كثيرا ماضاق صدري بتطاول المتطاولين، وتعصب المخالفين، وافتراءات الظالمين، وعبارات المستهزئين، فالأمر كما قال المتنبي:
جراحات السهام لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان
وكلما صدر الأمر مِن قريب، أو مَن انتحل في يوم صفة الحبيب؛ كلما كان وقع الأمر على النفس أشدُ. يقول المتنبي:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند
لكنني كلما استشفيت بهذه الآيات؛ وقعت بردا وسلاما على قلبي؛ وشعرت بأنها بلسم يداوي جراحاتي.
يقول ربنا الكريم الحليم:
"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" [الحجر: 92]
الله! ما أحلاها! وما أبهاها!
كم هي مريحة! "بما تؤمر" "مستهزئين"
كم هي مواسية! "كفيناك" "فسوف يعلمون" "ولقد نعلم"
كم هي محفزة! "اصدع" "أعرض" "سبح" "كن" "اعبد"
ومن وصايا هذه الآيات العملية لعلنا نكون من أهلها:
1. لا تجعل ما تتعرض له من استهزاء أو إيذاء حائلا بينك وبين المضي في طريق الحق. "حتى يأتيك اليقين"
2. النشاط والانشغال بالعمل والبناء من أعظم ما يصرف عن إيذاء المخالفين ويخفف منه "فاصدع" "وأعرض"
3. الدعوة للحق ليست تفضلا منك بل هي أمر الله لك "بما تؤمر"
4. كلما كنت أكثر إخلاصا ومتابعة للسنة كلما كنت أكثر ثباتا وأعلى همة وأحسن مآلا في الدنيا والآخرة "بما تؤمر"
5. لايكفي مجرد معرفة الحق والتزامه؛ بل لابد أن تصدع به وتدعو إليه على مراد الله وفي إطار ما شرعه.
6. مهمة الصدع بالحق لا تنتهي إلا بموتك؛ فكلما جاءك أمر وجب الصدع به تبعا للمصالح والمفاسد والقدرة والعجز "تؤمر" مضارع.
7. لا تضيع الكثير من الوقت مع المخالفين في الجدال والحجاج؛ وانشغل بالبناء والإصلاح، ودع إنجازاتك تجادل عنك (أعرض)
8. لقد وعدك الله بالكفاية في الدنيا والآخرة؛ فما بالك تتردد وتتلكأ وتتقاعس وتبالي بالمخالفين والمستهزئين. "إنا كفيناك"
قال ابن القيم: "فكل من سار على طريق رسول الله له نصيب من هذه الكفاية"
9. إياك أن تسلك مسلك المستهزئين وإن حسنت نيتك أو سلم مقصدك؛ فتلك الطريقة قد ذمها الله. "المستهزئين"
10. لا تتعجل النتائج وثق بربك مهما تسلط المخالفون والمستهزئون. "فسوف يعلمون"
11. لا تقلق ولا تبتأس فربك يعلم ما بك وهو أرحم بك من أمك؛ فأبشر بمواساته لك وتفريجه لهمك "ولقد نعلم"
12. تخير ألفاظك، وتفكر جيدا في كل عبارة تقولها، وقل التي هي أحسن، وبالتي هي أحسن؛ فبعض كلمات لا تلقي لها بالا قد تدخل الهم والحزن والضيق على أوسع الناس صدرا. "بما يقولون"
13. لا تتوقع أن تلين للمخالفين قناة، أو تفتر عزيمتهم عن إيذاءك، بل سيختلفوا في كل شيء إلا في إيذاءك والتعرض لك؛ فوطن نفسك على أن الحل لا يكمن في إخراسهم، بقدر ما يكمن في عدم مبالاتك بإيذاءهم "يقولون" مضارع وجمع.
14. لا تفتر عن الذكر ولا تغفل عنه لا سيما التسبيح والتحميد؛ فهو حصنك الذي تتحصن به من مخالفك؛ وهو وسيلتك لاستجلاب عون الله وتوفيقه وتأييده، وهو بلسم يطمئن قلبك ويسكن ألمك ويجلو حزنك ويذهب همك.
