" فإذا نهت الشريعة عن مشابهة الأعاجم ؛ دخل في ذلك ما عليه الأعاجم الكفار ، قديماً وحديثاً ، ودخل فيه ما عليه الأعاجم المسلمون ، مما لم يكن عليه السابقون الأولون ، كما يدخل في مسمى الجاهلية العربية ما كان عليه أهل الجاهلية قبل الإسلام ، وما عاد إليه كثيرٌ من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها .
ومن تشبه من العرب بالعجم لحق بهم ، ومن تشبه من العجم بالعرب لحق بهم ، ولهذا كان الذين تناولوا العلم والإيمان من أبناء فارس ، إنما حصل ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف ، بلوازمه من العربية وغيرها . ومن نقص من العرب إنما هو بتخلفهم عن هذا ، وإما بموافقتهم للعجم ، فيما السنة أن يخالفوا فيه ، فهذا وجه .
وأيضاً فإن الله تعالى لما أنزل كتابه باللسان العربي ، وجعل رسوله مبلغاً عنه للكتاب والحكمة بلسانه العربي ، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به ؛ لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط اللسان ، وصارت معرفته من الدين ، وصار اعتبار التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله ، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين ، وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، في جميع أمورهم" .
شيخ الإسلام ابن تيمية : اقتضاء الصراط المستقيم