بسم الله الرحمن الرحيم

فِي عِلْمِ مَتْنِ اللُّغَةِ وَالْمُعْجَمَاتِ اللُّغَوِيَّةِ (1)

أحمد ربّي دائمًا أبدًا, له الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه, له الحمد حتّى يرضى, وله الحمد إذا رضي, وله الحمد بعد الرضى, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا, أما بعد,
فهذه نظرة عجلى على باب من أبواب العلم, قد انتدبني للكتابة فيه بعض من أُحِبُّ؛ لِمَا رآه من نأي طلبة العلم عمّا كُتِب؛ لخصوصيّة جملة من التأليفات فيه, فلا يطّلع عليها غير المتخصص غالبًا, وسأضع في هذه النظرة معالم منهجيّة تبصّر الدارس والراغب ليتعرّف حدود علم «متن اللغة», من حيثُ التصنيفُ والتأليفُ؛ ويكون على ذُكْر منها إن رام دراسة بعض مسائله, ولكيلا يخوض فيه إلا عن فهم ومعرفة, على أني سأكتفي بالإشارة في كثير من المواطن اعتمادًا على فطنة القارئ, ولا أذكر من الكتب إلا ما هو مطبوع في الغالب.
فأقول -مستعينًا بالله-:
درس الأئمة متن اللغة دراسة بالغة؛ بُغْيَة حفظ العربية التي بها يُصَانُ فهم الوحيين, وقد أوعبوا في هذا العلم إيعابًا, ودوّنوا فيه الكتب العظيمة على شظف العيش وعُسْر الحال, وكان لإكثارهم في هذا الباب أسباب مختلفة, منها ما يتعلّق بطبيعة العربيّة, لما تشتمل عليه من: اتّساع ودقّة متناهيين, ولم تَحْظَ لغة في التاريخ ما حظيت به العربيّة في هذا.
ومع كثرة ما ألّفوه لم يظهر منهم تصنيفٌ لِمَا صنّفوه, وترتيبٌ لما وضعوه, يُؤَطِّره في أُطُر عامّة, تُعَرّف الطالب مسالك هذا العلم ومداخله ومخارجه ومدارجه, وتلم شمل ما تفرّق وظهر أنّه متباين, حتى أظلّ العصر الحديث, فقام بعض الدارسين للعربيّة وأظهر هذه التقسيمات, فكان نفعُهَا عميمًا.
وكان أوّل ظهور لهذه التقسيمات عام 1375هـ/1956م حين طبع (الصحاح) للجوهري بتحقيق الأستاذ أحمد عبد الغفور عطّار --, فقد أشار إلى المدارس المعجميّة في مقدّمة تحقيقه وزعم أنّه السابق إليها, وفي العام نفسه طبعت رسالة الدكتور حسين نصّار: «المعجم العربي -نشأته وتطوّره-», مبديًا تلك المدارس, زاعمًا أنّه السابق إليها, وبين عمله وعمل الأستاذ عطّار فروق طفيفة, ثم تتابع التأليف في هذا, وقُرِّرَتْ هذه المباحث بجعلها مادّة علميّة في كليات اللغة العربية بالجامعات بعد ذلك.
ولم تخل تلك البحوث والأعمال من استدراكات ونَقَدات, وتهذيب وتشذيب, إما لضعف الاستقراء, أو عدم وضوح بعض مناهج الكتب المؤلّفة في علم «متن اللغة».
وتجيء هذه النظرة لتسدّ شيئا من هذا, وتصحح ما علق في أذهان الطلبة وغيرهم.
• فقد جاءت كتب علم «متن اللغة» على أنواع ومدارس, فالأنواع ستّة:
1. معجمات الموضوعات والمعاني.
2. معجمات الألفاظ.
3. معجمات الأبنية.
4. كتب المسلسل والمشجّر والمتداخل والمُدَاخل.
5. كتب المثلث اللغوي.
6. كتب مصطلحات وكلمات الناس.
• والمدارس ثلاثة:
1. المدرسة الصوتية.
