معنى ولا تركنوا في قوله تعالى وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) :
الركن : طرف شديد الجوانب يجمع ما في باطنه، فركن البناء والشيء :جانبه الأقوى ومعتمده، ويطلق على ما يتقوى به من ملك و جند وبه فسر قوله تعالى : فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون ودليل ذلك قوله تعالى : فأخذناه وجنوده أي أخذناه وركنه الذي تولى به ، ومنه قوله تعالى حكاية عن لوط لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد أي آوي إلى قويّ كجماعة أوعشيرة أستند إليه وأتمنع به فيحميني منكم فشبه القويّ العزيز بالركن من الجبل في شدّته ومنعته .
والركون إلى الشيء: الميل إليه و والاستناد والاعتماد عليه مع السكون إليه بالمحبة والانصباب ، يقال: ركن إلى الجدار أو الجبل أو الركن: إذا استند إليه
أي لا تستندوا ولا تعتمدوا ولا تطمئنوا ولا تميلوا ولا توافقوا ونقيض الركون النفور عنه، ولما فيها من النهي عن الميل والاستناد والاطمئنان عدي بإلى لأنّ المائل يدني جنبه إلى الشيء الممال إليه.
فالنهي يشمل الأمور الآتية :
• لا تستندوا إلى الذين ظلموا ولا تميلوا إلىهم ولا تسكنوا إليهم سواء كانوا من المشركين أو من غيرهم من الظلمة فتجعلوهم ركنا لكم تعتمدون عليهم فتقرونهم على ظلمهم ؛ لأن ذلك يؤدى إلى تقوية جانبهم ، وإضعاف جانب الحق والعدل .
• ولا تنحطوا في هواهم ، والانقطاع إليهم.
• و لا ترضوا بما عليه الظلمة من الظلم ولا تداهنوهم ولا تحسنوا طريقتهم وتزينوها عندهم وعند غيرهم ولا تشاركوهم في شيء من تلك الأبواب.
• فأما مداخلتهم لدفع ضرر فغير داخل في الركون .
• قال سيد طنطاوي : المراد بالذين ظلموا هنا : ما يتناول المشركين وغيرهم من الظالمين الذين يعتدون على حقوق الغير ، ويستحلون من محارم الله .
• قال الشوكاني : وقد اختلف أيضاً الأئمة من المفسرين في هذه الآية هل هي خاصة بالمشركين أو عامة ؟ فقيل خاصة ، وإن معنى الآية النهي عن الركون إلى المشركين ، وأنهم المرادون بالذين ظلموا ، وقد روي ذلك عن ابن عباس .
وقيل : إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم ، وهذا هو الظاهر من الآية ، ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون ، لكان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ـ ـ ـ ـ ـ ــ ــ ـ ـ

معنى يهرعون في قوله تعالى : وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ
قال التحقيق : الأصل الواحد هو إسراع في الحركة مع اضطراب وتدافع ، يهرعون إليه أي يتحركون ويمشون بسرعة واضطراب وتدافع ليصلوا إلى بيت لوط والتعبير بالمجهول إشارة إلى أنهم كأن في هذا المشي السريع لا اختيار لهم كأنهم يساقون إليه .
قال ابن فارس : أصل يدل على حركة واضطراب .
قال المعجم الاشتقاقي : أهرع الرجل خف وأُرعد من سرعة أو خوف يهرعون يسعون عجالا من خفة حلومهم .
قال محمد رشيد رضا : وقال الكسائي والفراء وغيرهما : لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة من برد أو غضب أو حمى اه . وينبغي أن يزاد عليه أو شهوة شديدة .
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ
حاصل معنى يهرعون : يسرعون في الحركة يدفع بعضهم بعضاً بشدة ، متهيجة أعصابهم مرتعدين كالذي أصابه البرد ، لطلب الفاحشة ليصلوا إلى بيت لوط كأن سائقاً يسوقهم إلى المكان ودافعا يدفعهم ويستحثهم بعنف، فهي مشية الطامع المبادر إلى أمر يخاف فوته المشي .
والتعبير بالمجهول إشارة إلى أنهم كأنهم يدفعهم دافع بعنف لهذا المشي السريع لا اختيار لهم فيه ، كأنهم يساقون إليه سوقا عنيفا ويدفعون إليه دفعا عنيفا ، والدافع هو غلبة الشهوة .
