جَرحٌ وتعديل (1/ 2)


الجَرحُ كلمة قصيرة الأحرف، عميقة الأثر!
هذا المصطلح "الجرح والتعديل" تداوله أئمةُ النقد في القرون الأولى لتمحيص السنة، وبيان أحوال الرواة؛ ذبّاً عن سنة النبي أن يُنسب لها ما ليس منها، فكان هذا العملُ من أجلّ مناقب المحدّثين الذين بذلوا الغالي والنفيس، ورحلوا آلاف الأميال في سبيل ذلك، وصار هذا الجهد ـ الذي تمثّل في مئات المصنّفات في "الجرح والتعديل" ـ من أشرف مآثرهم على الأمة، فلولا ما وفقهم الله له؛ لأدخل الزنادقة والملاحدة في دين الله ما أدخلوا.
وفي تلك الأثناء وبعدها امتهن أُناسٌ هذه المهمّة، لكن في مسار منحرف عن ذلك القصد الشريف، والهدف الجليل! فصاروا يلوكون أعراضَ من يختلفون معهم، ويثلبون محاسنهم، بحجج متنوعة، منها "الجرح والتعديل"، والتحذير، وقد يكون بعضهم صادق النيّة، لكنه أخطأ المسار والطريقة، وبعضهم أخطأ الأمرين ـ النية والطريقة ـ فحصل بغي وعدوان، وربما استعداء للسلطان، متذرعين بألوان من الشُبَه.
وكأن الإمام مالك بن أنس ـ ـ عنى هذا النوع من الناس حين قال: "أدركتُ بهذه البلدة ـ يعني المدينة ـ أقواماً لم تكن لهم عيوب، فعابوا الناس فصارت لهم عيوب، وأدركتُ بها أقواماً كانت لهم عيوبٌ، فسكتوا عن عيوب الناس فنُسيت عيوبهم([1]).
إن مبدأ النصيحة ـ بأي اسم ظهر ـ أصلٌ لا يمكن إنكارُه، بل هو ضروري لتقويم الأخطاء، لكن من المتعيّن أن يراعى فيه أمورٌ:
الأول: الإخلاص لله في هذه النصيحة، ومِن لازم ذلك: التجرد من الهوى، وهو أمرٌ دقيق، يجب على الناصح تفقّده، فما أكثر تلوّنه على الإنسان؛ذلك أن النية الصالحة ليستْ نبتةً ذات طوْرٍ واحد غير قابل للتحول، بل هي نبتةٌ كثيرة التشكل، سريعة التلون ما لم يرْعها الإنسان، فربما ابتدأ الإنسان بنية صالحة، ثم لا يلبث أن يجد نفسَه أسيراً لهواه، منتصراً لنفسه! ولا يبقى ولا يُؤَثّرُ إلا ما كان لله.
تأمل في هذه القصة، التي حكاها الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري:
"ذات مرة استفتاني والدي وهو على فراش الموت فأفتيته، فقال:يا بني! من غير احتقار لك، لا أقتنع إلا بفتوى من الشيخ ابن باز؛ فأتيت سماحته، فأفتاني وكان قد حُمل إليه عددٌ من مجلة الثقافة والفنون التي كتبت فيها خمساً وأربعين صفحة مما لا تَسر الكتابة عنها ولا تشرّف، فصار الشيخ ينهرني، ويردد: ما أعظم مصيبتك عند الله! ثم صار يبرم أطراف غترته، وقد اغرورقت عيناه من الدموع، ويدعو لي, فزالت الموجدة من نفسي، وتمزق قلبي حزناً لصدق هذا الإنسان في موعظته وحرصه على هداية الناس. ولو جادلني لكابرت في المجادلة، وقد فتح الله قلبي لحسن نيته، ومنذ تلك اللحظة بشهور تقلص حب الغناء والطرب من وجداني، وتولدت عندي كراهية للغناء، كراهية ما كنت أتصور حدوثها قط! فسبحان مقلب القلوب! انتهى. فتأمل في قوله: "وقد فتح الله قلبي لحسن نيته".
الثاني: أن تكون برفق ولين، فهذا أدعى لقبولها والعمل بها، والتماس الحكمة، والأسلوب الأنفع في تحقيق الغرض، فإنما رغبة الناصح أن يُطاع اللهُ تعالى، لا أن يُطاع هو.
