إن هذه الأجيال الأولى -وخاصة الجيل الأول الفريد- قد لا تتكرر مرة أخرى في واقع الأرض. ولكنها تبقى مع ذلك رصيدا واقعيا لهذه الأمة في جميع أجيالها، يحفزها على محاولة العودة إلى التطبيق المثالي للإسلام. وهذه المحاولة ذاتها عمل إيجابي مثمر، ولو لم يصل إلى كل النتيجة المطلوبة.
تصور إنسانا عند سفح الجبل، يعلم يقينا أن هناك من صعد هذا الجبل إلى قمته، فهو يحاول أن يصعد مثله، وقد يصل إلى منتصفه وقد يصل إلى ربعه، وقد يفلس جهده بعد أن يرقى بضع درجات..
وتصور إنسانا آخر واقفا عند السفح يتطلع إلى القمة وهو يقول في نفسه: إن هذا مستحيل! مستحيل أن يفكر إنسان في صعود هذا الجبل الشاهق، فلنكف عن التطلع، ولنرض بالبقاء في السفح!
أيهما انفع للبشرية؟ وأيهما أفضل في ذات نفسه؟
إنه دور ضخم في عالم الواقع..
ولهذا نحتفي حفاوة بالغة بذلك الجيل الفريد، وبتلك القرون المفضلة، لأنها المدد الحي الذي يدفع الأجيال كلها إلى محاولة الصعود، بدلا من أن تنتكس إلى الأسفل، وتخلد إلى الأرض عند السفح!

محمد قطب , كيف نكتب التاريخ الإسلامي