رؤوسُ أقلامٍ عن رؤوسِ أعلام ([1])

في بداية عام 1416هـ، يممت وجهي شطر كلية أصول الدين بجامعة الإمام بالرياض؛ لدراسة السنة التمهيدية لمرحلة الماجستير، وكان أول درس أبدأ بحضوره يوم السبت، هو درس شيخنا الذي اكتحلت عيني به لأول مرةٍ في ذلك الصباح.

كان التصور السابق في أذهاننا أننا لن نجد مزيداً على ما حصّلناه عن شيوخ بلدي! وكان لهذا التصور المسبق أثره في البدايات، وسرعان ما تلاشى ـ وفي أيام قليلة ـ أمام عِلمه المتدفق، والمُحَقّقِّ في الفن الذي يدّرسه لنا، وهو علم تخريج الحديث الشريف.
لم يكن العلمُ وحده هو الجاذب لاستماع درس شيخنا، بل كان أسلوبه البديع المشوّق لتلقف المعلومة، وفهمها، والحرص على إيصالها بأيسر عبارة، خصوصاً لطالب مثلي الذي انتقل من رواق الشريعة إلى إيوان المحدثين.
إن مما يزين علمَ شيخنا: الورعُ، والوضوح، وعدم التردد في قول: لا أعلم، أو أن المسألة تحتاج إلى دراسة وتتبع واستقراء، وأحياناً يصحبُ جوابَه دعابةٌ معهودة في شيخنا، لا تكاد تفارق دروسَه ومحاضراته، وأذكر مرةً أن أحد الطلاب زعم أن رأي الحافظ ابن حجر (852هـ) في المسألة الفلانية كذا وكذا، فقال الشيخ وهو يبتسم: لا يا بني، أنا سألت ابن حجر ... ثم أفاض في الجواب! فأعجبني أسلوبُه في تصحيح هذه المعلومة، والثقة في ردّها بتتبع كلام ابن حجر فيها.
وقد سألتُه مرةً عن تحقيق فلانٍ لـ"تهذيب التهذيب" لابن حجر، وأنه اعتمد على نسخة في دار الكتب المصرية، فقال لي: يا ابني.. أنا أتحدى أنه رأى هذه النسخة! وأنا أعرف كل ما يخص هذا الكتاب في دار الكتب المصرية.
ولتحقيقه لـ"التهذيب" قصةٌ طويلة، لكن حسبك أن تعلم أنه حقَّقه بمفرده دون مساعد ـ إلا في قراءة المقابلة ـ على ستّ نسخ خطيّة! وبقي يعمل عليه أربع سنوات، حال دون طبعه في المدة الماضية حوائل، لعلها زالت وقرُبَ خروجه.
لقد كان شيخنا يدرّس في تلك السنوات طلابَ مرحلة الماجستير، وهي المرحلة الأولى في الدراسات العليا، للطلاب والطالبات، ولم أكن أدرك المعاناة التي يجدها أستاذُ هذه المرحلة حتى درّست فيها قبل بضع سنوات! خصوصاً مع الطالبات اللاتي يحتجن إلى مزيد عناية وصبر، وتحمّل على ما يوجد من تقصير أو قصور، في ظل غياب وسائل التقنية التي ساعدت على تلافي كثيرٍ من المشاكل المتعلقة بقراءة المسودات وتسليم وردّ ملازم البحوث.
لم يكن شيخنا يباشر العلمَ والتدريس على أنه وظيفة حكومية تبدأ وتنتهي بدوام محدد، بل كان حبُّ العلم والبحث يجري في عروقه، ولو قلتُ إن عمله خارج الكلية أكثر منه داخلها لم أجاوز الحقيقة، فقد قُدّر لي أن أزوره مرةً في شقته في مدينة الرياض إبان تدريسه لنا، فرأيت ما أدهشني؛ فالشقة لا تكاد تجد فيها موضعاً للجلوس، فقد امتلأت من المخطوطات المنشورة على الطاولات وبعضها على الأرض، يكاد الإنسانُ أن ينفر منها لسوء خطوطها وتصويرها، أما شيخنا فعاكفٌ عليها عكوف الباحث الجاد، في جلَد عجيب ذكّرني بما كنتُ أقرأه عن علمائنا السابقين، رحم الله الأموات، وبارك في الأحياء.