2. مدرسة القافية.
3. المدرسة الألفبائية.
وهذا أوان التفصيل في ما سبق ذكره.
أوّلًا: أنواع المعجمات.
1) معجمات الموضوعات والمعاني.
والمقصود: تلك الكتب المؤلّفة في موضوع واحد أو معان محددة, زمن بدءِ التدوين اللغوي فما بعده, وتسمية كل هذه الكتب بالمعاجم فيها تجوّز كبير, فغالب كتب المتقدّمين لم يكن همُّهَا شرحَ الغريب, بل جَمْعَ مادّة لغويّة, والكتب المؤلّفة في هذا النوع كثيرة.
فمنها ما يتعلّق بالإنسان وأوصافه وأسماء أعضائه, مثل: (خلق الإنسان) للأصمعي, و(خلق الإنسان) لأبي محمد بن ثابت الكوفي, و(خلق الإنسان) للزّجّاج, و(خلق الإنسان) و(استعارة أعضاء الإنسان) لابن فارس, وأرجوزة (نظم الجمان في حلى الإنسان) لتاج الدين ابن يحيى البلدي الموصلي في (337) بيتًا -منها نسخة بالظاهرية-. ومنها ما يتعلّق بالخيل, مثل: (خلق الفرس) لابن الأعرابي, و(الخيل) لأبي عبيدة معمر بن المثنّى, و(الخيل) للأصمعي. ومنها ما يتعلّق بالإبل, مثل: (الإبل) للأصمعي. ومنها ما يتعلّق بالوحوش, كـ: (كتاب الوحوش) لقطرب, والأصمعي. ومنها ما يتعلّق بالحشرات, كـ(كتاب الحشرات) لأبي خيرة الأعرابي -وهو مفقود-, ومنها كتب الحيات والعقارب, وكتب الطير, وكتب الفَرْق المدوّنة في الألفاظ التي سمّيت بها الأعضاء المشتركة بين الإنسان والحيوان, ومنها كتب النبات, كـ: (كتاب النبات) للأصمعي, وأبي حنيفة الدينوري, وكتب النخل, والزرع, والكَرْم, والعُشْب, والرياحين. ومنها كتب الأنواء والمطر, والأيام والليالي, والليل والنهار, والشمس والقمر, والرياح والهواء والنار. ومنها كتب الأمكنة والدّارات, والمياه والجبال, ومنها كتب عدّة الحرب, ككتب السلاح, واللجام, والسيوف, والرماح, والدروع, والتروس, والقسي, والنبال. ومنها كتب رحل البيت, ككتب الرحل, والقتب. وكتب: البئر, والدلو, واللبن, والتمر, إلى غير ذلك.
ومن الكتب الجامعة لموضوعات عدّة: (الألفاظ) لابن السكيت, و(نسيم السحر) و(فقه اللغة) للثعالبي, و(المخصص) لابن سيدة الذي يعدُّ من أوعاها.
ويدخل في هذا النوع: كتب المذكّر والمؤنّث, وكتب القلب والإبدال, والتعاقب, والإتباع, وكتب الترادف كـ: (ما اختلف لفظه واتفق معناه), و(الغرائز), و(الغادة في أسماء العادة), و(ترقيق الأسل لتصفيق العسل), و(أسماء الخمر) و(أسماء الفضة والذهب), والكتب المؤلّفة في الفروق, كـ: (الفروق) لأبي هلال العسكري, وكتب أسماء الحيوانات, ومُخْتَلِف الأشياء, وكتب الأضداد. ويدخل كذلك: كتب لغات العرب, وغريب القرآن, وغريب الحديث. ويدخل كذلك: كتب التلحين والتخطئة, كـ: (لحن العوام) لأبي بكر الزبيدي, و(درّة الغوّاص) للحريري, و(بحر العوّام فيما أصاب فيه العَوَام) لابن الحنبلي. ويدخل فيها كذلك: كتب الاشتقاق, كـ(الاشتقاق) لابن دريد, و(مقاييس اللغة) لابن فارس -وهو ليس معجمًا-, وكتب الْمُعَرَّبِ والدَّخِيل, وهو باب واسع.
