فساد التشريعات الوضعية

فضيلة الشيخ
محمد بن التجاني المدنيني






بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:


الخطبة [ ] الأولى
الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمِينَ، الذي أَحاطَ بِكُلِّ شيءٍ عِلْماً ووَسِعَ كلَّ شيءٍ حِفْظاً وأَحاطَ بِكُلِّ شيءٍ سُلْطانُهُ ووَسِعَتْ كلَّ شيءٍ رحمتُهُ ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ بَعْدَ إِصْلَـاٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مّنَ ٱلْمُحْسِنِينَد﴾ الأعراف: 56..اللَّهُمَّ لكَ الحمدُ على حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، ولكَ الحمدُ على عَفْوِكَ بَعْدَ قدرتِكَ.. اللَّهُمَّ لكَ الحمدُ كلُّهُ، وإليكَ يُرْجَعُ الأمرُ كلُّهُ عَلانِيَتُهُ وسِرُّهُ أَوَّلُهُ وآخِرُهُ.. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، العزيزُ الغفّارُ، الذي لا يَزُولُ عِزُّهُ ولا يَصْغُرُ شأنُهُ ولا يُقْهَرُ برهانُهُ ولا يَؤُدُهُ شيءٌ مِنْ خَلْقِهِ وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، أَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ، أَكْمَلُ رُسُلِ اللهِ خاتَمُ النَّبِيِّينَ وإمامُ المرسَلينَ.... اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِه.
أمّا بعد فيا أيّها المؤمنون الكرام، يقول الحقّ ﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾الروم:41 والفساد في الأرض شامل لأنواع الفساد كلّه، سواء كان هذا الفساد في المعتقد أو في الأخلاق [ ] أو السلوك، أو في المعاملات، في كل شؤون الحياة ويكون الفساد في الأرض أيضاً بأنواع المعاصي والمخالفات لشرع الله، بارتكاب نواهيه، وتعطيل أوامره
قال مجاهد -- في تفسير المفسدين في الأرض كما ورد في تفسير الطبري (الزنا [ ] والسرقة وقتل الناس وإهلاك الحرث والنسل) وقال الطبري (وأما قوله ويسعون في الأرض فسادا فإنه يعني يعملون في أرض الله بالمعاصي من إخافة سبل عباده المؤمنين به، أو سبل ذمتهم، وقطع طرقهم وأخذ أموالهم [ ] ظلما وعدوانا، والتوثب على حرمهم فجورا وفسوقا)
عندما سأل النجاشي الصحابي جعفر بن أبي طالب: ما هذا الدين الذي قد فارقتم به قومكم؟ أجابه: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، ونسيء الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا... أَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ،وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاء، ونهانا عن الفواحشِ، وقولِ الزور، وأكلِ مال اليتيم، وقذفِ المحصنات..."
الجاهلية كانت مستنقع الفساد والسوء والشرور ومختلف أنواع المعاصي والفجور، الجاهلية لا قيمة فيها للأرحام وللأجوار، الجاهلية انتهكت فيها الأعراض ولا وزن فيها للفقراء وللضعفاء الكبار منهم والصغار... لهذا كلّه كانت جاهلية، لهذا كلّه كانت حياة الإنسان فيها هامشية... لكن ماذا نسمي وضعا نرى فيه اليوم أكثر ممّا كان في الجاهلية؟ اليوم هناك عبدة الشيطان، هناك إباحية ومجاهرة بالمعاصي والمنكرات.. هناك إساءة لأرحام وليس مجرّد قطعها وهناك تشهير وهتك للجار وتنكيل بالضعيف... وفوق كلّ ذلك لا حرج من حماية الأمّهات العازبات، ولا حرج أيضا من إفساح المجال أمام الصدور العاريات، وتشجيع كلّ أشكال التعبير المنافية للقيم وللعادات باسم الحقوق وتحت عنوان الحريات.. أمّا المنقّبات فإنهنّ خطر على المجتمعات والمحجّبات لا يؤمنّ بالحداثة ومتخلّفات، ثمّ لماذا تدفعون بالأطفال [ ] نحو الكتاتيب لحفظ القرآن، إنّه انتهاك للحقوق وتضييق على الحريات... ألم نفهم بعد ذلك أنّنا نواجه أشدّ أشكال الخراب المحدقة بكلّ فرد منّا بعد النجاح في تخريب بنية المجتمع ووحدته؟ ألم ندرك بعد بأنّنا انزلقنا في مستنقع خبيث لا يقارن حتى بما كان يحدث في الجاهلية؟ وإلاّ كيف نفسّر ما وصل إليه حالنا في كلّ البلاد الإسلامية؟ لماذا هذا الذي يحدث لا يحدث إلاّ عند المسلمين؟ هل كلّ ذلك هو ثمن النضال من أجل الحداثة والتقدّم؟ وما هو غنمنا مّما يسمّونه مكاسب وانتصارات الحداثة؟ إطلاق العنان للشهوات والنزوات عبر استدراج المراهقين ودفعهم نحو الإباحية واختراق كلّ الضوابط والتشريع الديني، فيا له من تحرّر، ويا له من تقدّم فتح الباب على مصراعيه لخدشالحياء [ ] وانتشار الموبقات والمعاصي والزنا... اغتيال الشرف وانتهاك الأعراض حتى أنّ الصغار الأبرياء لم يسلموا من الاعتداء... والله إنّ الكلمات لتصطرخ لهول ما تقوله عن فتاة الثلاث سنوات وبنتين دون الإثنتي عشر، وطفلين لم أكبرهما التاسعة من عمره.. وغيرهم ... إنّ العبارات تتفجّع لفظاعة ما تصفه عن اغتصاب القاصرات البريئات الوديعات واغتصاب المحصّنات... ولا تسل بعد ذلك عن أسرٍ كانت هانئة فمُزّق هناؤها تمزيقا وانتهك استقرارها انتهاكا... صغار لا ذنب لهم سوى كونهم صغار، لا ذنب لهم سوى أنّهم يحملون البراءة ولا حيلة لهم أمام مكر الكبار وخداع الأشرار...
أيّها المؤمنون الكرام، هل انتبهتم إلى ما قاله الصحابي جعفر ابن أبي طالب للنجاشي: فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا... أَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ،وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاء، ونهانا عن الفواحشِ، وقولِ الزور، وأكلِ مال اليتيم، وقذفِ المحصنات..."، الشريعة [ ] الإسلامية غيّرت حياة العرب من الجاهلية إلى المدنية وإلى إنسانية راقية محبّة متسامحة متعاونة ومتواصلة، فماذا فعلت لنا الشرائع الوضعية؟ ماذا جنينا عندما تخلّينا عن ضوابطنا الشرعية وعن تربيتنا الإسلامية وعن قيمنا الدينية؟

متابعة القراءة