كان ذلك قبل ثلاثةٍ وعشرين عاماً !كنتُ يومَها قد أنهيتُ المرحلة المتوسطة .. وتهيأتُ لدخول المرحلة الثانوية .. وما بين المرحلتين كنتُ أنعمُ بالاستفادةِ من برامج المركز الصيفيّ، وأخرجُ صلاةَ المغربِ والعشاءِ للإمامةِ في مسجدٍ قريب.رجعتُ تلك الليلة ووجدتُ القوم يصلون العشاءَ في فناء المدرسة .. وجذبَ سمعي صوتٌ عذبٌ فريدٌ متألقٌ يؤمُّ الناس! لم أكن أظنّ أنَّ في (المركز) صوتاً بهذا الألقِ، وهذه الروحانية، وهذا السموّ، أطرقتُ أُنصِتُ، ومازلتُ أذكرُ الآياتِ من سورة الشعراء : (فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون). وحين فرغَ الناسُ لم يكن لي من همٍّ سوى تبيُّنِ هذا الإمامِ الفذِّ الذي هو بين ظهرانينا ولا أعرفه! ألقيتُ نظرةً فإذا هو شابٌّ في مثلِ سنِّي عرفتُهُ منذ أشهرٍ، ولكنني ماكنتُ أعرفُ أنّ له هذه التلاوة الساحرة.
أظنني قبلتُ يومَها رأسه! واقتربتُ منه أكثر! ثم كتبتُ ليلتَها :

هناك التقينا ونعم الرفيقْ
فتياً أبيّاً ذكيَّ البريقْ
حبيباً أليفاً كلحنٍ رقيقْ
بأعماقِهِ ثورةٌ تستعرْ
وقالوا رأيناه يتلو السطورْ
بصوتٍ شجيٍّ كلحن الطيورْ
يهزّ به النفس يُذكي الشعورْ
ويُبكي فؤاداً غدا كالحجر

ْومرتِ الأيام حتى أصبح ( شيخٌ ) و (عادل) وكأنّهما المعنيانِ بقول الأعشى : رضيعَيْ لبانِ ثدْيِ أمٍّ تقاسَمَا ... بأسحمَ داجٍ عَوْضُ لا نتفرَّق