2) معجمات الألفاظ.
والمقصود: تلك الكتب التي عُنِيت بالألفاظ الغريبة وغيرها, وجمعت ما يتعلّق بها في مكان واحد, وعلى هذا غالب كتب المعجمات التي يعرفها طلبة العلم, بدءًا بكتاب (العين), وانتهاءً بالكتب الحديثة في هذا الباب, ولها مدارس مختلفة في الترتيب ستأتي في العنصر الثاني.
3) معجمات الأبنية.
والمقصود: تلك الكتب التي عنيت بالأبنية العربيّة, وجمعت ما يتعلّق بها في أبواب وكتب من حيث السماع, وقد ألف الدكتور أحمد مختار عمر كتابًا يبيّن فيه مدارس هذه المعاجم ومناهجها, ومن الكتب التي تندرج تحت هذا الباب: (ليس في كلام العرب) لابن خالويه, و(ديوان الأدب) لأبي إبراهيم الفارابي -وهو من أجلّ الكتب, حتى قيل: «إن أبا العلاء المعرّي كان يحفظه عن ظهر قلب»-, و(أبنية الأسمال والأفعال) لأبي بكر الزبيدي, و(الأبنية) لابن القطّاع, و(شَمْسُ العُلُوم وشِفَاء كَلام الْعَرَب من الْكُلُوم) لأبي سعيد نَشْوَانَ بن سعيد الْحِمْيَرِيّ -وهو كتاب عظيم-, وكتب (المصادر), و(الجمع), و(التثنية), وكتب (فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ), وكتب (المقصور والممدود).
4) كتب المُشَجَّر والْمُسَلْسَل والمُدَاخَل والْمُتَدَاخِلِ.
وهذه الكتب لطيفة التأليف, ظريفة الوضع, ولعلّ الدافع إلى كتابتها بيان سعة العربيّة, وتيسير حفظ مفردات متن اللغة بهذه الطريقة المترابطة, ودونك مثالًا واحدًا قبل سرد بعض الكتب لتقف على طبيعتها, فهي تبدأ بكلمة واحدة تكون مفتاحًا لما بعدها, ثم يُفَسَّرُ معناها بكلمة بعدها إلى أن يُغْلَقَ البابُ, ويُبْدَأَ بكلمة أخرى, وهلّم جرًّا, مثل:
«الْأَوْبُ: الرَّجْعُ, والرَّجْعُ: الْمَطَرُ, والْمَطَرُ: الْغَيْثُ, والْغَيْثُ: الكَلَأُ, والْكَلَأُ: العُشْبُ, والْعُشْبُ: الْعَقَّارُ, والْعقارُ: الدَّوَاءُ, والدَّوَاءُ: ما يكون به الشِّفَاءُ, والشِّفَاءُ: البُرْءُ من العِلِّة, والعلِّةُ: السَّبَبُ, والسَّبَبُ: الْحَبْلُ, والْحَبْلُ: الرِّباط».
ومن الكتب المؤلّفة في هذا الباب: (المداخل في اللغة) لأبي عمر الزاهد, و(شجر الدرّ) لأبي الطيب اللغوي, و(المسلسل في غريب اللغة) لابن الاشتركوني, وقد أخرج الكتب الثلاثة الآنفة, الأستاذ: محمد عبد الجواد.
5) كتب المثلث اللغوي.
والتأليف في هذا الباب لا يخفى على كثير من طلاب العلم, والمقصود بالمثلّث اللغوي: تلك الكلمات التي تختلف معانيها باختلاف حركة حرف من حروفها, ما لم يكن ذلك لغة, كمثل: كلمة: (الغَمْرُ), و(الغِمْرُ), و(الغُمْرُ), فالفتح للماء الكثير, والكسر للحقد, والضم لمن لم يجرب الأمور.
وقد أَرْبَتْ الكتب في هذا الباب على خمسة وأربعين كتابًا غير كتب المعاصرين, ما بين نثر ونظم, فمنها: (المثلث) لقُطْرُب, وما وضع عليه: شرحًا, أو تحشية, أو نظمًا, أو استدراكا, و(كتاب المثلث) للسيد البَطَلْيوِسي, (وإكمال الأعلام بتثليث الكلام) نَثْرٌ لابن مالك, و(إكمال الأعلام بمثلّث الكلام) نَظْمٌ له, إضافة إلى المنظومات المربّعة, والمخمّسة, كتخميس نظم المثلث لابن زُرَيْقٍ البَهْنَسِيّ, الذي مطلعه: «يا مُولَعًا بالغَضَبِ».
6) كتب مصطلحات وكلمات الناس.
كثير من الدارسين يغفل هذا النوع ولا يذكره, والمقصود به تلك الكتب التي عنيت بما اشتهر في ألسنة الناس من عبارات مركّبة أو جمل برمّتها لها مدلول خاص, وهذه الكلمات التي سار عليها الناس ليست من قَبِيل الأمثال التي فيها مصدر ومَوْرِد, أو الحكم الشائعة الذائعة, بل هي مما اصطلحوا عليه وجاء لمعنى معيّن بأسلوب معيّن, وقبل ذكر طرف من الكتب المتعلّقة بهذا الباب أعرّج على بعض الأمثلة لِيُفْهَم المقصود, فمن ذلك: الكلمات التي اسْتُخْدِمَتْ مضافة أو مركّبة لمعنى من المعاني, كقول القائل: «فلان (ضربَ) الخيمة, فلانٌ (ضرب) النقود, فلانٌ (ضرب) عني صفحًا, فلان (ضرب) في الأرض, فلان (ضرب) بيد من حديد», فَضَرْبُ الخيمة: نَصْبُها وإقامتُها, وضَرْبُ النُّقُود: سَكُّها, وضَرَبَ عنه صَفْحًا: أي أعرض عنه, وضَرَب في الأرض: أي سافر, وضَرب بِيَدٍ من حَدِيد: أي شَدَّدَ عليه, وأنت ترى أن كلمة (ضرب) تكررت في كلّ ما سبق, ولكلّ تركيب معنى خاص.
ومن الجمل التي اصطلح عليها العرب قولهم: «قلب الدهر لي ظهر المِجَنّ», أي: عاداني بعدما كنا صديقين, وأفقرني بعدما كنت غنيًّا. وقولهم: «قد أَخَذْتُ الشيءَ بحذافِيرهِ», أي: أخذته بأجمعه. ومنها كذلك: «لأُرِيَنَّكَ الكواكب بالنهارِ», أي: لأحزنَنَّكَ ولأَغُمَّنَّكَ ولأُبرحنّ بك، حتى يُظلِمَ عليك نهارُكَ، فترى الكواكب، لأنّ الكواكب لا تبدو في النهار إلا في شِدَّةِ الظُلمة.
ومن الجمل التي يستخدمها المعاصرون كذلك: (أَكَل عليه الدهرُ وشَرِبَ), (هذا الموضوع قُتِل بحْثًا), (فلان يخبط خبطَ عشواء).
وكثيرٌ من الدراسين تمرّ عليه عبارات كهذه, فيعود إن أراد معرفتها لمعجمات الألفاظ, وكثيرًا ما يضلّ الطريق لأنه يقف على معاني المفردات, وهذه الاستعمالات كثيرٌ منها جيء به على سبيل السَّعة وانفساح مجاري الكلم, فإما أن يقف على الصواب بعد لَأْيٍ, وإما أن يَخْبِط خَبْطَ عشواء!
