الفوائد البازية من حادثة الطائرة الماليزية
قبل أيام قليلة شُغل العالم عربه وعجمه بالطائرة الماليزية التي أقلعت من كوالالمبور إلى إحدى مدن الصين ، وفي غمضة عين أضحت أثراً بعد عين .
وهناك خمس وعشرون دولة تقوم الآن بالبحث عن الطائرة المفقودة بدون جدوى ، مع أن الصين لوحدها استعانت بعشرة أقمار صناعية للبحث ! .
وعند تقييِّد هذه الفوائد تذكرتُ طائر الباز المعروف بِحدَّة البصر حين بحثه عن طعامه وفريسته فاستعرته ليكون عنوانًا لهذه الفرائد ، والطائرة والطائر يتحدَّان في الوسيلة ويختلفان في الغاية ، والله تعالى يقول : " كلُّ يجري لأجلٍ مسمى " ( فاطر: 13 ) .


والحوادث والوقائع بمرارتها وقساوتها على الطبيعة الآدمية في طياتها الكثير من الدروس والحكم والفوائد لمن تأملها .
ومن أعظم فوائد هذه الحادثة أن خلق الطائرة ضئيل بالمقارنة مع غيرها من المخلوقات كما قال سبحانه : " لخلق السمواتِ والأرض أكبرُ من خلقِ الناس " ( غافر: 57 ) . وقد تقرر عند الأصوليين أن تحقيق المناط هو تعليق الحكم على معنىً كلي ، فلا يجوز شرعا ً الاشتغال بالقياس الدنيوي وإهمال الأسباب القدرية لهذه الحادثة .

ومن تدبر الدقائق القرآنية يلحظ أن الله تعالى قصَّ علينا خبر ناقة صالح وعصا موسى وبقرة قومه وبئر يوسف – - وغيرها من الدقائق التي لا يتفطَّن لها سوى القليل من الناس لخفائها ، وربطها بالأسباب الشرعية، وقد قال سبحانه : " وإنكم لتمرُّون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون " ( الصافات : 138 ) .

وفي السنة النبوية حرص الرسول على تنبيه الأمة إلى الإفادة من الحوادث والوقائع الحاضرة والماضية والاستعداد للأمور الغيبية القريبة . فقد ثبت أن الرسول خطب من بعد صلاة الفجر إلى صلاة المغرب في أصحابه فأخبرهم بما كان وبما هو كائن ، وكان أعلمهم أحفظهم . أخرجه مسلم .
فهذا الحديث فيه دلالة نبوية على أهمية دراسة الوقائع والنوازل والأحداث والإفادة من مسائلها .

وبحسب تقارير الاتحاد الدولي للنقل الجوي، والمنظمة الدولية للطيران المدني فإن أسباب حوادث الطيران تختلف وفقاً لأسباب بشرية مثل تصرف خاطئ من قبل أحد أفراد طاقم الطائرة ، أو الفنيين الأرضيين، وأخطاء الرقابة الجوية، أو أسباب قدرية مثل سوء الأحوال الجوية المفاجئة .

أما الأسباب الفنية فتتمثل في حدوث خلل في أنظمة الصيانة، أعطال مفاجئة، وأسباب تصنيعية، ثم يأتي احتمال تعرض الطائرة لعمل عدواني كأحد أهم الأسباب المتخوَّف منها في ظل الأحداث السياسية المتوترة التي يشهدها العالم . وقد تقرر عند الأصوليين وجوب إلحاق النظير بنظيره .

من الفوائد الفقهية في هذه الحادثة أن التحليق في السماء مظنة السلامة والهلاك معاً ، وقد هلك فيه كثير من الملوك والرؤساء والعلماء والخبراء على اختلاف رتبهم .

وإذا كان الجمهور من الفقهاء لم يوحبوا الوصية لعينها ، لكن الواجب – في مثل هذه الحادثة – الإستعداد للخروج من الحقوق الواجبة للغير ويخاف الإنسان فواتها برحيله فجأة . وفي الرحلات الجوية يتعيَّن هذا الأمر لتحقق الخطر على المسلم ولإستبراء دينه وماله .
وقد تقرَّر عند الفقهاء أن البحر إذا كان هائجاً حال الركوب، أو غلب على ظنِّ أهل الخبرة هيجانه أثناء الإبحار، فإنه يحرم ركوبه لما فيه من التغرير بالنفس ، لقوله : "من بات فوق إجَّار أو فوق بيت ليس حوله شيء يردُّ رجله فقد برئت منه الذمة، ومن ركب البحر بعدما يرتج فقد برئت منه الذمة" رواه أحمد مرفوعاً وموقوفاً وكلاهما رجاله رجال الصحيح.
والإجَّار هو: السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط عنه.
وكذلك إذا كان المركب غير صالح لكون ذلك تغريراً بالنفس، وإلقاء بها إلى التهلكة، وقد قال الله تعالى: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" ( البقرة : 195) .