ُفي نهايةِ صيفِ العام ذاتِهِ .. ذهبنا معاً إلى (الرحلةِ الختاميةِ) إلى أبها ..كان ذلك شيئاً معتاداً .. ولكنّ غير المعتادِ .. أن يذهبَ إلى هذه الرحلةِ شابٌّ فتيٌّ قد بقي له ليختمَ القرآن غيباً ثلاثة أجزاءٍ، ثم لاتنقضي الرحلةُ إلا وقد أتمَّ حفظَه، وأكمل مابقي له!! أي أنه حفظَ في هذا الأسبوع وحده قرابةَ ثلاثةِ أجزاءٍ، مع مشاركتِهِ التامةِ في برامج الرحلةِ التي تستهلكُ معظمَ اليوم صباحاً ومساءً!!كانت لحظةُ الختمِ لحظةً فارقةً بالنسبة لي!!شعرتُ وقتها بمقدار البونِ بيني وبينه، أنا الذي يعدُّني الناسُ صديقَه وقرينه، أدركتُ بعمقٍ معنى قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)؟وفهمتُ تماماً معنى أن يكون الرجلُ متعلقاً بكتابِ الله!كان (شيخٌ) بالنسبة ( الوقودَ الحيَّ ) الذي يدفعني نحو كتابِ الله كلما كسلتُ وفرطتُ، كنتُ أرى فيه نموذجاً عجيباً من حبِّ القرآن، وتلاوتِهِ، والتأثر به، كنتُ أرى فيه الصورة التي تمنيتُها لنفسي .. ولكن !على مدار ثلاثِ سنواتٍ صحبتُهُ في الثانوية لم يكن (شيخٌ) يخرجُ آخرَ الدوامِ إلا وقد (راجع) عن ظهر قلبٍ جزأين على الأقل، ثم يتمُّ الثالث بقيةَ اليوم!! ويختم كل عشرة أيامٍ ختمةً من حفظه!في الدقائق الخمس مابين الحصص .. في (الفسحة) .. أثناء انتظار السيارة في (الصرفة) .. في حصص الاحتياط .. كان (أبو عبدالرحمن) لا يفتر عن التلاوةِ.مع الوقتِ أصبحَ (شيخٌ) مصحفنا الحيّ! كان أحدنا إذا شرعَ يقرأ فنسي أو أخطأ أو أرتج عليه يلتفت إلى أبي عبدالرحمن فيفتحُ عليه!وكان أحدُنا إذا أراد التسميع أتى إليه فيقرأ من حيث شاء وأبو عبدالرحمن يتابعه بلا مصحف! وحين ننشطُ لقيامِ ليلٍ يتقدّم أبو عبدالرحمن فيتلو السور الطوال دون سابق إعدادٍ أو تحضير!ومازلتُ أذكرُ ليلةً رمضانية كريمة كنا فيها معاً .. أنا وهو ومجموعةٌ من أصدقاء المدرسة .. في بيتٍ مجاورٍ للمسجد الذي يصلي فيه إماماً .. أخذنا الوقت فلم ننتبه إلا وقد دنا وقتُ التهجُد .. فزع أبو عبدالرحمن وقال: ويحكم! ماراجعتُ .. وأمسك المصحفَ وهو في طريقه إلى المسجدِ يقلب الصفحاتِ تقليباً .. ثم قصد المحراب وصلى بنا فقرأ الحجر والنحل والإسراءَ قراءة أشهدُ أنّها تُذيبُ القلبَ، وتسمو بالروح، وما أخطأ والله في حرفٍ!بعد ألقِ تلك الليلة أدركني غضبٌ من بقاءِ هذا الصوتِ الإيمانيِّ محصوراً بين جدران مسجد صغيرٍ، خطفتُ شريطاً سُجِّلتْ فيه الصلاةُ تسجيلاً خاصاً، وطرتُ به بعد أيامٍ إلى خالي وشيخي د.علي بادحدح .. قلت: اسمع هذا الوهج ! فلما كان العامُ القادمُ صلى الشاطريُّ في مسجدِ ( سعيد بن جبير ) مع د.علي بادحدح .. وخرج أول شريط عرفه العالم للشاطريّ : ( المؤمنون والنور )! وسار مسير الشمس.حدثني الإعلاميُّ العراقيّ عامر الكبيسي حين لقيته في قطر بأنَّ هذا الشريط كان يدوِّي في مساجد العراق إبّان القصف الأمريكي .. وقال لي: سلم على (شيخ) وقل له: كنتَ معنا في أحلك أوقاتنا!أدمنتُ الصلاة خلف (شيخ) ..لا أدري ! أشعر حين يقرأ أنه ينتزعني من دنياي ! يحملني إلى عالمٍ آخر ! إلى أفقٍ سماويٍّ يحلقُ فيه باقتدارٍ ! تلاوته الخاشعة .. دمعتُهُ الحاضرة .. انصهارُهُ بالآيات التي يقرؤها .. دعاؤُهُ المتلجلج ببكائه .. كل ذلك كان يحملني بعيداً .. إلى حيث تغدو الدنيا وما فيها هباءً أو كالهباءِ.بصدقٍ ..أشعرُ كلما لقيتُ هذا الرجل أنّ الله قد اصطفاه لكتابه وبكتابِهِ .أشعرُ أنّه – وإن كنا قرينين سناً وتربية – قد سبقني بالقرآن سبقاً بعيداً .. عاشَ معه في أقداسِهِ وبقيتُ أنا في أرجاسِ الغفلة والله المستعان.صليتُ وراءه ليلة فقرأ : ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحقّ إذ قرّبا قرباناً فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر)! .. شعرتُ بطعنةٍ في قلبي! بكيتُ وأنا أقسى الناس قلباً ! لأنني ببساطة تصورتُ أنه الذي تُقبِّلَ منه وأنا الذي ... !! اعتدتُ طوال سنواتٍ – قبل ارتباطي بمفاهيم – أن أصلي وراءه معظم ليالي رمضان، تنقلتُ معه عبر المساجد : من الراجحي، إلى سعيد بن جبير، إلى عبداللطيف جميل، إلى التقوى، إلى الفرقان .. وكنتُ في معظم الأيام أعظُ بعد الصلاة موعظةً قصيرةً أحسبُ أنه لولا تلاوتُهُ لما جرتْ معانيها على لساني.أدركُ جيداً أن مسألة (الأصوات) مسألةٌ ذوقيّةٌ يتفاوتُ فيها الناس ولا حرج ألبتة!ولكنني أومن أن أبا عبد الرحمن لم يؤتَ صوتاً فحسب !بل أوتي قلباً .. وروحاً .. وأوتي – وهذا قليل – تعلقاً فريداً بالقرآن! وما بالك برجل أمضى سنيه يختمُ كل عشرة أيام ختمة! فإذا كان رمضانُ زادَ وزادَ!!وما بالك برجل يصلي بالناس التراويح ثلاثاً وعشرين سنةً متتابعةً لم يخرم منها ليلة!! ومابالك برجلٍ وُفق مرةً لأن يختم ختمتين في يومٍ واحد عن ظهر قلب!!ومابالك برجل دمعتُهُ أسرعُ إليه حين التلاوةِ من نفَسِهِ !!كذلك أحسبه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً .
لا أدري لماذا أكتب هذا الآن بعد أكثر من عشرين سنةً من الصمت !!ولكنّ استماعي قبل قليل لتلاوةٍ (شاطريّة) في (قطر) فجّر فيّ سيل الذكريات .. فقلتُ ماكان ينبغي أن أقول منذُ زمنٍ بعيدٍ.. ومازلتُ أطوي النفس على كثيرٍ لم أقله بعد!
ليهنكَ القرآنُ أبا عبدالرحمنِ ..وقد علمتُ أنّه لا يغرُّك إن شاء الله مدحي ولا مدحُ غيري .. وما قصدتُ المدحَ أصلاً، ولكنها كلماتُ وفاءٍ تأخرتْ عشرين عاماً !! لرجلٍ كان من أكثر الرجال تأثيراً في حياتي.

محبك وتلميذك عادل باناعمة


[تمت المشاركة باستخدام تطبيق ملتقى أهل التفسير]