الطائف / المنطقة المركزية
مسجد حبر الأمة
22/6/1435هـ


تنبيهات على مسائل بيع التقسيط
منذ مئات السنين ظهر بين الناس ما اشتهر ببيع المرابحة . وقد كنا نسمع في الأسواق الكبيرة والصغيرة من التجار من يقول : هذه البضاعة رأس مالها بخمسين وربحي فيها عشرة ريالات .
فهذه الصورة معروفة ورائجة قديماً وحديثاً، بل إن ابن قدامة (ت: 620هـ ) تعالى ذكرها في كتابه المغني وبيَّن جوازها ومشروعيتها .


والفرق بين المرابحة والتقسيط أن المرابحة يجب على البائع فيها أن يصرح بثمن السلعة الأصلي ومقدار ربحه, أما البيع بالتقسيط فليس على البائع ذلك ولا يطالب بذكر ثمن السلعة الأصلي ومقدار ربحه .
فالمرابحة هي البيع برأس المال وربح معلوم . ومنها ظهر ما يُسمَّى بالآمر بالشراء ، حتى توسع الناس فيها إلى البيع بالتقسيط والخلط فيها مما جعل بعض المؤسسات التمويلية تتلاعب بهذه المصطلحات لمقاصد محظورة شرعاً ، وحال أكثرهم كحال من يقول افقأ العين واكسر السن ! .


والبيع مرابحة للآمر بالشراء يمر بثلاث مراحل حتى تكتمل صحته :
أ- أن يقول شخص للمؤسسة أو للمصرف أو لشخصٍ آخر اشتر لي هذه السلعة وأربحك فيها كذا من المال. وهذا وعد بالشراء وليس عقداً لازماً للآمر بالشراء .
ب- أن يشتريها المأمور بالشراء من صاحبها فتدخل في ملكيته بمجرد اكتمال العقد بينهما.
ج- أن يشتريها الآمر بالشراء من المأمور به إما نقداً وإما تقسيطاً بمثل القيمة أو أكثر على حسب ما يتفقان عليه أخيراً .
ولو اتفقا في أول المعاملة على أنه ملزم بالشراء لكان ذلك الاتفاق ملغى ، والعقد فاسد، لأنهما تعاقدا على ما ليس في ملك البائع منهما. فإذا تم العقد بين الآمر والمأمور بعد حصول السلعة في ملك المأمور ، فالعقد صحيح .
وكون البضاعة كُتبت باسم المشتري لا يفسد العقد ، لأنها قد دخلت في ملك البائع بمجرد إتمام العقد بينه وبين صاحبها ولو لم تحرَّر باسمه .


وتأصيلاً لقاعدة ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ، تم تحرير هذا المقال للتنبيه على المسائل المتعلقة بهذا الباب .


· وهذه أهم التنبيهات لبيع التقسيط المعاصر :
1- الاتفاق على طريقة الدفع ، وهو ضرورة للتخلص من شبهة بيعتين في بيعة .وسيتضح هذا المعنى فيما يلي من الضوابط .
2- أن تكون الأقساط معلومة والأجل مسمى . للتخلص من شبهة ورود الربا في أول العقد أو آخره . وبخلاف ذلك يفسد العقد ويأثم صاحبه .
3- أن تكون العين مباحة ، فلو كان التقسيط في أمرٍ محرم لفسد العقد مباشرة باتفاق العلماء . ويبنى على هذا وجوب السؤال عن العين التي تتاجر بها المؤسسة للخروج من شبهة التعاون على المحرم .
4- لا يجوز الشراء بالتقسيط عن طريق مؤسسات تتحايل على الربا إذا كان لا يشتري المستفيد السلعة شراءاً حقيقياً، وإنما يدفع ثمنها نيابة عن طرف آخر ثم يسترد منه الثمن مقسطاً مع الأرباح، لأن حقيقة هذه المعاملة أنه يقرض ثمن السلعة على أن ترُدَّ إليه مع الفائدة ، وهذا قرض محرم لا مِرية فيه.
5- تخييِّر المستفيد بين الشراء بالتقسيط أو الدفع الفوري مع عدم الجزم بأحدهما – في أول العقد - ينطوي على معاملة محرمة وهو بيع بيعتين في بيعة . وأكثر مؤسسات التقسيط تقع فيه جهلاَ أو عمداً .فالواجب الحذر منه.
6- الحذر من الشراء من غير المالك أو الوكيل مما يفسد عقد البيع بتمامه، ويوقع في مزالق شرعية ونظامية يصعب الخروج منها .



7- غرامة التأخير عن الأقساط المتأخِّرة – في مؤسسات التقسيط - ربا ولا يجوز أخذها أو الإعانة عليها من مؤسسات التمويل .