ومن الفوائد الفقهية في هذه الحادثة أن خطف الطائرات وترويع من فيها ضرب من ضروب الحِرابة ، وهو قطع لطريق الناس في السماء ووسيلة لإزهاق أنفس معصومة أو محترمة .
ومن الفوائد أيضا ً أن الضغوط النفسية مع قلة الإيمان وحسن الظن بالله تعالى سببٌ من أسباب الانتحار وإزهاق الروح ، وهو محرم بنصوص الوحيين .
ومن الفوائد أيضاً أن من مَلك أرضاً فإنه يملك أسفلها إلى منتهى الأرض ولكنه لا يملك أعلاها فوقه .
ومن الفوائد أيضاً أن نتائج التحقيق في هذه الحادثة الغامضة إن كان فيها ما يضر بالمسلمين والدولة المالكة للطائرة ، فيندب الاحتيال بالحكمة للتخلص من الأذى بدون تفويت حقِّ لأحد . والقاعدة الأصولية نصَّت على أنه لا فرق في حصول الإثم في التحيل على الفعل المحرم بين الفعل الموضوع له والفعل الموضوع لغيره إذا جُعل ذريعة له .
ومن الفوائد أيضاً أن هيئات الطيران مؤتمنة على أرواح الناس ويجب عليهم عزل أو حرمان قادة الطائرات من السفر إذا ثبت ما يُخل بصحتهم أو شرف مهنتهم . وقد قال الحافظ ابن حجر ( ت: 852هـ ) تعالى : " يجوز عزل الإمام بعض عماله إذا شُكي إليه وإن لم يثبت عليه شي إذا اقتضت ذلك المصلحة " .
ومن الفوائد أيضاً أن سِّرب الطيور في السماء – مع ضعفها وضآلتها- قد تكون سبباً في تلف الطائرات وإعطابها .
ومن الفوائد أيضاً جواز الدعاء على من يُخشى في بقائه فتنة ، وقد يكون هذا من أسباب هذه الحادثة .

ومن الفوائد أيضاً أن الموت الجماعي في الحوادث العامة قد يكون لحكمة لا تتبيَّن للناس لقصر عقولهم عن إدراكها ، فالله تعالى كل شي عنده بمقدار.
ومن الفوائد أيضا ً أن شهود المنكر من غير حاجة ولا إكراه منهيُّ عنه كما قال الإمام ابن تيمية ( ت: 728هـ ) تعالى، وكون الطائرة تُمارس فيها بعض المنكرات فإن ذلك لا يُحَرِّم ركوبها لغرض مباح، وإنما يلزم المرء نحو من يمارس المنكرات في الطائرة إنكار ذلك المنكر بما يناسبه .

ومن الفوائد أيضاً أن ديون ضحايا الطائرة المفقودة تتحول من ذِّممهم إلى ذمم أوليائهم وعلى الدائنين إثبات ديونهم على مديونيهم .
ومن الفوائد مشروعية الصلاة على ضحايا الطائرة المسلمين إذا تحققت وفاتهم من الجهات الرسمية .
ومن الفوائد أن زوجات المسلمين اللواتي فُقد أزواجهن تجب عليهن عِدة الوفاة حين إبلاغهن بذلك من المحاكم في بلدهن على حسب المذهب المعمولِ به عندهم .
ومن الفوائد أيضاً أن ضمان أرواح الركاب يسقط شرعاً إذا كان تلف الطائرة بسبب الجوائح كسوء الأحوال الجوية ، وبسببٍ أرضي ليس من جهة الشركة المشغِّلة للطائرة ، أو بسبب أحد ركاب الطائرة ، وما عداه فيلزم التعويض لأهالي الضحايا على حسب تقدير الدِّيات في البلد المنكوب .
ومن الفوائد أيضاً أن التأمين على الطائرات – وهو من صور التأمين التجاري – لا يجوز شرعاً ، لأنه عقد معاوضة يؤدِّي إلى الغرر والربا .

ومن الفوائد أن حُطام الطائرة إن وقف عليه أحدٌ من الناس ، فالأرجح التقاطه لأهميته في حلِّ لغز هذه الحادثة .
ومن الفوائد من هذه الحادثة الخطيرة أن الله تعالى أراد أن تسقط هذه الطائرة في المحيط الهندي وهو من آيات الله في عظمته وخلقه ، فموجه كالجبال المروِّعة ، ولا يعلم مداه إلا الله سبحانه ، وصدق عمرو بن العاص( ت: 43هـ ) : " الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود ، والناس فيه دودٌ على عود " ! . وقد تقرر عند الأصوليين أنه يمتنع أن يكون شيٌ من الأعمال خارجاً عن قدرة الله ومشيئته .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بمعاهد القوات البرية

(منقول )