معشر المؤمنين : أساسٌ أخلاقيٍّ عظيم ، ذكرَهُ اللهُ في القرآن الكريم ، وجعلهُ فضيلةً من فضائلِ الرجولة في الأزواج ، وبرهانًا صادِقًا يتميّزُ بهِ الرّجَالُ في الرُّتبَةِ على النّساء ،من وجدَ هذا الأساسَ الأخلاقيَّ في نفسِه ؛ فليحمد الله على التوفيق ، وليعلَم أنَّهُ برهَنَ بالتحقيقِ على خصلةِ من أشرف خصال الرّجولةِ في نفسِه ، وما عليهِ إلاَّ أن يجتهد في استكمال بقيّة خصالِها في الحياة . . !
أعرِفُ - معشر المؤمنين - أنَّ من النّاسِ من انصرفَ ذهنُهُ إلى النفقَة ، ومنهم من انصرفَ ذهنهُ إلى القُوَّة ، ومنهم من انصرفَ ذهنُهُ إلى القَوامَةِ والتدبير ، ومنهم من انصرفَ ذهنهُ إلى الهيبَة، وما شابَهَ ذلكَ من الصّفات . . ! اليومَ بإذنِ اللهِ تكتشفونَ صفةً عزيزَةً جدًّا ، جعلها الله تعالى ميزَانًا دقيقًا تمتحنُ به الرّجولَةُ في حياة الأزواج : قال الله تعالى :)وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيم([ البقرة : من الآية 228 ] . تُرَى - معشر المؤمنين- ما الذي تعنيه هذه الآيةُ ، وما الذي سيتغيّرُ في الأسرة حينما تكونُ هذه الآيةُ دستورًا تقومُ الأسرةُ عليه ؟، وما هي الدّرجةُ المذكورة في هذه الآيةِ ؟ ، وهل فهمَ منها النّاسُ اليومَ ما فهمَ منها أصحابُ محمّدٍ r ؟!
اسمعوا جيّدًا - يا معشَرَ الأزواج - :
يُعلّمُ اللهُ تعالى الأزواجَ في هذه الآيةِ الكريمة أنَّ للزوجاتِ من الحقوقِ مثلُ ما عليهِنَّ من الواجبات ،وأنَّ في مقابِلِ كُلِّ حقٍّ للزوجِ واجبًا يقابِلُهُ يجبُ عليه أن يكونَ قائِمًا به في حقّها ، فمن همَّ بمطالبةِ زوجتِهِ بحقٍّ معيَّنٍ من الحقوق ؛ تذكَّرَ أنَّهُ يجبُ عليهِ - بموجِبِ هذه الآيةِ - أن يكونَ قائمًا في المقابِلِ بحقّها الذي أوجبهُ اللهُ عليه ، وإلاّ كان قائمًا بالظّلمِ والعدوان : فالاحترام حقٌّ للزوجِ على زوجته ، وهو بموجِبِ هذه الآيةِ حقٌّ لها أيضًا يقابلُ الواجبَ عليها . الطاعةُ حقٌّ للزوجِ على زوجته ، و بموجِبِ هذه الآيةِ يجبُ عليهِ في المقابِلِ أن لا يأمُرَها إلاَّ بالمعروفِ المستطاع . لينُ القولِ وخفضُ الجناح حقٌّ من حقوق الزوجِ ، و يجبُ على الزّوجِ بموجبِ هذه الآيةِ أن يُلينَ القولَ حتّى يجدَ لينَ القولِ وخفضَ الجناح . كفُّ الأذَى حقٌّ من حقوق الزوج على زوجته ؛ وهو بموجب هذه الآيةِ واجبٌ على الزوجِ في حقّ زوجته ، إذا طالبها به وجبَ عليه أن يكونَ كافًّا للأذى عنها وإلاَّ كانَ معتدِيًا ظالمًا . وهكذا - معشر المؤمنين- ما من حقٍّ للزوجِ إلاَّ ويسبِقُهُ ويصاحبُهُ قيامٌ بواجب ، فقولوا لي برَبّكم : هل يمكنُ مع هذا أن يختلفَ زوجانِ ، أو يتخاصما ، أو يظلمَ أحدُهما الآخر ؟! . فهمَ الصحابةُ هذا الأساسَ القرآنيَّ العظيم ؛ فاستقامَت لهم حياتُهُم الزوجيّة ، وعاشوا السعادَةَ بأتمّ معنى الكلمة : روى الإمامُ الطبريُّ عن ابن عباسٍ قال : " إنّي لأتزيّنُ لامرأتي كما أحبُّ أن تتزيّنَ لي ، ذلكَ أنَّ اللهَ تعالى يقول : )وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف( " [ جامع البيان للطبري ج ( 4 ) ص ( 120 ) ] .