قال يحيى ابن معين: "أخطأ عفانُ في نَيفٍ وعشرين حديثاً، ما أعلمتُ بها أحداً، وأعلمته فيما بيني وبينه، ولقد طلب إليّ خلف بن سالم، فقال: قل لي: أي شيء هي؟ فما قلت له، وما رأيت على أحد خطأ إلا سترته، وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلاً في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه"([2]).
الثالث: أن تكون في منكر أو غلط عليه بيّنة ودليل واضح، وخاصةً إذا كان المنصوح من أهل العلم، فيبيّن له الدليل، فإن كان اختار قولاً يسوغ فيه الاجتهاد؛ فلا بأس من مراسلته، لكن البأس كلّه في "جرحه" لكونه لم يقبل بقول الناصح، والمسألة محل اجتهاد.
الرابع: سلوك طريق العدل والإنصاف، ووزن الناس بمجموع أعمالهم لا بمفرداتها، وبسياق الكلام لا ببتره عن سياقه، "فالكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدُهما أعظمَ الباطل، ويريد بها الآخر محضَ الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه ويناظر عليه"ا.هـ([3]).
الخامس: مراعاة ذلك المعنى العظيم الذي قرّره هارون وهو يسمع ويرى إغلاظَ أخيه موسى عليه في قضية من أكبر القضايا ـ وهي التوحيد ونبذ الشرك ـ: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِيْن﴾[الأعراف: 150]، فما دونها من القضايا أولى بمراعاة هذا الأصل، وهو الاجتماع، وإغلاق منافذ شماتة الأعداء المتربصين بالأمة، ولله ما أبهى وأجمل قول ابن مسعود: "وإن ما يكرهون في الجماعة خير مما يحبون في الفرقة"([4]).
وما أحسن أن يضع الناصحُ نفسَه في مقام المنصوح! كيف يُحِبُّ أن يخاطَب؟ فإن هذا من دواعي اختيار ما يحقق المصلحة ويحفظ الحقّ.
قد يتذرع بعضُ الناس بشدة وقسوة بعض العلماء في ردودهم ومناظراتهم، والجواب عن هذا بأمور:
الأول: أن القدوة المطلقة في هذا هو نبينا ، الذي قال الله له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[آل عمران: 159]، ففيها إرشاد لطلاب هديه، ومتبعي سنته، فمَن الناسُ بعد رسول الله وصحابته؟
الثاني: أن مقام الردود والمناظرات قد يَعتريه ما يعتريه بسبب طبيعة المقام وهو الردُ، وقصدُ إفحام الخصم، ويبقى الأصل المشار إليه آنفاً هو المحكم، ولا يُنتقَلُ عنه إلا لسبب معتبر.
الثالث: أن العالم مهما بلغ من المنزلة يبقى بشراً تعتريه حدة، ويتغشاه غضبٌ يدفعه لأسلوبٍ ما، ولو كان أحدٌ ينفك عن بشريته في مقام الدعوة والبلاغ لانفكّ كليم الرحمن موسى عليه الصلاة والسلام، الذي تصرف في حال غضبه تصرفات لم يؤاخَذ عليها، كإلقاء الألواح، وقتل القبطي، ونحوها، لكنها بلا ريب ليست محل تأسٍ إلا من هذه الجهة وأمثالها، بأن يعتبر بها منهج الحذر من الغضب، ولا يقتدى بها.
وللحديث صلة إن شاء الله.




([1]) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (1/ 106).

([2]) تاريخ بغداد (14/ 184).

([3]) مدارج السالكين (3/ 481).

([4])الإبانة الكبرى لابن بطة (1/ 297).



* المقال على الموقع: http://almuqbil.com/play-4448.html