الطائف / المنطقة المركزية
مسجد حبر الأمة

15/ 7/ 1435هـ


بند الأُجور والتنافس على الرواتب !
بالأمس كنتُ أقرأُ في المغني لابن قدامة ( ت : 620هـ ) تعالى ، المسألة الفقهية المشهورة : من أعطى الزكاة لمن ظن أنه مستحقٌ لها فظهر أنه غير مستحق ! . وأن الراجح عند الجمهور أنه يُجزئه دفعها إليه وإن بان غنياً ، للحديث الوارد في المسألة عند أبي داود في سننه .


وكنتُ أقول في نفسي : سبحان الله ، غنيُّ يرزق غنياً بغير حساب !
في القرآن الكريم هدايات لا تظهر إلا للمتدبِّرين ، كنسبة الأجر والمال لفعل الآدمي في قول الله تعالى : " إنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم ، إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم " ( محمد : 36- 37 ) .


في التعامل الدنيوي الخاص بالأجور ، قد لا يُعطى الموظف امتيازات مالية ووظيفية بسبب محدودية الأجر الذي يعمل على كادره ، فهو يعمل طوال السنة ، وقد لا ينتفع من وظيفته إلا الكدِّ والكدح ! .


في التعامل الإيماني مع الله تعالى تختلف مسألة سُلَّم الأجور، لأنها ليست خاضعة للتفكير المادي البشري . فهي ليست عقود ولا معاملات متعلقة بنظام النسبة ! .
قال ابن كثير ( ت: 774هـ ) تعالى : " لا يسألكم أموالكم : هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئا ، إنما فرض عليكم الصدقات مواساة لإخوانكم الفقراء ليعود نفع ذلك عليكم ويرجع ثوابه عليكم ، ومعنى يُحفِكم : يحرجكم " .
ومن أجل ذلك امتن الله تعالى على عباده بمضاعفة الحسنات ، وهو من الأجور التي لا يمكن تحصيلها في البنود الدنيوية للعمال .كقول الله تعالى : " والله يضاعف لمن يشاء " ( البقرة : 261 ) وقوله : "ومن يتق الله يُكفِّر عنه سيئاته ويُعظِم له أجرا " ( الطلاق : 5 ) .


· وهذه فوائد حكمية تتعلَّق بالأجور وفيها تنبيهات علمية لازمة :
1- ليس كل جهد يلزم منه الأجر المادي ، فقد يكون التعب لتحصيل منفعة دينية أو علمية . كما في قصة موسى مع الخضر : " لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " ( الكهف : 62 )وقد كانت الملازمة للتعليم والإفادة وبدون أجر ، ففيها تربية ربانية أن المسلم يندب له البحث في مناكب الأرض لاتخاذ القدوة لا لمجرد تحصيل لقمة العيش . وعند الأصوليين يتعين ترك الدليل إلى ما هو أولى إذا وجد معارض أقوى منه .


2- من معائب بنود الأجور الدنيوية أن العامل حظُّه منها الحرص على الراحة والاستجمام ، بينما رفيع الهمة وقوي العزيمة غايته في الأجور الشرعية تحصيل مزيد من الأجور بعد الفراغ من العزائم ، لقول الله تعالى : " فإذا فرغتَ فانصب" ( الشرح : 7 ) .


3- في قانون العمال الحقوق مبنية على المشاحة ، فكل يشح بما في يديه لمصلحة نفسه وخوفا أن يحتاج إلى مسألة غيره ، للحديث المرفوع : " قال الله تعالى: " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره " أخرجه البخاري .



بينما في التعامل مع الله تعالى والسعي إليه ، الحقوق مبنية على المسامحة ، لأن الله تعالى سبحانه : " ": يده ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، وقال الحبيب : أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يَغِض ما في يده" .متفق عليه .
فهل من مشمِّر ؟! .


4- المسابقة مشروعة في الأجور الدنيوية والأعمال الإيمانية . فمن سَبق إلى عمل من الأعمال فهو أحق به من غيره .
ولهذا ترد في كتب الفقهاء مسألة : وضع السجادة في المسجد لحجز مكان دون الغير ، وهي من المسائل الشرعية المشتركة مع الأعمال الدنيوية ، فيجوز لمن رأى ذلك إماطة السجادة والصلاة مكانها لأن السبق يُقدَّم على صاحبه .


5- مذهب المنفعة مذهب فلسفي يحكم على سلوك الفرد من خلال منفعته بغض النظر عن مقصده وغايته من عمله . وهو مذهب انجليزي فرنسي يجعل الفرد كالبهائم يتلذَّذ وينفع نفسه بلا غاية ، فلا استقرار ولا مبدأ . وهو مثل القول العامي : كان سيِّدها وصار يطبل بعرسها ! .



6- الرواتب الدنيوية يوصف صاحبها بالخيبة والتعاسة إذا كان الإنسان عبداً لها لحديث: " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم " أخرجه ابن ماجة بإسناد صحيح .
بينما الرواتب الشرعية يوصف صاحبها بالظفر والعاقبة الحسنة لحديث : " لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالأ فسلَّطه على هلكته في الحق .." متفق عليه . ومن لم يؤت مالاً فذكر الله أعظم الأموال التي يتعدَّى نفعها للمسلم وذريته وأهله .


7- الاستقامة وغنى النفس مع العفاف هي مثلث السعادة ، والتنافس فيها من ثمرات التقوى . قال الشاعر :
بلوتُ أمور الناس سبعين حِجةً
وخُبِّرت صرف الدهر في العُسر واليسرِ
فلم أر بعد الدِّين خيراً من الغنِى
ولم أر بعد الكفر شراً من الفقر .


8- يستطيع الإنسان أن يُحصِّل أجوراً مضاعفة لمدة ألف سنة ، بل أكثر إذا نوى الخير للناس ، وسن سنة حسنةً لمن بعده بعمل المعروف .


9- " نحن قسمنا بينهم معيشتهم " ( الزخرف : 32 ) هذه قاعدة قرآنية لمن تأمل ، فلا يجزع أحدٌ من قسمةٍ فاتته ، ولا يطمع أحدٌ لشيٍ في يدِ غيره .


10- من عيوب التعليم العام اليوم – إلا من رحم الله - العناية بالجوائز المادية وإغفال الحوافز الإيمانية ، ولهذا تعلَّق الشبيبة بالماديات وضعف عندهم الميل إلى الإيمانيات ، لأن الأُولى هي الغاية في كل مراحل التعليم ، فلا عجب أن تكثر حوادث الإنتحار والسرقة والجرائم الخلقية . وانتعشت العيادات النفسية لضعف التربية الإيمانية في المدارس ، بل زاد التنافس بين الناس في الذهاب إليها . والله المستعان . ودواء هذه العِلة هو ربط التلاميذ بالإيمان في كل شؤون الحياة ، والإكثار من مجالس القرآن والصحبة الصالحة .


والمقصود مما تقدَّم أن مراعاة الكمال مطلوبة كما هو متقرِّر عند الأصوليين : الكمال الواجب والكمال المسنون ، في الأجور والتنافس على الرواتب الشرعية .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بمعاهد القوات البرية

( منقول )