- وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر في قوله: كمشكاة فيها مصباح قال: المشكاة: جوف محمد ، والزجاجة: قلبه، والمصباح: النور الذي في قلبه يوقد من شجرة مباركة الشجرة: إبراهيم زيتونة لا شرقية ولا غربية لا يهودية ولا نصرانية، ثم قرأ ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين .
- وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن شمر بن عطية قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال: حدثني عن قول الله الله نور السماوات والأرض مثل نوره قال: مثل نور محمد كمشكاة قال: المشكاة: الكوة ضربها الله مثلا لفمه فيها مصباح، والمصباح قلبه المصباح في زجاجة والزجاجة: صدره كأنها كوكب دري شبه صدر محمد بالكوكب الدري، ثم رجع المصباح إلى قلبه فقال: يوقد من شجرة مباركة يكاد زيتها يضيء قال: يكاد محمد يبين للناس، ولو لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد الزيت أن يضيء ولو لم تمسسه نار.
قال الشوكاني معقبا "
وأقول: إن تفسير النظم القرآني بهذا ونحوه مما تقدم عن أبي بن كعب وابن عباس وابن عمر ليس على ما تقتضيه لغة العرب، ولا ثبت عن رسول الله ما يجوز العدول عن المعنى العربي إلى هذه المعاني التي هي شبيهة بالألغاز والتعمية، ولكن هؤلاء الصحابة ومن وافقهم ممن جاء بعدهم استبعدوا تمثيل نور الله سبحانه بنور المصباح في المشكاة، ولهذا قال ابن عباس: هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة كما قدمنا عنه، ولا وجه لهذا الاستبعاد.
فإنا قد قدمنا في أول البحث ما يرفع الإشكال، ويوضح ما هو المراد على أحسن وجه وأبلغ أسلوب، وعلى ما تقتضيه لغة العرب، ويفيده كلام الفصحاء، فلا وجه للعدول عن الظاهر، لا من كتاب ولا من سنة ولا من لغة.
وأما ما حكي عن كعب الأحبار في هذا كما قدمنا، فإن كان هو سبب عدول أولئك الصحابة الأجلاء عن الظاهر في تفسير الآية، فليس مثل كعب- - ممن يقتدى به في مثل هذا.
وقد نبهناك فيما سبق أن تفسير الصحابي إذا كان مستنده الرواية عن أهل الكتاب كما يقع ذلك كثيرا، فلا تقوم به الحجة ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي، نعم! إن صحت قراءة أبي بن كعب، كانت هي المستند لهذه التفاسير المخالفة للظاهر، وتكون كالزيادة المبينة للمراد، وإن لم تصح فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة، وغيرهم ممن قبلهم، وممن بعدهم هو المتعين."