الأحكام الأصولية لمدح الله تعالى
قبل أيام شاهدتُ بعض الفضائيات المتخصِّصة في الإبتهالات الدينية ، ومن برامجها ما هو معتني بمدح الذات الإلهية . ولا تخلو من شوائب عقدية ! .


وقد ثبت أن الرسول قال : "لاَ شَخْص أَحَب إِلَيْهِ المِدْحَة مِنَ اللَّهِ ،مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ " . متفق عليه .


فالله تعالى بيده مقاليد الأمور ، وخزائن السماوات والأرض ، وهو أكْرَم الأكرَمِين ، وأجوَد الأجودِين ، ويَمينه سحّاء الليل والنهار لا تغيضها نَفَقة ، وخزائنه ملأى لا تنفَد ، لكن حِفظ جناب التوحيد مُقدَّم على مدح الله تعالى كما سيأتي تأصيله في آخر المقال .


والحكم الُأصولي يقتضي التفريق بين حمد الله والثناء عليه ومدحه ، فالحمد معناه : وصف المحمود بصفات الكمال معالمحبة والتعظيم ،وأما الثناء فهو تكرار الحمد وتثنيته ، والمدح هو الإخبار بالمحاسن فقط .


والمداومة على كثرة السجود وقراءة القرآن تحقيق لمعاني الحمد وتوابعه كلها، وهي شرف للمؤمن ودليل لعزته .

وقد صح أن عُتبة بن غَزوان قال : "لقد رأيتُني سابِعَ سبعةٍ مع رسول الله ، ما لنا طعَام إلاّ ورَق الشّجَر حتى قرِحَت أشداقنا، فالتقطتُ بُردةً فشقَقتُها بيني وبين سعد بن أبي وقّاص، فاتَّزَرتُ بنِصفِها، واتَّزَر سعد بنِصفِها الآخر، فما أصبَحَ اليومَ منّا أحدٌ إلاّ أصبح أميرًا على مِصرٍ من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكونَ في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا ". أخرجه مسلم .



فالحديث والرواية الواردتان أعلاه فيهما تربية نبوية على الثناء على الله تعالى ومدحه وتعظيمه وتوقيره وتجريد الأعمال إليه وشكر نعمه والإلتجاء إليه .


والأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام هم أقوم الناس وأعدلهم في الثناء على الله بالقول والعمل .


ومدح الله تعالى والثناء عليه من أوجب الواجبات على المسلم ، لأن الله تعالى هو ربنا الذي أبدع وخلق وسخر . وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو أهل الثناء والمجد . وهو المولى تقدَّست أسماؤه . وقد قال الله تعالى: " يا أيها الناس أنتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد " ( فاطر : 15 ) . وقال سبحانه : " هل تعلم له سمياً " ( مريم: 65 ) .


وقد دلَّت النصوص على أن الثناء على الله مقدِّمة لتحقيق المطالب الدنيوية والأخروية بشرط تحقيق مضامينها . قال الله تعالى : " وتوكل على الحيِّ الذي لا يموت وسبِّح بحمده " ( الفرقان :58 ) .
وفي المرفوع :" اَلِظُّوا بيَا ذَا الجَلال والإِكرام " أخرجه الترمذي بإسناد صحيح .
والمعنى : الْزَمُوه واثْبُتُوا عليه وأكْثِرُوا من قوله والتَّلَفُّظِ به فيدُعائِكم.
وجاء أعرابي إلى رسول الله فقال: علِّمني كلامًاأقوله قال: " قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً،سبحان الله ربِّ العالمين ،لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم ،قال: فهؤلاء لربِّيفما لي قال:" قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدنى وارزقني."أخرجه مسلم.



وعند بلوغ سِّن الأربعين يتأكَّد للمسلم ملازمة الثناء على الله تعالى لأنها وقت الأشد ،ودخول مرحلة الكمال البدني والذهني وتحمل الشدائد الجسام .