الطبري وجاء لوطا قومه يستحثون إليه يَرْعَدون مع سرعة المشي مما بهم من طلب الفاحشة ، يقال : أُهْرِع الرجل من برد أو غضب أو حُمّى : إذا أُرعد ، وهو مُهْرِع إذا كان مُعْجَلاً حريصا كأنهم يُدفعون يسرعون كأنما يدفعون دفعاً ، فهي مشية والطامع المبادر إلى أمر يخاف فوته المشي لطلب الفاحشة البقاعي يهرعون أي كأنهم يحملهم على ذلك حامل لا يستطيعون دفعه إليه أي في غاية الإسراع فعل الطامع الخائف فوت ما يطلبه ، فهو يضطرب 61 لذلك
سيد طنطاوي - ويهرعون - بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبنى للمفعول - أى : يدفع بعضهم بعضاً بشدة ، كأن سائقاً يسوقهم إلى المكان الذى فيه لوط وضيوفه .
ــ ـ ـ ـ ــــ ــ ـ ـ ـ ـ
معنى طرفي النهار زلفا في قوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)
الربط : اعلم أنه تعالى لما أمره بالاستقامة ونهاه عن الطغيان والركون للظالمين فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) كان الآدمي محل العجز والتقصير أردفه بالأمر بأعلى مكفر وأجلب شيء للاستقامة وهو الصلاة وذلك يدل على أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة وأنها رأس العبادات المغذية للإيمان ، والمعينة على سائر الأعمال ، وأنها أعظم معين للإنسان على الاستقامة وترك الطغيان والركون إلى أولي الظلم ، ذلك أن الصلاة تصل هذه القلوب بربها الرحيم الودود ، القريب المجيب ، وينسم عليها نسمة الأنس في وحشتها وعزلتها في تلك الجاهلية النكدة الكنود وهي الزاد الذي يبقى حين يفنى كل زاد ولذلك عطفت
و انتقل من خطاب المؤمنين إلى خطاب النّبيء وهذا الخطاب يتناول جميع الأمّة بقرينة
وَأَقِمِ
إقامتها هو الإتيان بأعمال الصلاة على وجه التمام في وضوئها وركوعها وسجودها وسائر فروضها ومواقيتها.
الصَّلاةَ
المراد بالصلاة هنا في قول الجمهور الصلاة المفروضة حتى نقل بعض العلماء الإجماع عليه .
قروى ابن وهب عن مالك في هذه الآية : أنها الصلاة المكتوبة .
قال ابن عطية وقوله تعالى : أقم الصلاة الآية ، لم يختلف أحد في أن الصلاة في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة
قال ابن عاشور : والأمر بالإقامة يؤذن بأنّه عمل واجب لأنّ الإقامة إيقاع العمل على ما يستحقه ، فتقتضي أنّ المراد بالصّلاة هنا الصلاة المفروضة .اهـ
وقد أدخل الإمام البقاعي الوتر أو قيام الليل مع الفرائض وهو خلاف ما عليه المفسرون .
أقوال العلماء في معنى طرفي النهار :
القول الأول : الطرفان الفجر والعصر، وعلى هذا يكون الزلف المغرب والعشاء وقد ذكرت الآية أربع صلوات ولم تذكر الظهر وعلله البقاعي أنها لم تكن مفروضة في أول الإسلام قبل الإسراء
واختار هذا : الحسن وقتادة والضحاك وغيرهم ، والبيضاوي وأبو السعود والرازي وأبو حيان والآلوسي والشوكاني،واطفيش وابن عاشور والكيا الهراسي، وكذا البقاعي مع تجويزه دخول الظهر يقول علي هاني : وهو الراجح لما سيأتي .
قال الرازي : والأقرب أن الصلاة التي تقام في طرفي النهار وهي الفجر والعصر ، وذلك لأن أحد طرفي النهار طلوع الشمس . والطرف الثاني منه غروب الشمس . فالطرف الأول هو صلاة الفجر ، والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب لأنها داخلة تحت قوله : وزلفا من الليل فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر .
قال أبو حيان : وطرف الشيء يقتضي أن يكون من الشيء ، فالذي يظهر أنهما الصبح والعصر ، لأنهما طرفا النهار ، ولذلك وقع الإجماع ، إلا من شذ على أنّ من أكل أو جامع بعد طلوع الفجر متعمداً أنّ يومه يوم فطر وعليه القضاء والكفارة ، وما بعد طلوع الفجر من النهار وممن قال : هما الصبح والعصر الحسن ، وقتادة ، والضحاك ، وقال : الزلف المغرب والعشاء ، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول ، بل هي في غيرها ..
