طعمُ الراحة


لما استقرّت في نفوس البشر هذه الحقيقة: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد: 4]؛ صار البحث عن تخفيف هذا الكَبَد غاية تقارن أنفاسهم .. فهم حين يتعبون في عمل، أو تجارة أو سفر، فأمام أعينهم تلك الكلمة الجميلة: "الراحة"، فطلبُها غاية، وفي الدعاء النبوي الشريف: «واجعل الموت راحة لي من كل شر»([1])، وإذا كان للتعب أثرُه على النفس والبدن؛ فالراحةُ كذلك.. بل لها طعمٌ آخر.
ومن رحمة الله بعباده حين خلقهم في دار العناء، أن فتح لهم أبواباً يَلِجُون منها إلى الراحة.
ولعل كلمة "الراحة" من الكلمات التي تكثر بلفظها ومعناها مع إقبال الإجازة الصيفية على ألسنة الطلاب والمدرسين والبيوت التي عاشت عاماً دراسياً كاملاً.. لكن ما الراحةُ الحقّة؟ أهي ـ فقط ـ راحة البدن من العمل؟ أم هي حصوله على لذات جسدية؟ أم هي فعله لما يرتاح له ضميره؟ أم ماذا؟
لقد طرحتُ سؤالاً على المتابعين في "تويتر"، فأجاب مئات المتابعين بإجابات تؤكد أن الراحة لا تعني ترك العمل والإخلاد إلى النوم والدعة! وهذا مؤشر إيجابي ورائع، بغض النظر عن نوعية هذا العمل الذي يذوق معه الإنسانُ طعمَ الراحة، وقد بلغت هذه النسبة 99% تقريباً.
إن التاريخ والواقع يحدثاننا حديثاً ليس بالأغاليط، أن طعم الراحة يوجد حيث يفعل الإنسانُ ما تطمئن إليه نفسه من قول أو عملٍ قلبي أو بدني، وأن الراحة لا تُبْلَغ إلا على جسر من التعب، فكيف إذا كان هذا الفعلُ طاعةً وقربةً إلى الله؟
فهذا الفاروق يشير إلى صورة من صور الراحة، فيقول: «الزهادة في الدنيا راحة للقلب والجسد»([2])؛ لأن المتتبع لنعيم الدنيا يشقى قلباً وبدناً، وسيموت ولم تنقض نهمته منه، فهو كمن يشرب من ماء البحر.
ووجدها آخرون في تَرْكِ خُلْطَةِ السوء، قال البخاري: "باب: العزلة راحة من خلاط السوء" ثم ذكر حديث أبي سعيد ، قال: جاء أعرابي إلى النبي فقال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: "رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب من الشعاب: يعبد ربه، ويَدَع الناس من شره"([3])، ولهذا قال بعض السلف: أصَبْتُ راحةَ قلبي في مجالسة مَنْ لَدَيْهِ حَاجَتِي. وفي الخلطة والعزلة تفصيل ليس هذا موضعه.
ووَجَدَ الراحةَ قومٌ في السخاء والكرم، قال ابن وهب:«البُخْلُ عَاهَةٌ والسَّخَاءُ رَاحَةٌ»([4])، فيومٌ لا يتاح لهذا النوع من الناس فرصةٌ للكرم والسخاء، يومُ نكد وكدر! ويقابلهم آخرون تماماً، حين يقف ببابهم محتاج وسائل!
ووجدَ الراحةَ آخرون بقوة التعلق بالله، وإخراج الخلق من القلب، فقال إبراهيم بن أدهم: من أراد الراحة فليُخرج الخلق من قلبه حتى يستريح([5]). فمن تَتبع رضا الناسِ وبذل جهده ليبلغ هذه الغاية تعب ولم تنجح مساعيه، وتشتَّت قلبُه بين الوجوه والقلوب، فالخلق لا يكادون يتفقون على طباع أو عادات تُرضيهم جميعاً، فكان من الحزم والعقل أن يجعلَ العبدُ رضا الله غايته الأولى، ثم يجتهد في حسن التعامل مع الناس ما استطاع، والقيام بحق مَنْ له حق، دون قلق أو خوف من عدم رضاهم جميعاً.
ووجد الراحةَ قومٌ في القناعة بما رزقهم الله، وعدم تطلع أنظارهم إلى ما بأيدي الناس، فقد رأوا أن التطلع لا يزيدهم إلا حسرةً وكمداً، متذكرين قول الصادق المصدوق : «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافاً، وقنَّعه الله بما آتاه»([6])، وأيقنوا تماماً أنه لا راحة لطمّاع أو حسود.
وذاقَ "طعم الراحة" بالسعي والعمل الصالح بمختلف صوره وأنواعه.. وجدها قومٌ في القيام من لذائذ الفُرُش لمناجاة الله ..
ووجدها قومٌ في تلاوة كلام الله تعالى والتدبر لمعانيه، وترقيق القلب، واستنزال الدمع عند قراءته..
ووجدها آخرون في تفريج كربة محتاج، وقضاء دَين معسِر..
ووجدها طائفةٌ من الناس في طلب العلم النافع بكرةً وعشيّاً، ومطالعة النافع من الكتب، وتغذية الروح بما سطّرها العلماء والحكماء؛ ليقينهم أنه "لا يستطاع العلم براحة الجسد" كما قال يحيى بن أبي كثير([7]).
وفَقِهَ هذا المعنى جيداً أقوامٌ بحثوا عن الراحة الدائمة المنتظرة في دار الجزاء، فأتعبوا أجسادَهم في هذه الدار؛ بغية راحتها في دار لا تعب فيها ولا وصب، فحينما عوتب الأسود بن يزيد في إجهاد نفسه بالعبادة، وقيل له: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: راحة هذا الجسد أريد([8]). إنه فقه الراحة الأخروية، ولسان حاله يقول:
اغْتَنِمْ رَكْعَتَيْنِ زُلْفَى إِلَى اللَّـ ** ـهِ إِذَا كُنْتَ فَارِغًا مُسْتَرِيحَا

لكن حدِّثني ـ أيها القارئ الفطن ـ:
هل وجد الراحة حقّاً من ذهب زمانُه في غير غايةٍ نبيلة؟ إنما هو استفراغ شهوات القلب والبدن فحسب؟ واستهلاك غالب الوقت في تقليب النظر في القنوات؟ ومتابعة اللهو والعبث؟ يقول محمد بن علي الكتاني: «من طلب الراحة بالراحة عُدِم الراحة»([9]).
وأخيراً .. مهما تنوعت مطالبُ الناس في البحث عن الراحة؛ فلن تخلو هذه الدار من منغصات ومكدّرات:
جبلتْ على كدرٍ وأنت تريدها ** صفواً من الأقذاء والأكدار
لكن المؤمن ـ بنيّته وعمله الصالحين ـ يقلبهما إلى جهادٍ ومجاهدة، وسعي في بلوغ مراد الله حتى يأتيه اليقين، كما قال ابن مسعود : «ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله ، ومن كانت راحته في لقاء الله فَكَأنْ قَدِ»([10]).
وكما قال الإمام أحمد - - للرجل الذي رحل من خراسان (أفغانستان) إلى بغداد، من أجل أن يسال الإمام سؤالا واحدًا:
متى يجد العبد طعم الراحة؟
فقال له الإمام: إذا وضع قدمه على أول عتبة في الجنة.




([1]) مسلم ح(2720).

([2]) الزهد لابن المبارك (ص: 210).

([3]) البخاري ح(6494).

([4]) معجم ابن المقرئ (ص: 263).

([5]) سير السلف الصالحين للأصبهاني (ص: 970).

([6]) مسلم ح(1054).

([7]) رواه عنه مسلمٌ في الصحيح، رقم (612).

([8]) حلية الأولياء (2/ 103).

([9]) الزهد الكبير للبيهقي (ص: 82).

([10]) الزهد لابن المبارك (ص: 7).




* رابط المقال على الموقع: http://almuqbil.com/play-4533.html