ومن أساليب القرآن في استجلاب ثناء العبد لله تعالى : التذكير بالنِّعم الأرضية والسماوية ، ولفت الأبصار إلى حالة العدم التي كان عليها المخلوق ، وبيان ضعف الإنسان في الشِّدة ، وأن حوله لا يغني عنه شيئاً ، وترسيخ أدوات التنبيه القلبي : ألم تروا ، وإذ تأذَّن ربكم ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، إنَّ في ذلك لآية ، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً ،قل إن الله قادر ، تكرار أسماء الله وصفاته في الآيات والسور . وغير ذلك من وسائل الترسيخ الشرعي . وقد قال الله تعالى : "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ " ( النحل : 81 ) .



وهدي الرسول في صلاته ودعائه دليل على معرفته بربِّه وتلذُّذه بمناجاته ، ويلاحظ ذلك مثلاً في الدعاء المشهور : " اللهم لك الحمد أنت قيّم السماوات والأرض ومن فيهن . ولك الحمد لك ملك السماوات والأرض ومَن فيهن .ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومَن فيهن . ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض . ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنَّبِيُّون حق ومحمد حق والساعة حق .

اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكَمْت ، فاغفر لي ما قدَّمت وما أخّرت ، وما أسررت وما أعلنت ، أنت الْمُقَدِّم وأنت الْمُؤخِّر ، لا إله إلا أنت أو لا إله غيرك " متفق عليه .

وتأمل حال الأنبياء مع أقوامهم ووقائعهم مما يشحذ الهمم ويوقظها من سباتها للتعلُّق بالله تعالى وتحقيق عبوديته مع ملازمة ذكره وشكره . ولهذا ورد في المرفوع : " أن نبياً من الأنبياء ضربه قومه حتى أدموه وهو يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " أخرجه البخاري .



وفي قصة يونس وأيوب وموسى وغيرهم من الرسل عليهم الصلاة والسلام الدروس الكثيرة النافعة في التضرع والثناء على الله تعالى .

وقد علَّم الحبيب أصحابه مناجاة الله والثناء عليه ،فقد َكان الْحَسَنُ يَقُولُ في دروسه مع الناس : الْحَمْدُ لِلَّهِ اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ بِمَا خَلَقْتَنَا وَرَزَقْتَنَا وَهَدَيْتَنَا وَعَلَّمْتَنَا وَأَنْقَذْتَنَا وَفَرّجَتْ عَنَّا ، لَكَ الْحَمْدُ بِالإِسْلامِ وَالْقُرْآنِ، وَلَكَ الْحَمْدُ بِالأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْمُعَافَاةِ ، كَبَتَّ عَدُوَّنَا ، وَبَسَطْتَ رِزْقَنَا ، وَأَظْهَرْتَ أَمنَنَا ، وَجَمَعْتَ فُرْقَتَنَا ، وَأَحْسَنْتَ مُعَافَاتِنَا ، وَمِنْ كُلِّ وَاللهِ مَا سَأَلْنَاكَ رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ حَمْدًا كَثِيرًا ، لَكَ الْحَمْدُ بِكُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيْنَا فِي قَدِيمٍ أَوْ حَدِيثٍ ، أَوْ سِرٍّ أَوْ عَلانِيَةٍ ، أَوْ خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً ، أَوْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ أَوْ شَاهِدٍ أَوْ غَائِبٍ ، لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى ، وَلَكَ الْحَمْدُ إِذَا رَضِيتَ " .أخرجه البيهقي بإسناد صحيح .

ولهذا يُندب للمسلم كثرة التضرع ومناجاة الله مع ملازمة الفرائض والنوافل فهي السبيل إلى تحقيق الإيمان وتذوق لذة المناجاة .وقد تقرر عند الأصوليين أن المباح إذا كان وسيلة إلى تحصيل واجب فإنه يكون واجباً مُتعينِّاً ، لأنه مما يُستعان به على طاعة الله تعالى .