قال الآلوسي والمراد بصلاة الطرفين قيل : صلاة الصبح والعصر ، وروي ذلك عن الحسن . وقتادة . والضحاك ، واستظهر ذلك أبو حيان بناءاً على أن طرف الشيء يقتضي يكون من الشيء ، والتزم أن أول النهار من الفجر ، وقد يطلق طرف الشيء على الملاصق لأوله وآخره مجازاً فيمكن اعتبار النهار من طلوع الشمس .
قال ابن عاشور : وطرف الشيء : منتهاه من أوّله أو من آخره ، فالتثنية صريحة في أنّ المراد أوّل النّهار وآخره .
و النّهار : ما بين الفجر إلى غروب الشمس ، سمي نهاراً لأنّ الضياء ينهر فيه ، أي يبرز كما يبرز النهْر .
فالطّرفان ظَرْفان لإقامة الصّلاة المفروضة ، فعلم أن المأمور إيقاع صلاة في أوّل النّهار وهي الصّبح وصلاة في آخره وهي العصر وقيل المغرب .
القول الثاني: قالوا الآية استوعبت جميع الصلوات فالطرف الأول الفجر والطرف الثاني هو الظهر والعصر و يؤيده أن الله تعالى جعل للنهار أطرافا في آية أخرى فقال وأطراف النهار ويكون الزلف: المغرب والعشاء .
اختاره : مجاهد في إحدى الروايتين ، ومقاتل ابن مسعود وابن المسيب ومحمد بن كعب القرظي والزمخشري وابن عطية والخازن والنسفي وابن جزي والجلال وسيد طنطاوي والشربيني و مقاتل والهواري والسمرقندي وابن أبي زمنين والميرغني وحسنين مخلوف والشعراوي والظلال ورد دخول الظهر فيها أبو حيان والآلوسي والمنار واختاروا القول الأول .
قال الخازن: والقول الأول الصلوات الخمس أصح وهو قول ومجاهد في إحدى الروايتين عنه والقرظي والضحاك وجمهور المفسرين.
قال الهواري : وطرفا النهار : في الطرف الأول صلاة الصبح ، وفي الطرف الآخر صلاة الظهر والعصر .
قال الزمخشري: طَرَفَىِ النهار : غدوة وعشية ، وصلاة الغدوة : الفجر ، وصلاة العشية : الظهر والعصر ؛ لأنّ ما بعد الزوال عشيّ وصلاة الزلف : المغرب والعشاء .
قال ابن عطية : والأول أحسن هذه الأقوال عندي ورجح الطبري أن الطرفين : الصبح والمغرب ، وأنه الظاهر ، إلا أن عموم الصلوات الخمس بالآية أولى.
ورد أبو حيان والآلوسي ورشيد رضا قال أبو حيان : هذا القول القائل بإدخال الظهر : وجعل الظهر من الطرف الثاني ليس بواضح ، إنما الظهر نصف النهار ، والنصف لا يسمى طرفاً إلا بمجاز بعيد
قال الآلوسي : وأنت تعلم أن في جعل الظهر من الطرف الثاني خفاء وإنما الظهر نصف النهار والنصف لا يسمى طرفاً إلى بمجاز بعيد .
قال رشيد رضا : وأدخل بعض المفسرين صلاة الظهر في طرفي النهار ، إذ يصح أن يسمى وقتها طرفا ، بمعنى أنه طائفة وناحية من النهار يفصلها من غيرها زوال الشمس ، ولكنه طرف ثالث واللفظ هنا مثنى .
القول الثالث:المراد بالطرفين الفجر والمغرب ، لأن المغرب طرف ، تصلى بعد غروب الشمس ، كما صلاة الصبح طرف ، تصلى قبل طلوع الشمس : فكلاهما طرف، وعلى هذا الزلف هو العشاء ويكون قد ترك الظهر والعصر.
