تحقيق معنى يعمهون في القرآن الكريم
وردت الكلمة في هذه المواضع :
البقرة : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)
في الأنعام 6 وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)
وفي يونس 10 مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
وفي سورة الحجر لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)
وفي سورة المؤمنون وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)
وفي سورة النمل 23 إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4)
أولا معنى العمه لغة :
العمه :
• الأصل الواحد في مادة (ع م ه ) هو : شدة الحيرة وقلة الاهتداء بحيث يعمى القلب عن أي نظر ورأي ، وأصله الأصيل عدم الأمارات في الطريق التي تنصب لتدل: من حجارة ونحوهما ، وأرضٌ عَمْهاءُ : لا أعْلامَ بها، بحيث يتحير سالكها أشد التحير والتردد ولا يدري أين يتوجه قال السرقسطي" يقال: عمه فلان في الأرض، وعمه عمها وعموها وعمهانا: إذا تردد لا يدري أين يتوجه فهو عامه وعمه"، وذَهَبَتْ إبِلُهُ العُمَّهَى : لم يَدْرِ أيْنَ ذَهَبَتْ ، قال رؤبة :
• ومَهْمَهٍ أطرافه في مَهْمَهِ أعمى الهُدى بالجاهِلينَ العُمَّهِ
قال ابن فارس :" (عمه) العين والميم والهاء أصلٌ صحيح واحد، يدلُّ على حَيرة وقِلّة اهتداء. قال الخليل: عَمِهَ الرّجل يَعْمَهُ عَمَهاً، وذلك إذا تردَّد لا يدرِي أين يتوجَّه. قال الله: وَيَذَرُهُم فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأعراف 186]. قال يعقوب: ذهبت إبله العُمَّيْهَى ، مشدّدة الميم، إذا لم يدْر أين ذهبت".

• الحاصل في معنى (العمه) : شدة الحيرة والتردد بحيث يعمى القلب عن أي نظر ورأي ، وتنبهم عليه الأموروالطرق ، وهو ظلمة البصيرة كالعمى في البصر ، وأثره الحيرة والاضطراب بحيث لا يدرى الإنسان أين يتوجه فلا يبقى له سبب يرجعه ، كما هو حال الضال الذي انبهمت عليه الطرق بأرض لا أعلام فيها حائرا عن الطريق ، ويستعمل العمه في الرأي خاصة ، وأما العمى ففيه وفي البصر، فبينهما عموم وخصوص مطلق في الاستعمال وإن تغايرا في أصل الوضع .
• وعمه أبلغ من عامه.
• قال التحقيق :
• الأصل الواحد في المادة هو الحيرة الشديدة بحيث يعمى قلبه عن أي نظر ورأي ، ـ ـ وفي الآيات القرآنية :ذكر العمه بعد تحقق موارد الطغيان والسكرة والتزيين وبهذه المقدمات يتحصل الانقطاع عن سبيل الهدى بالكلية ، فهذه الأمور من الطغيان والسكرة والتزيين إذا استمرت وتداومت في إنسان توجب انصرافا تاما عما كان وعما يخالفها ".
ثانيا : معنى يعمهون في كتب التفسير نأخذ آية سورة البقرةو يمدهم في طغيانهم يعمهون مثالا تقاس عليه بقية الآيات :
يمدهم : يزيدهم ويقويهم ويخليهم فى طغيانهم ، تشبيها بمن أرخى الطّول للفرس أو الراحلة وبمن مدَّ الجيش ومنه مددتُ الدواةَ بالحِبْر والسراج بالزيت ، وإيثارُه على يزيدهم للرمز إلى أن ذلك منوطٌ بسوء اختيارهم لما أنه إنما يتحقق عند الاستمداد وما يجري مَجراه من الحاجة الداعية إليه يمدّ لهم ، ليتنفس خناقها ، ويتسع مجالها. يعمهون حال .
