تقرير عن مداخلة التي شاركنا بها في الندوة الدولية حول التجديد في مناهج التفسير التي شهدتها الجامعة الإفريقية بادرار بالقطر الجزائري.

محمد بن عمر
عضو فريق قراءة النص القرآني مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية. وجدة المغرب

التجديد في مناهج تفسير القـرآن الكريـم:
الضوابط والأشكال والأنواع:
· التفسير الأدبي للقرآن الكريم.
· التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
· التفسير المصطلحي للقرآن الكريم.


-إشكــال أولي:
في التراث الإسلامي ملاحظة بارزة وقوية تأخذ كل مهتم ومشتغل ومتتبع للدراسات والبحوث القرآنية بشكل عام. وهي محورية البحث في القرآن الكريم وفي كل ما أنتجته الأمة الإسلامية من بحوث ودراسات وعلوم وفهارس ومعاجم وموسوعات ذات صلة قوية مباشرة بالبحث في القرآن الكريم.
وهذا يعني أن هذه البحوث القرآنية تعكس الجهود العلمية والبحثية الكبيرة التي بذلت في القرآن الكريم وهي الجهود التي لم تبذل في غيره من الكتب سماوية كانت أم غير سماوية. بحيث يتعذر إحصاء أو تقييد أو رصد أو جمع جميع هذه البحوث والدراسات والمؤلفات المنجزة في كل ما له صلة سواء بالتفسير أو تعلق الأمر بالبحوث في القرآن الكريم وعلومه(1).
بناء على هذا المعطى فإن الذي ترسخ في وعي الدارسين قديماً وحديثاً رغم اختلاف التخصص وتنوع التوجه الفكري وتعدد الرؤى واختلاف المذهبيات، والاختيارات والمرجعيات أن جميع العلوم التي نشأت في الحضارة الإسلامية إنما هي علوم اتجهت نحو خدمة القرآن الكريم في جميع جوانبه ومستوياته ومكوناته خاصة ما اتصل بالتوثيق والتحقيق والرسم والقراءة أو ما اتصل بالبيان والفهم والتفسير والاستمداد...(2).
فلما كان الوحي هو مركز المعرفة في التراث الإسلامي. فإن جميع العلوم والمعارف جاءت خادمة للوحي محققة أو مسددة له. فالمعارف بجميع مكوناتها كانت بدايتها و منطلقها هو القرآن الكريم....

التفسير القرآني: الأسئلة والإشكاليات
أخذ التجديد المنهجي في تفسير القرآن الكريم عدة أشكال وأنواع. وإن كانت أغلب هذه الأنواع والأشكال تسعى إلى المحافظة على الأصول، وذلك بمجاوزة التفسير المذهبي الذي فيه يعمد المفسر فيه إلى الانتصار لمذهبه، وعقيدته على حساب النص القرآني خدمة لمعتقده، ومناصرة لمذهبه حتى وإن كانت هذه الخدمة والمناصرة مؤدية، ومفضية إلى مصادرة المعاني الأصلية في النص القرآني، والمجمع عليها بين العلماء في تفسيرهم للنص القرآني. والتوجه إلى إهدار لأهم الشروط الموضوعية، والضوابط المعرفية، والأصول المنهجية التي عليها يتوقف النظر في تفسير القرآن الكريم.(3).
وما يجمع هذه الأشكال التجديدية هو محافظتها على الأصول، و مراهنتها على الضوابط، وتمسكها بالشروط المعهودة بين علماء التفسير، وعدم الخروج عما أصلوه من قواعد وما وضعوه من ضوابط وما أرسوه من أصول ومرجعيات، تخص تفسير النص القرآني مع ضرورة الانفتاح على الواقع بكل إكراهاته وتعقيداته ومشاكله، وتحولاته. دون إغفال أو إهمال ما لعلوم العصر من أثر على العملية التفسيرية. خاصة العلوم الإنسانية الكاشفة للواقع والتي بدورها عرفت تطورا كبيرا في هذا العصر......
فرغم خاصية التميز المنهجي التي يميز كل مفسر في تفسيره للنص وهذا أمر طبيعي، إذا نحن علمنا ووضعنا في الاعتبار البعد الثقافي والبيئي والعلمي للمفسر، وهو ما يجعل لكل مفسر منهجا خاصا يعكس توجهه العلمي والمعرفي في التفسير. فمع ذلك فإن مناهج التجديد في مناهج التفسير الحديثة ظلت محافظة على الأصول ومتمسكة بالضوابط الأساسية والمستلزمات الرئيسية التي يحتاجها المفسر في التفسير.