ومن الكتب المؤلّفة في هذا الضرب: (الفاخر) للمفضل بن سلمة, و(الزاهر في معاني كلمات الناس) لابن الأنباري. ومن الكتب التي عنيت بهذا الضرب أيضًا: بعض شروح الشِّعر الجاهلي والإسلامي والأمَوِي والعبّاسي, ففي الشعر أساليب كثيرة لا تُفْهَم بفك غامضها وشرح ألفاظها, وقد قال أبو عمرو بن العلاء قديمًا: «الْعُلَمَاءُ [أو الْبُصَرَاءُ] بالشِّعْر أَعَزُّ من الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ», فاعرف ذلك واقدُرْهُ قَدْرَهْ.
ثانيًا: المدارس المعجمية.
اختلفت طرق عرض المادّة العلمية في معاجم الألفاظ خصوصًا, كَوْنَها الكتب التي جمعت نُتَفًا من هذه الأنواع الستّ, لكنها لم تستوعب جلّ المعاني, لذا تفاوتت في السَّعة والتَّقَصِّي والتَّتَبُّعِ, وقد صُنّفت على مدارس ثلاث تذليلًا للدّارسين, وقبل عرضها ينبغي أن تضع ثلاثة أمور في الحسبان, هي:
الأمر الأول: اتفاق هذه المدارس في نظام تجريد الكلمة من زوائدها, فكلمة: (تراث) تجدها في (ورث), و(مطار) في (طير).
والأمر الثاني: تصرّف بعض المعاصرين من الناشرين وغيرهم في تغيير ترتيب هذه الكتب, مثل (لسان العرب) ط. دار صادر, وكتب أخرى, وهذا التصرّف غير مقبول إن جُعِل على أنّه من الكتب, فمؤلِّفه رمى بتأليفه غرضا معيّنًا, والناشر أو الطابع غيّره وبدّله.
والأمر الثالث: اختلاف مقاصد التأليف في كلّ كتاب من الكتب, فمنهم من ألف ليحصر ألفاظ العربية, ومنهم من ألف ليضع ما صحّ عنده رواية ودراية, إلى غير ذلك, وفي هذه التآليف خصائص أخرى, كعناية بعضها بذكر البلدان, وبعضها بذكر اللغات, وبعضها بالنباتات, وبعضها بالعقاقير والأدوية, والتفصيل في هذا يطول.
وهذا عَرْض المدارس:
• المدرسة الأولى: مدرسة التقليبات.
وهذه المدرسة تعنى بتقليب المادة الواحدة في مكان واحد, وهي على ضربين:
1. الضرب الأول: مدرسة التقليبات الصوتية.
والمقصود بها تلك المعجمات التي رتّبت الكلمات على ترتيب الحروف ترتيبًا صوتيًّا, بدءًا بأقصاها في الحلق, وانتهاءً بحروف الشفتين مع تقسيم موادِّ كلّ حرف على الأبنية بدءًا بالثنائي ثم الثلاثي, وهَلُمَّ جَرًّا, وأوّل كتاب في هذا: (العين) المنسوب للخليل بن أحمد الفراهيدي, ومن كتب هذا الضرب: (البارع) لأبي عليّ القالي, و(تهذيب اللغة) لأبي منصور الأزهري, و(المحيط) للصاحب بن عبّاد, و(والمحكم والمحيط الأعظم) لابن سيدةَ الأندلسي.
فإن جئت بكلمة (ضبع) وأردت معرفتها في هذه الكتب, فإنك تقف على أبعد حروفها مخرجًا, وهو: (العين), ثم (الضاد), ثم (الباء), فستجد المادّة تحت: (ع.ض.ب), من الثلاثي الصحيح, وستجد هناك أيضًا: عضب, بضع...الخ.
2. الضرب الثاني: مدرسة التقليبات الألفبائية.
وهذه المدرسة لم يسر على طريقها سوى ابن دريد الأزدي في كتابه (جمهرة اللغة), إذ رتّب كتابه ترتيبًا ألفبائيًّا, مع اتخاذه منهج تقليب المادّة في مكان واحدٍ طريقا له, واعتنائه بذكر الأبنية قبل الأحرف, بخلاف كتب الضرب الأوّل.
• المدرسة الثانية: مدرسة القافية.
وقد رتّبت هذه المدرسة ألفاظها بالنظر إلى الحرف الأخير منها, فكلمة: (أكل) تجدها في باب اللام, فصل الألف, فيكون التقديم لحرف القافية أوّلًا, ثم يجري الترتيب على الطريقة الألفبائيّة, وقد سار على هذه المدرسة عدد من الكتب, منها: (التقفية) لأبي بشر اليمان البندنيجي, و(ديوان الأدب) للفارابي -مع جعله الأبنية أساسًا-, و(تاج اللغة وصِحاح العربيّة) للجوهري, و(العُبَاب الزاخر واللُّبَاب الفاخر) للصاغاني, و(لسان العرب) لابن منظور, و(القَامُوس الْمُحِيط والقَابُوس الوَسِيط فِيما ذهب من لغة العرب شَمَاطِيط) للفيروزأبادي, و(المعيار) لميرزا الشيرازي.
• المدرسة الثالثة: المدرسة الألفبائية, أو الأبجدية, أو الهجائية, أو الأَبْتَثِيَّة, أو المُعْجَمِيّة.
وهذه التسميات تدلّ على شيء واحد, وإن خُطِّئ بَعْضٌ منها, غير أنها اشتهرت وشاعت, والغرض هنا بيان منهجها؛ إذ سارت هذه الكتب على الترتيب الذي أَلِفَهُ كثيرٌ من المعاصرين, ومشت عليه المُعْجَمات الحديثةُ, فرتّبت الألفاظ ترتيبًا هجائيًّا.
ومن الكتب التي سارت على هذا المنهج: (الجيم) لأبي عمرو الشيباني -عصريّ الخليل بن أحمد-, وكتابه غير مرتّب في الحقيقة إلا من حيثُ الحرْفُ الأوّل للكلمة, ومنها كذلك: (المنضد) لكُرَاعِ النَّمْلِ, و(المجمل في اللغة) و(مقاييس اللغة) لابن فارس, و(المنتهى في اللغة) للبرمكي, و(أساس البلاغة) للزمخشري -وهو كتاب موضوع في الفرق بين المعاني الحقيقية والمجازيّة, مع اعتناء بتفسير اللفظ في جُمَلٍ بلاغية-.
وعلى هذا المنهج المعجمات الحديثة.
• خاتمة: ظهرت مدرسة في العصر الحديثة اختلفت عن المدارس الثلاثة الماضية من حيثُ الترتيبُ, فمادّة (مغفرة) في حرف الميم... وهكذا, غير أنّه لم يكتب لها القبول, وتُسَمَّى (المدرسة الواقعيّة), إذ عنيت بترتيب الكلمات كما هي دون تجريدها من زوائدها, وقد سار على هذه الطريقة (مُعْجَم الرائد) لجبران مسعود -أحد أساتذة اللغة في لبنان-, وقد ظهر عام (1965م), وهو شبيه بالمعاجم المدرسية التعليمية, ومنها كذلك: (المرجع) للشيخ عبد الله العلايلي, أحد لغويي القرن العشرين.
وقبل أن أطوي صفحة هذه المقالة, أشير إلى أن مناهج التأليف في المعجمات عند المعاصرين اختلفت, فظهرت المعجمات اللبنانيّة, والمعجمات المصريّة, وبينها فروق, وبدأت محاولات وضع المعجم التاريخي, ووضعت المعجمات المزدوجة بين لغتين, ووضعت كذلك معجمات الكلمات العامِّيّة واللهجات, وذلك ضربٌ من التأليف سأعرّج عليه في مقالة قادمة.
هذه كتابة عجلى من وحي الخاطر أعرضت فيها عن ذكر المراجع, وقد أفدت في ذكر الأنواع مما أخذته عن شيخنا الأستاذ الدكتور محمد بن يعقوب تركستاني, والله أسأله أن يعينني على معاودة النظر فيما كتبت, والحمدلله أوّلًا وآخرًا.
أبو الليث الشيراني
23/6/1435هـ
طيبة الطيبة