حاكمية المصطلح القرآني على مفاهيم الواقع( مفهوم الفوز أنموذجاً)
في ظل الهجمة الشرسة على الإسلام، وفي ظل الأثمان الباهظة التي يدفعها المسلمون والتي شملت نقصاً في الأنفس، والأموال، والثمرات، وخوفاً، وتشرداً، وبعداً عن الأوطان، أصبح حديث الفوز والخسران حديث الساعة.
والفوز في اللغة من فوز وهو الظفر بالخير والنجاة من الشر، و سميت الصحراء المهلكة مفازة تطيراً كما يقال للديغ سليم، وباستقراء مصطلح( الفوز) في كتاب الله وبالنظر للدلالة التركيبية للمصطلح نجد أن القرآن لم يستخدم مصطلح الفوز إلا للتعبيرعن فوز الآخرة، ما عدا موضعاً واحداً حكاية عن المنافقين في تمنيهم أن يكونوا مع المؤمنين بعد تخلفهم عن النفير لبيان خطأ مفهومهم عن الفوز، يقول تعالى: (ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيما)(النساء، 73)
-جاء التعبير بالمصدر(الفوز، المفاز، المفازة) في جلّ المواطن التي جاءت فيها اشتقاقات المصطلح وما ذاك إلا لأن الاسم يفيد الثبوت وهذا ينسجم مع الفوز الأخروي الذي هو الخلود في النعيم يقول عبد القاهر الجرجاني: (إن موضع الاسم يثبت به المعنى من غير أن يقتضي تجدده شيئاً بعد شيء) وهذا المعنى مناسب للفوز الأخروي من جهتين: الجهة الأولى أن الظفر بالمطلوب والنجاة من المكروه يقع في الآخرة مرة واحدة وليس على دفعات في الآخرة وهو من الثبوت بمكان مما عرفناه بخبر السماء، والجهة الثانية: أن الاسم له دلالة على الحقيقة دون زمانها وهذا منسجم مع الآخرة، فالآخرة خارج الزمن، وينتهي عندها مفهوم الزمن فكل ما كان زمنياً يتغير أو ينقضي، والفوز الأخروي متحقق ثابت فيه معنى الاستمرار وهذه كلها معان لا يخدمها إلا التعبير بالمصدر.
-جاءت تراكيب الفوز في كتاب الله مشحونة بالمؤكدات مثل التأكيد بضمير الفصل(هو)، يقول تعالى:(ذلك هو الفوز العظيم)(التوبة، 72)، ومثله في( التوبة، 111) ومثله في(يونس، 64) وغيرها، واختلفت المؤكدات قوة بحسب سياق السورة وموضوعها وأكثر المواطن تأكيداً في قوله تعالى:( إن هذا لهو الفوز العظيم)(الصافات،60) فقد جاء في التركيب أربعة مؤكدات (الجملة الاسمية، إن، لام التوكيد، وضمير الفصل هو)وباستعراض السياق نجد أن هذه المؤكدات لها ما يسوغها فقد نقلت لنا الآيات العذاب والنعيم، وحوار أهل الجنة والنار وكأننا نرى الآخرة رأي العين فقال المفسرون إن هذه الآية من قول الله للناس في الآخرة والتأكيد ليس معنياً به المخالف المكذب فقط بل المؤمن تأكيداً له لأنه حين اختبر الجنة والفوز الأخروي تردد في نفسه الخوف من زواله(أفما نحن بميتين...)فجاء الجواب مطمئناً بكل هذه المؤكدات للمؤمن وللمكذب، وقيل إنه خطاب لأهل الدنيا لتأكيد الوقوع في الآخرة ولرفع المجاز والرمزية عنه وتشجيعاً أن يعمل العاملون لمثل هذا الفوز ويعضده لحاق الآيات(لمثل هذا فليعمل العاملون)، وقيل إن هذا الكلام يقوله أهل الجنة لأهل النار بكل هذه المؤكدات تبكيتاً وزيادة في عذابهم. والحق أن الحديث على فوز الآخرة يحتاج إلى مؤكدات لأن الإنسان يحب العاجلة ويستبعد ما حُجب عنه بحجب الغيب مما يجعل قلبه مع تعاظم البلاء في اضطراب لا يكاد يدفعه ببشريته فجاء كتاب الله ليقرر حقيقة أنه لا فوز إلا فوز الآخرة وكل خسران بعد خسران الآخرة جلل.
أسال الله لأهل الأخدود في زمننا فوزاً كبيراً يغمسون بعده في نعيم الآخرة غمسة فيُسألون هل رأيتم بؤساً قط فيقولون لا يارب.