاجية لا يلزم العمل بها إلا عند خشية فوت المنافع .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

( منقول )