اختاره الطبري وابن عباس الطوسي والحسن وابن زيد الجبائي والواحدي والبغوي ورده أبو حيان والرازي
قال الطبري: وأولى هذه الأقول في ذلك عندي بالصواب قول من قال : هي صلاة المغرب ، كما ذكرنا عن ابن عباس ، وإنما قلنا : هو أولى بالصواب ، لإجماع الجميع على أن صلاة أحد الطرفين من ذلك صلاة الفجر ، وهي تصلى قبل طلوع الشمس ، فالواجب إذ كان ذلك من جميعهم إجماعا أن تكون صلاة الطرف الآخر المغرب ، لأنها تصلى بعد غروب الشمس ، ولو كان واجبا أن يكون مرادا بصلاة أحد الطرفين : قبل غروب الشمس ، وجب أن يكون مرادا بصلاة الطرف الآخر : بعد طلوعها ، وذلك ما لا نعلم قائلاً قاله إلا من قال : عنى بذلك : صلاة الظهر والعصر ، وذلك قول لا يُخِيلُ فساده ، لأنهما إلى أن يكونا جميعا من صلاة أحد الطرفين أقرب منهما إلى أن يكونا من صلاة طرفى النهار ، وذلك أن الظهر لا شكّ أنها تصلى بعد مضيّ نصف النهار في النصف الثاني منه ، فمحال أن تكون من طرف النهار الأوّل وهي في طرفه الآخر . فإذا كان لا قائل من أهل العلم يقول : عنى بصلاة طرف النهار الأوّل : صلاة بعد طلوع الشمس ، وجب أن يكون غير جائز أن يقال : عنى بصلاة طرف النهار الآخرة : صلاة قبل غروبها . وإذا كان ذلك صحّ ما قلنا في ذلك من القول ، وفسد ما خالفه الواحدي وأقم الصلاة طرفي النهار بالصبح والمغرب وزلفا من الليل صلاة العشاء قرب أول الليل والزلف أول ساعات الليل
قال الطبرسي : قالوا : وترك ذكر الظهر والعصر لأحد أمرين : إما لظهورهما في أنهما صلاتا النهار ، فكأنه قال وأقم الصلاة طرفي النهار مع المعروفة من صلاة النهار . وإما لأنهما مذكورتان على التبع للطرف الأخير ، لأنهما بعد الزوال ، فهما أقرب إليه . وقد قال سبحانه ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ، إلى غسق الليل . ودلوك الشمس : زوالها ، وهذا القول هو المروي عن أبي جعفر
قال القرطبي : ورجح الطبري أن الطرفين الصبح والمغرب ، وأنه ظاهر ، قال ابن عطية : ورد عليه بأن المغرب لا تدخل فيه لأنها من صلاة الليل . قال ابن العربي : والعجب من الطبري الذي يرى أن طرفي النهار الصبح والمغرب ، وهما طرفا الليل ! فقلب القوس ركوة 122 ، وحاد عن البرجاس 123 غلوة ، قال الطبري : والدليل عليه إجماع الجميع على أن أحد الطرفين الصبح ، فدل على أن الطرف الآخر المغرب ، ولم يجمع معه على ذلك أحد .
قلت : هذا تحامل من ابن العربي في الرد ، وأنه لم يجمع معه على ذلك أحد ، وقد ذكرنا عن مجاهد أن الطرف الأول صلاة الصبح ، وقد وقع الاتفاق - إلا من شذ - بأن من أكل أو جامع بعد طلوع الفجر متعمدا أن يومه ذلك يوم فطر ، وعليه القضاء والكفارة ، وما ذلك ، إلا وما بعد طلوع الفجر من النهار ، فدل على صحة ما قاله الطبري في الصبح ، وتبقى عليه المغرب والرد عليه فيه ما تقدم . والله أعلم
ورده أبو حيان والرازي قال أبو حيان : ورجح الطبري قول ابن عباس : وهو أنّ الطرفين هما الصبح والمغرب ، ولا نجعل المغرب طرفاً للنهار إلا بمجاز ، إنما هو طرف الليل .
قال الإمام الرازي: لا ندخل المغرب في النهار لأنها داخلة في الزلف.
القول الرابع : قال ابن كثير وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء ؛ فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان : صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروبها . وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة ، ثم نسخ في حق الأمة ، وثبت وجوبه عليه ، ثم نسخ عنه أيضًا ، في قول ، والله أعلم .
الراجح قد تبين بما تقدم رجحان القول الأول لما تقدم لأن إدخال الظهر في الطرف فيه تكلف ، وجعل المراد المراد بالزلف المغرب والعشاء أولى لما سيأتي من معناها اللغوي فهو أولى من دخول المغرب في النهار لأنه من الليل وحمل الآية على الصلوات الموجودة لا المنسوخة أولى .

وَ زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ
معنى زلفا لغة :
في معنى الزلف لغة قولان :
القول الأول : زلف الليل : جمع زلفة ، كظلم في ظلمة وغُرْفة وغُرَف: أول ساعات الليل القريبة من النهار و أي أوائله وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل لقربها من النهار سميت زلفا
يقال : أزلفني عندك كذا ؛ أي : أدناني أزلفته فازدلف أي قربته فاقترب، ومنه سميت المزدلفة ؛ لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة قال تعالى : وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ .
وهوقول : جمهور المفسرين واللغويين الليث وثعلب و الواحدي و الزمخشري و الفخر الرازي و القرطبي أبو السعود و الآلوسي ورشيد رضا و ابن عاشور وسيد طنطاوي و السمين الحلبي و الهواري و ابن أبي زمنين و الطبرسي و الأمثل و العباب و تاج العروس و ابن سيده ومعجم اللغة المعاصرة يقول علي هاني وهو الأرجح المناسب لمادة (ز، ل، ف) واستعمالها .
قال في تاج العروس : ، والصحيحُ أَنَّ جَمْعَهُ زُلَفٌ. الزُّلْفَةُ: الطَّائِفَةُ مِن أَول اللَّيْلِ، قَلِيلَةً كانَتْ أَو كَثِيرَة، كَمَا ذَهَبَ إِليه ثَعْلَبٌ، وَقَالَ
القول الثاني: معناه : ساعاتٌ وأوقات وآناء مِن الليل؛ وكل ساعةٍ منه زُلْفَة فواحدهَا زُلفَةٌ؛ لأنها جماعة وليست خاصة بأول الليل فالمراد مطلق ساعات وآناء الليل .
قاله زيد بن علي وأبو عبيدة والأخفش و الطبري و الماوردي و السمعاني و البغوي وابن قتيبة البقاعي.
ــــــــــــ
اختلف العلماء في الصلاة الداخلة في زلفا :
القول الأول : المغرب والعشاء هذا هو الصحيح المناسب للاشتقاق وهو قول الجمهور .
اختاره مقاتل و الحسن و قتادة و محمد بن كعب القرظي و الضحاك والزمخشري وابن عطية والزجاج والنسفي وابن جزي و الخازن والهوراي والآلوسي وجمهور المفسرين .
قال مقاتل: وزلفا من الليل : يعنى : صلاة المغرب والعشاء .
قال الزجاج: يعني المغرب والعشاء الآخرة.
قال الزمخشري: وصلاة الزلف : المغرب والعشاء . .فالزلف : جمع زلفة ، كظلم في ظلمة ـ ـ: وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل
الآلوسي ، والمراد بصلاة الزلف عند الأكثر صلاة المغرب والعشاء.
القول الثاني:المغرب والعشاء مع الوتر أو التهجد .
اختاره البقاعي والسعدي أدخل قيام الليل فقط وظاهر الرازي في إدخال الوتر .
قال البقاعي : وزُلفاً أي طوائف 202 ودرجات وأوقات ، جمع زلفة من الَّليل يمكن أن يكون المراد به التهجد ، فقد كان مفروضاً في أول الإسلام ، ويمكن أن يراد المغرب والعشاء مع الوتر أو 203 التهجد
قال السعدي : وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ْ ويدخل في ذلك ، صلاة المغرب والعشاء ، ويتناول ذلك قيام الليل ، فإنها مما تزلف العبد ، وتقربه إلى الله تعالى .
القول الثالث:
صلاة العشاء الآخرة ،
قاله ابن عباس والحسن و ابن زيد والطبري والواحدي ورواية عن مجاهد
قال الطبري : لأن صلاة العشاء الآخرة إنما تصلى بعد مضيّ زلف من الليل ، وهي التي عنيت عندي بقوله : وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ ، وبنحو الذي قلنا في قوله : وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : مجاهد ، في قول الله : وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ ، قال : الساعات من الليل صلاة العتمة .
عن ابن عباس : زُلَفا مِنَ اللّيْلِ ، يقول : صلاة العتمة .
عن الحسن : وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ ، قال : العشاء .
كان ابن عباس يعجبه التأخير بالعشاء ، ويقرأ : وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ .
حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ ، قال : ساعة من الليل ، صلاة العتمة .
قال ابن زيد في قوله : وَزُلَفا مِنَ اللّيْلِ ، قال : العتمة ، وما سمعت أحدا من فقهائنا ومشايخنا ، يقول العشاء ، ما يقولون إلا العتمة . الواحدي وأقم الصلاة طرفي النهار بالصبح والمغرب وزلفا من الليل صلاة العشاء قرب أول الليل والزلف أول ساعات الليل
إعراب طرفي النهار زلفا:
قال الزمخشري: وانتصاب طرفي النهار على الظرف ، لأنهما مضافان إلى الوقت ، كقولك : أقمت عنده جميع النهار ، وأتيته نصف النهار وأوله وآخره ، تنصب هذا كله على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه . ونحوه وَأَطْرَافَ النهار [
السمين الحلبي : وفي انتصاب " زُلَفاً " وجهان ، أظهرهما : أنه نسقٌ على " طرفي " فينتصب الظرف ، إذ المرادُ بها ساعات الليل القريبة