- تجليات التجديد المنهجي في التفسير:
1- التفسير الأدبي:
من تجليات التجديد المنهجي في تفسير القرآن الكريم توجه مجموعة من المفسرين والمهتمين بالدراسات القرآنية نحو التفسير الأدبي الذي يعمد فيه المفسر إلى إظهار جمالية الأسلوب القرآني مع الاعتماد على الأنماط اللغوية المتميزة والأشكال الأسلوبية والتعبيرية الخاصة والمتنوعة التي يحفل بها النص القرآني، وبها تنكشف جمالية البيان القرآني في الجانب التعبيري والأدائي والتبليغي. فالقرآن الكريم اتخذ عدة وسائل وانفرد بعدة أشكال تخاطبية، وتميز بعدة صيغ أسلوبية في التعبير والإبلاغ والأداء، واستعمل أنماطا متعددة في تركيب المفردات وبناء التعبير، وإعداد الأشكال التركيبية التي جاءت في النصوص القرآنية(4).
وهذا المنحى البياني والجمالي هو ما يعمل المفسر على إظهاره وإبرازه واستكشافه في عمله التفسيري خدمة لأدبية النص القرآني.(5). وإظهارا لجمالية هذا النص وتمييزه عن غيره من النصوص....
والأساس في هذا التفسير هو الاعتماد اللغة العربية، والاستعانة بالبلاغة العربية. لأن القرآن الكريم جاء حاملا لأعلى مستويات الانجاز الكلامي، من هنا يلزم على المفسر ضرورة ووجوبا، أن يكون متمكنا من اللغة العربية، ومتمرسا على البحوث البلاغية. قال ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن: "وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره واتسع علمه وفهم مذاهب العرب واقتناءها في الأساليب" (6)....
وهذه الإشارة هي التي أكدها الدكتور تمام حسان عندما صرح أن فهم النص القرآني وتحصيل ادبيته، وإدراك جماليته في البيان والتعبير يتوقف على مدى استثمار جهود اللغويين والبلاغيين والدلاليين، وما قدموه من بحوث ومساهمات خادمة لهذا العلم...(7).
أندلسي في كتابه المحرر قديما وما قام به تمام حسان في كتابه روائع البيان القرآني وعائشة بنت الشاطئ في كتابها التفسير البياني حديثا…
ومن أبرز المدارس الأدبية التي اشتغلت على التفسير الأدبي في القرآن الكريم المدرسة البيانية التي تنسب لأمين الخولي "ت1966". وقد رفعت هذه المدرسة شعارا مفاده أن القرآن الكريم هو كتاب العربية الأكبر وأثرها الأدبي الأعظم الذي خلد اللغة العربية فصار فخرها ومرجعا في ديمومتها واستمرارها..
فلا مناص للمفسر من التمكن من اللغة العربية وعلومها من أجل إدراك البعد البياني والبلاغي للغة العربية. ومن ثم فإن التفسير الأدبي متوقف على مدى تمكن المفسر من اللغة العربية واللسان العربي لأن باللغة العربية وقع التخاطب كما هو معلوم عند علماء اللغة والأصول على حد سواء...
وقد وضع أمين الخولي كتابا شرح في منهجه في الدراسة الأدبية للقرآن الكريم سمّاه: "مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب.(8)
وكان المرحوم أمين الخولي يرى أن القصد من التفسير هو الكشف عن أدبية النص القرآني.
وقد حدد قواعد هذا المنهج المتعلق بالدراسة الأدبية للنص القرآني في بحث أعده حول "مادة التفسير ونشره في" دائرة المعارف الإسلامية.(9)
وقد اعتبر أمين الخولي أن منهج التفسير الأدبي يقوم على تفسير القرآن تفسيرا موضوعيا بحيث تجمع آياته ذات الموضوع الواحد جمعا إحصائيا ثم يعرف ترتيبها الزمني ومناسباتها وملابساتها ثم يصار إلى تفسيرها بغية الإحاطة بموضوع النص.