فهذا ابن عباسٍ يطبّقُ هذه القاعدَةَ القرآنيّةَ في قضيّةٍ لا تخطُرُ للأزواجِ على بال ، وهي التزيّن للزوجة ، فكيفَ بتطبيق هذه القاعدة في عِفّةِ الفرج واللسانِ واليَد والعِشرة وكفّ الأذى والظلم ؟!
معشر المؤمنين : القرآنُ الكريمُ لا تنقضي عجائبُه ، ولسنا ندري واللهِ أنعجبُ من بدايةِ الآيةِ أم من نهايتِها ؟! ، أعنِي قولَهُ تعالى :) وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ( ، واسأل من شِئتَ من الأزواجِ عن هذه الآية سيقولُ لكَ : [ نعم ، بالطّبع ! ، هذا تشريفٌ للرّجال ، فلنا على النّساءِ درجةٌ ومنزلةٌ زائدة ، والمرأةُ دون الرّجُل ، وقد فُضّلَ الرّجال على النّساء بأمور كثيرة لا حصر لها..! ] تسمعُ هذا الكلام الذي يوحي بأنّّ هذه الدّرجةَ ثابتةٌ لكلّ ذكَر ، ولكلّ زوج ، يفتخرُ بها على جنسِ الأنثى ويتعالى ، ثمَّ حينَ تبحثُ عن سببِ الخطَإِ في فهمِ الآيةِ تجدُهُ ظنُّ كثيرٍ من الأزواجِ أنَّ الآيةَ تتحدّثُ عن تفضيلِ الجنسِ العامّ للرّجال على الِجنسِ العامّ للنّساءِ في أمورٍ كثيرَة: كالتفضيل في الميراث ، والجهاد ، وكونِ الأنبياء من الرّجال ، والولايَة ، وفرض صلاة الجمعة وما شابه ذلكَ من الاختلاف بين الرجال والنساء . . والآيةُ لا تتحدَّثُ عن ذلكَ ، ولا السّياقُ يريدُ ذلكَ المعنى . نكتشفُ ذلكَ في الخطبة الثانية بإذنِ الله ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العليّ العظيمَ لي ولكم من كل ذنب إنه غفورٌ رحيم .
الخطبة الثانية :
أيها الإخوةُ في الله : حينَ يتعلّمُ الأزواجُ تفسيرَ كتاب الله تتغيّرُ حياتُهم ، لأنَّ القرآن الكريمَ كتابُ هدايةٍ أصلحَ اللهُ به الحياةَ في جميع جوانبِها : فهل تعلمُ أخي الزّوجُ أنَّ الدّرجةَ التي جعلها اللهُ للرّجالِ على النِساءِ في هذه الآيةِ هي درجةُ الصبرِ والتحمُّل والتنازُل عن بعض الحقوق ! . سوفَ ننقلُ التفسيرَ عن حبرِ الأمّةِ ابن عباس ، وعن شيخِ المفسّرين ابن جريرٍ الطبري ؛ ولكن قبلَ ذلك :
ماذا تُحِسُّ الآنَ وأنت تسمعُ هذه الكلمةَ الثقيلَةَ في ميزان الرّجولة ؟ ماذا تُحسُّ وأنتَ تلامِسُ معنى القوّةِ الحقيقيّة التي ميّزكَ اللهُ بها على المرأة ؟ بماذا تشعُر وأنت تتعلّمُ بأنَّ الدّرجةَ الحقيقيّة التي ميّزكَ اللهُ بها على زوجتكَ تكليفٌ وليست تشريف ؟! هل تعلمُ أنَّهُ بموجبِ هذا التكليفِ قد تجدُ زوجًا يفوقُ زوجته درجة إن قدَّمَ الثَّمَن ، وتجدُ أزواجًا دونَ زوجاتِهم درجات لأنَّهُم لا يقدّمونَ ثمنَ ما يتميّزُ به الرّجُلُ الحقيقيُّ على المرأة ! هل يمكنُ مع هذا أن يفتخرَ زوجٌ على زوجته بأنََّ له عليها درجة إلاَّ إن كان حقًّا نالَ تلكَ الدرجةِ بصبرِهِ عليها ، وصفحِهِ عنها ، وتحمُّلِهِ لما يكونُ منها من اعوجاج ، وتنازُلُهِ عن كثيرٍ من الأمور في سبيل العِشرَة الزوجيّةِ ، وذلك ما يفتخرُ به الأزواجُ الرّجالُ الحقيقيّونَ وما أقلَّهم في هذا الزّمان ؟! قال الطبري :" وأولَى الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما قالهُ ابن عبّاس ؛ وهوَ أنَّ " الدّرجة " التي ذكَرَ اللهُ في هذا الموضِعِ الصّفحُ من الرّجلِ لامرأتِهِ عن بعضِ الواجبِ عليها ، وإغضاؤُهُ لها عنه ، و أداءُ كُلّ الواجبِ لها عليه . وذلكَ أنَّ اللهَ قال ) وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ( عقيبَ قولِهِ ) وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف(، ثمَّ ندبَ الرّجالَ إلى الأخذِ عليهنَّ بالفضل إذا تركنَ أداءَ بعضِ ما أوجبَ اللهُ عليهِنَّ ، فقال )وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ( بتفضُّلِهِم عليهِنَّ ، وصفحِهِم لهنَّ عن بعض الواجبِ لهم عليهِنَّ ، وهذا هو المعنى الذي قصدَهُ ابن عباس بقوله : ما أُحِبُّ أن أستنظِفَ جميعَ حقِّي عليها ، لأنَّ اللهَ تعالى يقول : )وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ( ... وهذا القولُ من اللهِ - جلَّ ثناؤُهُ - وإن كان ظاهرُهُ ظاهِرَ خَبَر ؛ فمعناهُ معنى ندبِ الرّجالِ إلى الأخذِ علىالنّساءِ بالفضلِ ، ليكونَ لهم عليهِنَّ فضلُ درجة " الطبري : جامع البيان عن تأويل آي القرآن - ج ( 4 ) ص ( 123 ) .
واقرأ ما كتبه العلاّمة أحمد شاكر في التعليق على كلام الإمام الطبري والإشادَة بهذا التفسير الدّقيق للآية [ جامع البيان تحقيق آل شاكر ج ( 4 ) هامش ص ( 537- 538 ) ] .
أيها الإخوةُ في الله : هذه الموعظةُ الوجيزَةُ أهديها إلى كلّ زوجٍ يبحثُ عن معاني كتاب الله، ويبغي تكميلَ نفسه بفضائل الرّجولة التي ميّزَ اللهُ بها أصحابَ الهممِ العالية ،أهنَي كثيرًا من الأزواج لوجودِ هذه الفضيلة في أخلاقهم ، وأعزّي كثيرًا من الأزواج لفواتِ هذه الفضيلةِ من أخلاقهم، والعاملُ أسعدُ من السّامع . . وأمَّا عن الزوجةِ الحُرَّةِ الأبيّة التي تسمعُ هذا الكلام ، فلا ينبغي أن يكونَ هذا التأصيلُ متكَّأً لها لتظلمَ الزوجَ وتعتدي ، أو تقصّر في حقوقه اعتمادًا على صبره وتحمّله ، لأنَّها إذا فعلت ذلكَ انحطّت عن رتبةِ الإنسانِ دَرجة ، وكفَى بهذا موعظَةً لمن تعقِل و تعِي . . ! نسأل الله التوفيقَ إلى ما يحب ويرضَى . . اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا ، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين ، وصلّ اللهم وسلّم وبارك على نبيّك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .