تعقيب على كلام للشيخ زكريا الأنصاري عند قوله تعالى:" ْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71)"-الإسراء.
قال الشيخ زكريا الأنصاري تعالى عند قوله تعالى:" ْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71)"-الإسراء:"و أما قوله تعالى: " وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا " فعائد إلى كل الناس، لا إلى أصحاب اليمين خاصة، و إنما لم يخصهم بذلك لأنهم يعلمون أنهم لا يظلمون و يعتقدون ذلك، بخلاف أصحاب الشمال، فإنهم يعتقدون أو يظنون أنهم يظلمون"اهــــ.- فتح الرحمن بكشف ما يلتبس من القرآن:289-
و هذا الكلام منه تعالى لا يسلم، فأهل الشمال الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم فيستحقون النار عياذا بالله، لا يمكن أن يظنوا بله أن يعتقدوا أن الله تعالى ظالم لهم بحكمه عليهم بالعذاب، بل إنهم يدخلون النار و هم مقرون بعدله سبحانه و معترفون بجرمهم و ماقتون لأنفسهم أشد المقت، و أعظم من ذلك أنهم بعد فصل القضاء و ولوجهم النار يكونون في زمرة الحامدين لله جل في علاه...
و هذه بعض الآيات التي تشهد بذلك:
قال الله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)"- غافر-.
يقول العلامة السعدي تعالى في تفسيرها:" يخبر تعالى عن الفضيحة والخزي الذي يصيب الكافرين، وسؤالهم الرجعة، والخروج من النار، وامتناع ذلك عليهم وتوبيخهم، فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أطلقه ليشمل أنواع الكفر كلها، من الكفر بالله، أو بكتبه، أو برسله، أو باليوم الآخر، حين يدخلون النار، ويقرون أنهم مستحقونها، لما فعلوه من الذنوب والأوزار، فيمقتون أنفسهم لذلك أشد المقت، ويغضبون عليها غاية الغضب" اهـــ.
و قال تعالى:" كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)"-الملك-، فهذا اعتراف أكيد منهم باستحقاقهم النار عياذا بالله، "وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة، وندموا حيث لا تنفعهم الندامة" كما قال الحافظ تعالى.
و قال جل في علاه في آخر الزمر:" وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)"
و هذا بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة و أهل النار النار، و لم يعين سبحانه الحامد ليعم كل أحد، فمن أسباب الحذف العموم.
و في هذا المعنى يقول العلامة السعدي:" لم يذكر القائل من هو، ليدل ذلك على أن جميع الخلق نطقوا بحمد ربهم وحكمته على ما قضى به على أهل الجنة وأهل النار، حمد فضل وإحسان، وحمد عدل وحكمة" اهـــ.