وهذا التوجه لا يأتى إلا بخطوتين الأولى دراسة ما في القرآن والثانية دراسة ما حول القرآن. يعني البيئة المادية والمعنوية والثقافية التي نزل فيها القرآن الكريم...(10)
وقد استمر هذا المنهج واخذ في مساره وتطوره عدة تعديلات وتصويبات وتطورات مع أتباع وتلامذة أمين الخولي وعلى رأسهم المرحومة عائشة بنت الشاطئ التي وسعت من دائرة اشتغال هذا المنهج وكشفت عن مجموعة من مكوناته ومستلزماته وأسسه ومبادئه في سياق تنزيلها لهذا المنهج وتطبيق مكوناته على مجموعة من النصوص القرآنية وهو الأمر الذي انكشف في مؤلفاته وبحوثها وكتبها ومساهمتها المنشورة في المجلات والدوريات.
ولقد كشفت الدكتورة بنت الشاطئ عن توجهها وانشغالها بالتفسير البياني للقرآن الكريم فقالت: "وقد شغلتني قضية الإعجاز البياني دون أن اتجه إليه قصدا فأثناء انشغالي بالتفسير البياني والدراسات القرآنية تجلى لي من أسراره الباهرة ما لفتني إلى موقف العرب من المعجزة القرآنية في عصر المبعث ووجهني إلى محاولة منهجية في فهم عجزهم عن الإتيان بسورة من مثله وقد تحداهم والعربية لغته ولغتهم والبيان طوع ألسنتهم وهم بلا ريب قد أدركوا من أسرار إعجاز البيان ما أيأسهم من محاولة الإتيان بلفظ يقوم مقام اللفظ فيه أوان يأتوا بأية على غير الوجه الذي جاءت به في البيان المعجز"(11).
وتشكل اللسانيات وعلم اللغة المعاصر احد الأدوات الخادمة والكاشفة لأدبية النص القرآني. فهي بمقدورها أن تساهم في وضع النص القرآني في إطاره وفي سياقه العام. وهو ما يجعلها لان تكون منهجا خادما لفهم مراد المتكلم ومقاصده العليا..."(12).
ومن ثم فلا احد يشك في أهمية اللسانيات في إبراز أدبية النص القرآني وهذا المشروع هو ما يحاول الكثير إبرازه وإظهاره(13) عن طريق تطبيق القواعد اللسانية على نصوص القرآن الكريم...
وموجب هذه المؤثرات التي تركتها التنظيرات في هذا النوع من التفسير، فلقد ظهرت عدة دراسات وأبحاث علمية وأكاديمية حاولت الوقوف ومدارسة المستويات اللغوية والأدبية والجمالية في القرآن الكريم(14)..-

2- التفسير الموضوعي:
من المناهج التفسيرية المعاصرة التي لقيت عناية فائقة ورواجا واسعا بين المشتغلين والمهتمين بالدراسات والبحوث القرآنية المنهج الموضوعي الذي ينبني على دراسة موضوعات قرآنية معينة، يعرض لها القرآن في عدة مناسبات وفي مواضع متفرقة من سوره وآياته، أو دراسة موضوع بعينه وواحد داخل سورة قرآنية واحدة. ويعمد المفسر إلى ذكر الآيات المتعلقة بالموضوع ويشرحها ويفصل القول فيها.
وقد عرف الدكتور مصطفى مسلم التفسير الموضوعي فقال: "هو علم يتناول القضايا حسب المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر. فهو"(15).
وعرفه الدكتور يوسف القرضاوي فقال: "هو جمع للآيات الواردة في الموضوع في مختلف سور القرآن ثم تصنيفها والاستنباط منها أو التعقيب عليها..."(16)
واختارت الدكتورة عائشة بنت الشاطئ هذا التعريف حين حددت التفسير الموضوعي بأنه: دراسة الموضوع الواحد في القرآن الكريم. فيجمع كل ما في القرآن من هذا الموضوع ويعمل على إدراك الفروق بين الاستعمال اللغوي والقرآني للألفاظ والأساليب في كل موضوع...(17).
والتفسير الموضوعي يأخذ عدة أشكال وصور وأنواع أبرزها استقصاء موضوع بذاته ومتابعة هذا الموضوع في القرآن الكريم من أجل الوقوف على توجهات القرآن ورؤاه في هذا الموضوع و كذا في القضايا التي يعرضها (القرآن الكريم) ولا يتأتى ذلك إلا بجمع الآيات المتفرقة ذات الموضوع المشترك في سورة القرآن الكريم ومدارسة هذا الموضوع حسب المقاصد القرآنية. ولا بأس من لجوء المفسر إلى أسلوب المقارنة بين التوجه القرآني والتوجهات المعاصرة في رؤيتها للموضوع المدروس...
وهذا النوع من التفسير جاء استجابة لمجموعة من التطورات والتحولات التي استحدثت في الحياة المعاصرة. ذلك أن هذا المنهج يمنح المفسر القدرة الكافية على استحضار وتمثل القضايا الفكرية الاجتماعية والسياسية التي يحملها القرآن الكريم، وذلك ومقارنتها بما هو مطروح اليوم من قضايا في النظم الوضعية(18).
والتفسير الموضوعي يكشف أن القرآن الكريم حاز الريادة و لسبق في عرض قضايا العصر...
والتفسير الموضوعي بهذا التحديد لم يظهر إلا مؤخرا وان كانت بوادره وأشكاله وامتداداته قديمة وحاضرة في مناهج المفسرين القدماء، والتي من أبرزها تفسير القرآن الكريم بالقرآن الذي مارسه الرسول في تفسيره وبيانه للقرآن الكريم بناء على أن الأصل في التفسير هو الانطلاق من القرآن نفسه "إذ لا احد اعلم بمعنى كلام الله من الله ...."(19)
ومن التفسير الموضوعي إظهار الوحدة الموضوعية للسورة القرآنية الواحدة. باعتبار أن كل سورة قرآنية تحمل مقصدا قرآنيا بعينه تدور عليه مختلف آيات السورة القرآنية. وهذا ما يكون داعيا إلى دراسة موضوع بذاته من خلال سورة معينة بذاتها(20).
ولتجسيد وحدة الموضوع في السورة القرآنية عمد الشيخ دراز إلى إبراز هذه الوحدة في سورة البقرة التي تعد أطول سورة في القرآن الكريم لكن تبقى "وحدتها في كثرتها"(21).
قال في كتابه النبأ العظيم: "تلك هي سورة البقرة أرأيت وحدتها في كثرتها أعرفت اتجاه خطوطها في لوحتها. أرأيت كيف التحمت لبناتها من غير خلاط يمسكها وارتفعت سماؤها بغير عمد تسندها. رأيت كيف انتظم من رأسها وصدرها وأحشائها وأطرافها. لا أقول أحسن دمية بل أجمل صورة حية..."(22)
وإظهار الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم شكل وجهة بحثية، لكثير من الدارسين والباحثين الذين حاولوا إبراز هذه الوحدة وتجسيدها في سور وآيات القرآن الكريم، وذلك بالكشف عن التماسك الشديد والاتساق الكبير مضمونا وشكلا، بين سور القرآن سواء في الأشكال الأسلوبية أو في المضامين والمعاني، من اجل تمثل هذا التماسك الدلالي في مقاصده. وهو ما يجعل القرآن الكريم وكأنه كلمة واحدة.
وقد استمر وتتابع البحث والاهتمام بالوحدة الموضوعية للسورة القرآنية تحت إسم الوحدة البنائية للقرآن المجيد مع الدكتور طه جابر العلواني، الذي دعا إلى قراءة القرآن الكريم باعتباره نصا واحدا في جنسه، وفي نوعه، وفي نظمه، فهو لا يقبل التجزئة ولا التعضية ولا التشطير ولا التفريق في وحداته. وأكد أن إدراك الوحدة البنائية في سور وآيات القرآن الكريم يساعد على حسن القراءة ودقة التلاوة واستقامة الفهم وتمثل مقاصد القرآن الكريم العليا، واستحضار هذه المقاصد في الحياة الإنسان المسلم اليومية. خاصة في سلوكه..
فالوحدة البنائية التي تعني أن القرآن الكريم بكل آياته وسوره وبكل قضاياه ومواضيعه ووحداته المركبة لهذه القضايا هو في آخر المطاف وحدة موضوعية واحدة متكاملة ومتجانسة من حيث البناء والشكل والدلالة والقصد. فهو متجانس ومتناسق ومتآلف، معنى ومبنى شكلا ومضمونا..(23)
فالقرآن الكريم كما قال جابر العلواني هو "بمثابة الكلمة الواحدة أو الجملة الواحدة أو الآية الواحدة. وإذا كانت قد تعددت آياته وسوره وأجزائه. فذلك التعدد ضرورة لا غنى في التعليم والتعلم"(24).