وهذا الحب للبحث والتحقيق، أثّر عليه في بعض تعليقاته التي أطال فيها النفَس على بعض الكتب التي حققها، كتعليقه على ترجمة ابن لهيعة في تحقيقه للنفح الشذي، لابن سيد الناس (734هـ) حيث بلغ (71 صفحة)، وفي ترجمة محمد بن إسحاق ـ صاحب السيرة ـ نحواً من 100 صفحة، وأعجب من هذا أن المجلد الثالث ـ وهو لم يطبع بعد ـ بلغ 450 صفحة، ذهبت كلها في التعليق على ترجمة شريك النخغي! وقد سألتُ شيخنا عن سبب ذلك؟ قال: إن ابن سيد الناس نقل أقوال الناس فيه، وذهب وتركها دون ترجيح أو تحقيق! فاضطررت لهذا، بل إني احتجتُ أن أقرأ علل ابن أبي حاتم كاملاً لأقارن بين قوله عنه: "كثير الخطأ" وبين أحكامه التطبيقية عليه في العلل، فلم يظهر لي التوافق بين عبارته المنقولة عنه وبين تطبيقاته في "العلل"، فكان لا بد من توجيه كلمته في شريك.
وهذا المنهج في بسط التراجم ـ وإن خولف فيه شيخُنا من بعض الأشياخ الذين يرون إفراد هذه التراجم ببحوث مستقلة دون إثقال الحواشي بها ـ هذا المنهج ينادي بتدقيقه وتحقيقه، وعدمِ قبوله للأحكام السابقة التي وقع فيها الاختلاف دون تحرير وتحقيق.
عاد شيخُنا بعد سنوات من التعليم، وتخريج عددٍ كبير من الباحثين في كلية أصول الدين بالرياض، عاد إلى أرض الكنانة، وإلى جامعة الأزهر، ولقد كان من فضل الله عليّ وعلى زملائي في تلك الدفعة (عام 1416هـ) أن حظينا بشرف الجلوس بين يدي شيخنا، قبل عودته إلى بلاده وطلابه في مصر.
لقد زرتُ شيخنا بعد عودته في مصر عدة مرات ـ ولله الحمد ـ، وأُشْهدُ الله أنني ما زرته إلا ووجدته أكثر تعلقّاً بالعلم، واهتماماً بالبحث، وعناية بالباحثين، وسؤالاً عن الجديد من الكتب المطبوعة ذات الصلة الوثيقة بالتخصص، يكمّل ذلك خلقٌ عالٍ، وتواضعٌ جمّ، وابتسامةٌ لا تفارق محياه.. ذلكم هو شيخنا الجليل المحدث المحقق أ.د.أحمد معبد عبدالكريم، الفيومي، فسحَ الله في أجله على حسن عمل، وأطال في عمره في نفع المسلمين عامة، والباحثين خاصة.
ولستُ في هذه الأسطر أترجم له، كلا.. فالكبار لا تُخْتصر تراجمهم في بضعة أوراق، بل هي إشارة إلى فضله علي وعلى كثير من الباحثين، قبل أن يرحل عنا ـ بعد عمر مديد ـ فإننا غالباً لا نثني على أكابرنا إلا بعد أن يُودَعوا أرماسهم، ويوسّدوا قبورهم!
اللهم فاجز عنا شيخنا أحمد معبد، وافسح له في أجله، وبارك له في علمه وعمله وذريته وأهل بيته، واجمعنا به في جنات النعيم.



([1]) هذه المقالة بدايةُ سلسلةٍ غير مرتبة زمنياً، أتحدث فيها ـ بإذن الله ـ بين حين وآخر عن أعلامٍ لقيتهم، وفي نشر ذلك عنهم دروس وعبر للأجيال الحاضرة واللاحقة، وليس لمجرد الذِّكر، ولا قصد الترجمة، فهذا باب آخر.




* رابط المقال على الموقع: http://almuqbil.com/play-4513.html