وتعليق الثناء على الله لكونه المنعِم لا يكفي لتحقيق الاستسلام والتجريد القلبي العملي ، لأن البعض يستدل بالحديث المروي : " أحبّوا الله من كلِّ قلوبكم لما يغذُوكم به من النِّعَم" . أخرجه الترمذي وفي إسناده مقال . لكن استصحاب العمل به صحيح لأنه بقاء على الأصل الذي دلَّ عليه الشرع ، وهو حجة عند الأصوليين لقول الله تعالى :" الحمد لله رب العالمين " ( الفاتحة: 2 ) .


وقد تعلَّق بهذا الأصل بعض أهل الزهد والتصوف ، فأسرفوا في التوسل بالأولياء والصالحين تعلُّقا بالله تعالى وتقربًا إليه ، جهلاً منهم أنه سبحانه لا يُقرع بابه إلا عن طريقهم وبابهم . فوقعوا في قوادح التوحيد عياذاً بالله تعالى . وبعضهم نظم على لسان الأولياء ما لم يقولوه ،كما يُنسب إلى الحسين ( ت: 61هـ ) قوله :
تركتُ الخلق طرا في هواكا
وأيتمتُ العِيال لكي أراكا
فلو قطَّعتني في الحب إربا
لمامال الفؤاد إلى سواكا .


وقد يقول قائل هل الثناء على الله لازم ؟
والجواب : أن هذا من تمام العبودية التي أذعنت لها كل الفِطر والمخلوقات ،ولم يشذَّ عنها أحد حتى المِلل المنحرفة . وعبودية الإنسان توجب عليه ملازمة الثناء على ربه ، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً كما هو مقرر عند الأصوليين .

وحمد الله تعالى يكون قبل دعائه لتحقيق كمال الخضوع لله والرجاء إليه ولحصول المطلوب وقضاء الأُمنيات .
وصفة الثناء على الله تعالى تكون بمعرفة أسمائه وصفاته على قدر الطاقة ، والتعبد بها بما يُقرِّب إلى الله من غير مخالفة لأصول التوحيد .

وقد يكون الثناء على الله بأسمائه وصفاته طريقًا إلى التوبة ومحاسبة النفس .
وللشاعر أحمد المعرِّي (ت: 449هـ ) عفى الله عنه قصيدة رائقة في مدح الله ومناجاته :
يا مَن يرى مَدَّ البعوض جناحها في ظُلمة الليل البَهيم الأليَلِ
ويرى مَناطَ عُرُوقِها في نحرها والمخَّ في تلك العظام النُحَّلِ
ويرى ويسمع كلَّ ما هو دون ذا في قَعْرِ بَحْرٍ زاخر أو جَنْدَل
ما إن يغادره فلايخفي له من خلقه مثقال حبة خردل
ألا ليعلمه ويعلم وَصْفه سبحانه منماجدٍ متفضِّل
امنن علىيَّ بنظرة أحيا بها كانت قديمًا في الزمان الأول .


وقد كان الإمام ابن تيمية ( ت: 728هـ ) تعالى يُنشِد :
والفقر لي وصف ذاتٍ لازمٌ أبداً
كما الغنى أبدا وصف له ذاتي
فمن بغى مطلبًا من دون خالقه
فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
والحمد لله مِلء الكون أجمعه
ما كان منه وما من بعده يأتي .
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم
وكلهم عنده عبدٌ له آتي .

وهناك قصائد عامية لشعراء نبطيين مليئة بمدح الله تعالى ومناجاته والتضرع إليه بإيمان وإخلاص ، كقصيدة الشاعر محسن بن عثمان الهزاني ( ت: 1210هـ ) تعالى :


يا مُجيب الدُّعـا يـا عظيـم الجـلال .... يا لطــيـــفٍ بـنــــا دائمــاً لــميـــزل
واحـدٌ مـاجــدٌ قـــابـضٌ بـاســـطٌ ... حــاكــمٌ عـــــادلٌ كـلمـا شـاء فَـعـل
وهي قصيدة جميلة وطويلة .