3-الدراسة المصطلحية:
يراد بالدراسة المصطلحية للفظة القرآنية، هو تلك الدراسة القرآنية التي يعمد فيها المفسر إلى التحقق من الدلالة اللفظية في القرآن الكريم في جميع المواضيع والمواقع التي استعملت فيها تلك اللفظة في نصوص القرآن الكريم، سواء من حيث الإفراد أو من حيث التركيب أو من حيث الوضع المعجمي والاستعمالي. وهذا التحقق من اللفظة القرآنية يعد من أهم الآليات والمداخل المعينة والوسائل المنهجية المساعدة على الفهم والتدبر والتفسير لكتاب الله. فالفهم السليم للنص القرآني لا يتأتى ولا يكتمل كما قالت الدكتورة عائشة عبد الرحمان إلا "بالخدمة اللغوية لألفاظه بمعرفة الدلالة المعجمية للفظ في لغته"(25).
وهذا المعنى هو الذي أكده قديما الإمام الراغب الأصفهاني (ت 502هـ) في كتابه المفردات عندما قال: "إن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة. فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن من كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه... وليس ذلك نافعا في علم القرآن فقط بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع"(26).
ونجد المعنى نفسه عند الإمام عبد الحميد الفراهي الهندي ت 1390هـ في مقدمة كتابه مفردات القرآن الكريم: إذ صرح انه "لا يخفي أن المعرفة بالألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم كلام العرب وبعض الجهل بالجزء يفضي إلى زيادة الجهل بالمجموع... فمن لم يبين معنى الألفاظ المفردة من القرآن أغلق عليه باب التدبر وأشكل عليه فهم الجملة وخفي عنه نظم الأبديات والسور...."(27).
والمسعى المنهجي في التحقق من اللفظة القرآنية، يعود بالأساس إلى ضرورة الفهم لألفاظه ومصطلحات وفق السياق القرآني. إذ من تجليات الإساءة للنص القرآني هو إسقاط مفاهيم جديدة على الألفاظ الواردة في القرآن مما يبعدها ويحرفها عن دلالتها الحقيقية. وهذا احد مداخل الزلل في الفهم والخطأ في التدبر، ولقد نبه ابن تيمية إلى خطورة حمل ألفاظ القرآن على معان دون "نظر إلى ما تستحقه من الدلالة والبيان"(28).

- استنتاج:
لا يعني التجديد في التفسير الخروج عن القواعد والانفلات عن الشروط والابتعاد عن الضوابط والمستلزمات التي يحتاجها المفسر في عملية التفسير. لغاية أن تحقق الرغبات الذاتية للمفسر، ويتحقق التوافق والانسجام بين الرؤى والاختيارات التي يحملها وبين المعاني والدلالات التي جاءت محمولة ومودعة في القرآن الكريم. إن هذا الشكل في التفسير مردود، وعمل مرفوض. بسبب المعطى المنهجي الذي عليه يتوقف تفسير النص عامة والقرآني خاصة، فلا بد في عملية التفسير من استحضار مجموعة من الشروط والضوابط منها ما هو نقلي ومنها ما هو عقلي... كما لا ينبغي في التفسير أن يلجأ المفسر إلى إسقاط اختياراته وأفكاره بالقوة على نصوص القرآن الكريم. فهو يضحي بالنص وبمعانيه في سبيل بلوغ الاختيارات والقبليات الذاتية.....


ـــــــــــــــــــــ
(1) أعلام الدراسات القرآنية في خمسة عشر قرنا للدكتور مصطفى الصاوي الجويني، منشأة المعارف المصرية بالإسكندرية.
- فهرست مصنفات القرآن الكريم في ثلاثة مجلدات. منشورات مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
- التفاسير المطبوعة من القرن الهجري الأول وحتى العصر الحديث. للدكتور ياسر بن إسماعيل راضي. بحث مقدم للجامعة الإسلامية بماليزيا: 2005.
(2) يراجع ندوة الرابطة المحمدية للعلماء "الاستمداد من الوحي" وكانت في مناهج وأصول التفسير. 2008.