في كتب التفسير قولان في تفسير يعمهون :
القول الأول :
يعمهون أي حال كونهم يعمون عن الرشد في ضلالهم وكفرهم ، يترددون حيارى في أودية الضلال لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا ، ولا يدرون أين الرشاد عامهينَ عن الهُدى فلا يبصرون رُشْدا ولا صوابا ، لا يفيقون من طغيانهم لانبهام الأمور بسبب عَمَى الْقَلْبِ وفقد الحس فلا يبقى لهم سبب يرجعهم عن طغيانهم ، فهم أبداً متزايدو الطغيان، فهم يخبطون كخبط الذي لا بصيرة له أصلاً خبط الذي انبهمت عليه الطرق بأرض لا أعلام فيها حائرا عمهت عليه الطرق فتحير أشد التحير واشتدت حيرته فعمى قلبه عن أي نظر ورأي وانبهمت عليه الأمور بسبب ظلمة البصيرة فلا يدرى أين يتوجه فلذلك لا يقبلون قول النصوح وينقطعون عن الحق بالكلية .
• والمضارع : يدل على أنهم في كل لحظة في خبط جديد ، ، على التجدد والاستمرار والدوام يظلون في طغيانهم عن الحق وعماهم عنه أبدا ، فهم متروكون في عماهم يخبطون ، مخدوعين بمد اللّه لهم في طغيانهم ، وإمهالهم بعض الوقت في عدوانهم حتى يسلمه إلى البوار .
هذا القول اختاره : الطبري والبغوي والواحدي والحرالي والتحقيق والمطعني والآلوسي وابن قتيبة و السعدي وابن القيم وهو إحدى روايتين عن ابن عباس
• وكذا البقاعي والخازن والبيضاوي والصابوني وسيد طنطاوي والشوكاني واطفيش والطوسي في بعض المواضع
• قال ابن كثير : قال الضحاك، عن ابن عباس: فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ في كفرهم يترددون.وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة، وبه يقول أبو العالية، وقتادة، والرّبيع بن أنس، ومجاهد، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد: في كفرهم وضلالتهم.
قال الآلوسي : وقيل : العمه العمى عن الرشد ، وقال ابن قتيبة : هو أن يكب رأسه فلا يبصر ما يأتي ، فالمعنى يعمون عن رشدهم أو يكبون رؤوسهم فلا يبصرون وكأن هذا أقرب إلى الصواب لأن المنافقين لم يكونوا مترددين في الكفر بل كانوا مصرين عليه معتقدين أنه الحق وما سواه باطل إلا أن يقال التردد والتحير في أمر آخر لا في الكفر.
القول الثاني : يعمهون حال كونهم يترددون في البقاء على الكفر وتركه إلى الإيمان ، يترددون هل يبقون عليه أو يتركونه ، هل يعكفون عليه ويلازمونه أم يتركونه ، يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ فِيمَا سَمِعُوا وَرَأَوْا مِنَ الْآيَاتِ ، هَلْ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ، أَمِ السَّحَرُ الَّذِي يَخْدَعُ النَّاظِرِينَ ؟ وَهَلِ الْأَرْجَحُ اتِّبَاعُ الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ ، أَمِ الْمُكَابَرَةُ لَهُ وَالْجِدَالُ فِيهِ كِبْرًا وَأَنَفَةً مِنَ الْخُضُوعِ لِمَنْ يَرَوْنَهُ دُونَهُمْ حائرين مترددين .
اختاره : السمعاني وزاد المسير والنورسي و الراغب في المفردات و السمين الحلبي والبغوي والطوسي والرازي وهميان الزاد والميسر والجلال وابن جزي
وكذا والخازن وحقي وابن عطية ومكي وكذا الطوسي في أكثر المواضع
البقاعي والبيضاوي والصابوني والتحرير وسيد طنطاوي والشوكاني والميزان واطفيش والشعراوي في بعض المواضع والآلوسي في بعض المواضع
وأبو السعود إلا في موضع
الراجح : لا شك أن المتأمل في السياقات التي وردت فيها الآيات يجزم أن التفسير الأول أدق وهو المناسب للسياق ، لأن حال المنافقين المستهزئين مثلا في سورة البقرة ليس حال المتردد في أن يؤمن أو لا يؤمن ، وكذلك كلمة يمدهم, والمضارع في يعمهون ، ثم مادة عمه ترجح الرأي الأول ، وتأمل سياقات الآيات فسيتضح لك أن القول الأول الذي اختاره شيخ المفسرين ومن معه هو الحق والله أعلم .