وما يشاهد من إفراد مجالس للثناء على الله تعالى في المساجد والموُالد لا أصل له شرعاً ، والعبادة على التوقيف كما لا يخفى .
ومن مُخلَّفات الصوفية الإستدلال بما تقدَّم لإستحلال البدع والعمل بموجبها . وقد تقرر عند الأصوليين أن الزيادة على الواجب إذا لم تكن من لوازمه فإنها لا تكون واجبة .


وثناء المخلوقات على الله تعالى حقيقي كما في قول الله تعالى : "ألم تر أن الله يُسبِّح له من في السماوات والأرض والطير "( النور: 41 ) .

ومن القواعد المهمة في مدح الله والثناء عليه ، أن الله تعالى إذا ذكر وصف نفسه بالقدرة لم يُقيِّد ذلك بالمشيئة فلا يجوز الثناء عليه بهذا القيد . كما في قول بعض الناس : " ‏إن الله على ما يشاء قدير‏ " ! .


ومن القواعد المهمة التفريق بين أفعال الله تعالى ومفعولاته : فالأولى فعل الله تعالى الذي هو كله خير، أما مفعولاته ومخلوقاته البائنة عنه ففيها الخير والشر. ويزيد الأمر وضوحًا أن النبي، ، أثنى على ربِّه بأن الخير بيده ونفى نسبة الشر إليه كما ، في حديث عليِّ أنه، ، كان يقول إذا قام إلى الصلاة‏:‏ ‏" ‏وجَّهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض‏" إلى أن قال‏:‏ ‏"‏لبيك وسعديك، والخير كله في يديك ، والشر ليس إليك‏" أخرجه مسلم .


ومن القواعد الحُكمية هنا الإنكار على من قال : الحمد لله الذي تجلَّى لخلقه بخلقه ، لأن فيها شبه بقول الفرق الإتحادية الحلولية . كما أنكروا العبارة الشهيرة للحمد عند الشافعية : الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافىء مزيده ! .


والثناء على الله تعالى بالتسبيح في دعاء القنوت خلف الإمام الأصل فيه الإباحة والجواز لحديث حذيفة كما في صحيح مسلم ، وزجر من يفعل ذلك إنكار في مسائل يسوغ فيها الإجتهاد .
ومن القواعد المهمة أن الثناء على الله في مواضع الاجتهاد لا حرج فيه إذا كان لا يُخالف أصلًا من أصول الكتاب والسنة ،ولم يُشرِّع عملاً محدثا ً، فالله تعالى جامع لكل خير .
فالله خير الناصرين، وهو خير الراحمين، وهو خير الفاتحين، وهو خير الغافرين،وهو خير الحاكمين، وهو خير الرازقين، وهو خير الوارثين،وهو خيرالفاصلين، وهو خير المنزلين . تقدَّست أسماؤه وجلَّ شأنه وجلاله . وقد تقرر عند الأصوليين أن الأحكام تتعلَّق بالمعاني لا بالأسامي .
والمقصود أن الثناء على الله تعالى ومدحه متعلِّق بتجريد التوحيد والإخلاص لله تعالى ظاهراً وباطناً ، ومن يخالف ذلك فهو راكبٌ لهواه متبِّعٌ لشيطانه .



والأحداث المعاصرة والقلاقل المتتابعة في هذا الوقت في العالم الإسلامي تُحتِّم على المسلم مراجعة النفس في حقوق الله ، وتفقد مواطن التقصير في جناب الله تعالى . فمن لم يعرف الله في الشدائد فلن يكون عارفًا له في الرخاء .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .


أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

(منقول )