8- بعض مؤسسات التقسيط تجعل البيع مجرد غطاء لا حقيقة له ؛ وذلك أنها تدفع ثمن السلعة نيابة عن المشتري, ثم تسترد منه الثمن مقسطًا مع الأرباح؛ وهذا معناه أنها أقرضته ثمن السلعة على أن تستوفيها منه بفائدة, وحكمه أنه قرض ربوي محرم، وهو منتشر كما لا يخفى .


9- من الناحية الشرعية لا يؤثِّر على المعاملة المالية كون المشتري لا يقصد السلعة , بل يريد بيعها لينتفع بثمنها, وقد نبه على ذلك الإمام البهوتي ( ت: 1051هـ) تعالى بقوله : " من احتاج إلى نقدٍ فاشترى ما يساوي مائة بأكثر ليتوسع بثمنه فلا بأس, وتسمى مسألة التورق, وذكره في الإنصاف, وقال : وهو المذهب, وعليه الأصحاب " . وبهذا القول تعمل كثير من المصارف الإسلامية .


10- من الحيل في بيع العينة في نظام التقسيط بيع السلعة للمؤسسة التي باعتها إلى من اشتراها منه المستفيد ، مع التواطؤ على ذلك ، كأن يقول صاحب المؤسسة لمن اشتراها منه : سأبيعك البضاعة بشرط أن تبيعها إلى شخص يبيعها إليَّ ! . وهذه الصورة منتشرة عند من يتاجرون في المكيِّفات والجوالات . والله المستعان .


11- يجوز الشراء عن طريق بائع السلعة الأصلي أو عن طريق وسيط ، بشرط امتلاكها قبل بيعها لطرف جديد . أما الشراء عن طريق مؤسسة أو مكتب يدفعالثمن نيابةً عن الغير ثم يسترد منه القيمة مقسطة مع الأرباح، فلا يجوز ، لأنه لم يمتلك السلعة ، بل احتال للربا بحيث أقرض ثمن السلعة على أن تُردَّ إليه بزيادة ، وهذا قرض ربوي صريح بلا خلاف بين العلماء ، وحكمه المنع مع الإثم .



12- شراء السلعة بأكثر من سعرها - لأجل الدَّين - تقسيطاً لا للانتفاع بعينها، وإنما لبيعها على غير بائعها والانتفاع بثمنها يسمى تورُّقاً، وهو بيع جائز على القول الراجح . وقد تقرر عند الأصوليين أن مدار الشرائع والديانات مبنيٌّ على العمل بالمصالح الراجحة وترك المصالح الخالصة .



13- من صور التقسيط المحرم أن تكون طبيعة معاملة مؤسسة التقسيط أن العميل يشتري السلعة بالأقساط، ثم يبيعها للمؤسسة نقدًا بأقل، فهذه عِينة محرمة . وهذه الصوره يعمل بها صغار التجار لاستغلال جهل الناس بحكمها .


14- من صور التقسيط المحرم أن تكون المؤسسة ملزِمة بالشرط، أو العرف ببيع السلعة للعميل، وهذا غير جائز شرعاً . مثل ما تفعله وبعض وكالات السيارات من إجبار العميل بالشراء منهم . فليحذر الموقِّع على عقد التمويل من مثل هذه المزالق عند مؤسسات التقسيط .


15- زيادة ثمن السلعة مقابل زيادة الأجل له صورتان:
الصورة الأولى: بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل التأجيل ، وهو جائز عند جماهير أهل العلم، لعموم الأدلة القاضية بجواز البيع، ويدخل في هذه الصورة ما لو عرض عليه السلعة بثمنين، ثمن في العاجل، وثمن في الآجل، ولكن لم يبق البيع متردِّداً بين البيعتين، بل حُسم على بيعة واحدة منهما، فيجوز أيضاً عند أكثر أهل العلم، لأن ذكر الثمنين كان عَرضاً لا إيجاباً.
الصورة الثانية: أن يتم العقد، ويبرم وهو مشتمل على صفقتين إحداهما بالنقد والأخرى بالنسيئة مثل أن يقول:
بعتك هذه نقداً بعشرة، وبالنسيئة بعشرين، دون الاتفاق على إحدى الصفقتين، وهذا الذي ذهب الجمهور إلى منعه، وعدم صحته .


وختاماً فإن من كمال التعبد المطلق إيثار مرضاة الله تعالى في المعاملات والعبادات ، حتى ولو كان مآلها الظاهر يسيراً أو ضعيفاً . وقد قال الله تعالى: " فَخذها بقوةٍ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها " ( الأعراف : 145 ) وقد تقرر عند الأصوليين أن ترجيح ظنٍ على ظنٍ محرم . فالواجب العمل بالراجح لا بالهوى وميل النفوس .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .


أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بمعاهد القوات البرية

(منقول )