- ومؤتمر الجامعة الإسلامية بماليزيا وكان في موضوع: مناهج تفسير القرآن وشرح الحديث النبوي: صيف 2006.
(3) تفسير القرآن الكريم من التوجيه المذهبي إلى التفسير المصطلحي للدكتورة فريدة زمرد. ضمن ندوة الاستمداد من الوحي من تنضيم. الرابطة المحمدية للعلماء ابريل 2008.
(4) البيان القرآني: مفهومه ووسائله للدكتور عودة خليل أبو عودة، مجلة إسلامية المعرفة ع 56، س 14. 2009.
- عربية القرآن الكريم لإبراهيم أصبان مجلة الإحياء. العدد 27 ..2008 .
التجديد في التفسير للدكتور عثمان احمد عبد الرحيم: نظرة في المفهوم والضوابط. منشورات وزارة الاوقاف الكويتية. 2001. (5) التفسير الأدبي للنص القرآني لمصطفى الصاوي الجويني. دار الوادي للطباعة.
(6) تأويل مشكل القرآن لابن قتيلة: 12
(7) مفاهيم ومواقف في اللغة والقرآن للدكتور تمام حسان. عالم الكتب القاهرة: 2010.
(8) طبع هذا الكتاب في دار المعرفة سنة: 1961.
(9) مادة تفسير في دائرة المعارف الإسلامية: 5/365.
(10) أدبية النص القرآني: 44
(11) التفسير البياني للدكتورة عائشة بنت الشاطئ: 5
(12) اثر السياق في فهم النص للدكتور أحمد بودراع. مجلة الإحياء.: العدد 2007.25.
(13) يراجع أعمال الدورة التكوينية: مدخل إلى اللسانيات وعلاقتها بالتفسير. دورة تكوينية على هامش الملتقى الدولي لتطوير الدراسات القرآنية الرياض: فبراير 2013.
(14) يراجع التفسير اللغوي للقرآن الكريم لمساعد الطيار دار ابن الجوزي: 1427ه..
(15) مباحث في التفسير الموضوعي للدكتور مصطفى مسلم: 16.
(16) الصبر في القرآن الكريم ليوسف القرضاوي: 12
(17) التفسير البياني لبنت الشاطئ: 1/3
(18) منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم للدكتور سامرر شواني: 2009، دار الملتقى سوريا 2009
- لمزيد من الإطلاع على المنهجية التي ينبني عليها هذا التفسير يراجع: التفسير الموضوعي لسور القرآن لمجموعة من الأساتذة 10 مجلدات، إصدار جامعة الشارقة: 2010. وهذا العمل الضخم كان نتيجة ندوة دولية اشرف عليها مصطفى مسلم وعقدت بالشارقة سنة2008 .
(19) أضواء البيان للشنقيطي: 1/3
(20) تعد دراسة محمد محمود حجازي "الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم" الصادرة عن دار الكتب الحديثة بالقاهرة: 1970. من أقدم الدراسات التي اهتمت بوحدة الموضوع في السورة القرآنية. كما تعتبر دراسة الدكتور محمد دراز في كتابه "النبأ العظيم" دراسة رائدة في تجسيدها للوحدة الموضوعية في القرآن الكريم عامة وسورة البقرة خاصة.
(21) النبأ العظيم: 200 ..
- لمزيد من البحث في موضوع وحدة الموضوع في السورة القرآنية يراجع: - الوحدة الموضوعية في القرآن والسنة محمد أحمد سعيد الأطرش، دار الإيمان 2008.
- التناسب بين السور في المنفتح والخواتيم للدكتور الفاضل بن صالح السامرائي. دار ابن الجوزي1432ه.
(22) النبأ العظيم: 52
(23) يراجع: الوحدة البنائية في القرآن المجيد. للدكتور جابر العلواني. مجلة الإحياء: العدد: 28.السنة: 2008.
(24) الوحدة البنائية للقرآن المجيد للدكتور طه جابر العلواني: 14، مكتبة الشروق الدولية 2006.
(25) مقدمة في المنهج للدكتورة عائشة بنت الشاطئ: 123.
(26) مقدمة كتاب الراغب الأصفهاني، بتحقيق.
(27) لمفردات القرآنية لعبد الحميد الفراهي: 45
(28) مقدمة في أصول التفسير للشيخ ابن تيمية: 22