قال سبحانه وبحمده: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى [طه: 130]
وقال تعالى: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: 28]
وفي الحديث: "أن تجعل القرآن العظيم؛ ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي"
15. نزه ربك أن يتركك لحزنك، أو فريسة لمخالفك، أو أن يكون قد وَدَّعك أو قلاك، فله الحكمة البالغة؛ ولا يقضي لمؤمن قضاءً إلا كان خيرا له. "فسبح"
16. احمد ربك واشكره على أن هداك إلى الحق، وعلى أنه أحبك فاصطفاك فابتلاك. "بحمد"
17. إن ربك الذي يرعاك ويعتني بك ويقوم بشأنك وأنت تفرط في حقه؛ لا يتركك أبدا وأنت تصدع بما يأمرك؛ فأحسن الظن به، ونزهه واشكره "ربك"
18. الصلاة من أعظم ما يندفع به الهم؛ ويقي العبد الحزن والغم؛ إنها صلة القلب بالرب. "وكن من الساجدين"
"أرحنا بها يابلال" "كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة"
والسجود تحديدا من أعظم صور الافتقار، وأروع مظاهر الانكسار، وأقرب اللحظات من الواحد القهار؛ وفي حضرة الملك لا يبقى مكان لاهتمام أو اغتمام بمخلوق. "فاسجد واقترب" "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"
19. في الآية إشارة إلى أن مما يسلي المرء عما يتعرض له من إيذاء أن يتذكر أنه ليس وحده بل هو على طريق الحق الذي يسلكه كل العلماء والمصلحين؛ كما تشير إلى أن الرفقة الصالحة تكون عاملا مساعدا في تلطيف ما يتعرض له الإنسان الذي يلتزم الحق من إيذاء. "من الساجدين"
20. ليس المطلوب مجرد السجود مرة أو مرتين؛ بل المطلوب لزوم السجود والمداومة عليه؛ وحينها يكون السجود علاجا فوريا ناجعا ويكون قبلها وقاية. "الساجدين" اسم فاعل.
21. بدلا من أن تظل تشكو الهم والغم وضيق الصدر؛ وطن نفسك على أن تجعل الذكر والصلاة عقيب ضيق الصدر مباشرة؛ فالآية توصي بالمسارعة والفورية؛ لئلا يضيع منك وقت أو جهد في معاناة ضيق الصدر أو التلظي بنار الهم بسبب إيذاء المخالفين. "فسبح" الفاء للتعقيب والسرعة.
والعسر الواحد ينزل معه يسرين لكننا نؤخر اليسر بسوء تعاملنا مع العسر. "فإن مع العسر يسرا"
22. إن الاستقامة على العبادة إخلاصا ومتابعة والمداومة عليها من أسباب الوقاية من ضيق الصدر وعلاجاته "واعبد".
"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة"
23. طالما أن تربية الله لك وعنايته بك لا تنقطع طوال حياتك؛ فكذلك عبادتك له لا ينبغي أن تنقطع طوال حياتك "ربك"
24. وطن نفسك على أن اللحظة التي تنتهي علاقتك فيها بالعبادة هي تلك اللحظة التي لن تكون فيها على قيد الحياة "اليقين" والمراد به الموت.
25. تسبيحة وتحميدة في سجدة، صخرة تتحطم عليها كل الهموم والأحزان؛ فلا تهول الأمر.
ومع ذلك؛ لا ينبغي ألا نراعي ما يصيب البشر من ضيق صدر بالإيذاء والمخالفة والاستهزاء ونعتبره أمرا غير طبيعي؛ فننكر على من يجده؛ فقد راعى الله وقوعه، ولم يلم على وجوده، وإنما أرشد إلى طريقة دفعه والوقاية منه، ووجه إلى خطورة تهويله؛ لكن لم يدع إلى تهوينه أو اللوم على وجوده.

ليست المشكلة في وجود الإيذاء والهم وحجمه بقدر ماهي في تهويلنا له، وغفلتنا عما يندفع به؛ وتقصيرنا في التحصن بما يقينا منه.

إن الآيات تصف لنا بلسما قرآنيا رائعا؛ يتركب من:
(الاستقامة على مراد الله – الإعراض عن المخالفين – اليقين في معية الله وتوفيقه – الصبر وتلمح العاقبة – الذكر لاسيما التسبيح والحمد – الصلاة والسجود - مواصلة الاجتهاد)
فمتى ما مزجنا هذه المركبات معا وتداوينا بها دوما وقانا الله من ضيق الصدر، وعافانا الله منه سريعا إن وقع.
اللهم إنا نتوسل إليك أن تجعلنا من أهل هذه الآيات، وأن تجعلنا أسعد الناس بها.