من أكثر ما يحير طلبة العلم في بيان إعجاز القرآن الكريم: الإجابة عن سؤال: كيف يكون القرآن الكريم معجزاً لغير العرب بترك معارضة الناس له؟

يقول النورسي مجيباً عن هذا السؤال:

إن أهل العلم والتدقيق الذين يعرفون خواص الكلام ومزاياه ولطائفه تأملوا في القرآن سورةً سورةً، وعشراً عشراً، وآيةً آيةً، وكلمةً كلمةً؛ وشهدوا بأنه جامع لمزايا ولطائف وحقائق لا تجتمع في كلام بشر.. فهؤلاء الشهداء ألوف ألوف، والفصحاء والبلغاء مع شدة احتياجهم إلى إبطال دعوى النبي .

ومع شدة حقدهم وعنادهم له، تركوا المعارضة بالحروف الطريقَ الأسلمَ والأقربَ والأسهلَ، والتجؤوا إلى المقارعة بالسيوف، الطريقِ الأصعبِ الأطولِ، المشكوكة العاقبة، الكثيرة المخاطر؛ وهم بدرجة من الذكاء السياسي، لا يمكن ان يخفى عليهم التفاوت بين هذين الطريقين. فمَن ترك الطريق الأول ـ لو أمكن مع أنه أشد إبطالاً لدعواه ـ واختارَ طريقاً أوقعَ مالَه وروحَه في المهالك.. فهو إما سفيه ـ وهو بعيد ممن ساسوا العالم بعد أن اهتدوا ـ وإما أنه أحسَّ من نفسه العجز عن السلوك في الطريق الأول، فاضطر للطريق الثاني.

فإن قلت: يمكن ان تكون المعارضة ممكنة ؟
قيل
لك: لو امكنتْ لطمعَ فيها ناسٌ؛ لتحريك أعصابهم لها، ولو طمعوا لفعلوا لشدة احتياجهم. ولو عارضوا لتظاهرت للرغبة وكثرة الأسباب للظهور، ولو تظاهرت لوجِدَ من يلتزمها ويدافع عنها ويقول: إنه قد عورض ـ لا سيما في ذلك الزمان ـ.
ولو كان لها ملتزمون ومدافعون ـ ولو بالتعصب ـ لاشتهرت؛ لأنها مسألة مهمة. ولو اشتهرت لنقلتها التواريخ كما نقلت هذيانات مسيلمة.

فان قلت: مسيلمة كان من الفصحاء، فكيف صار كلامه مَسْخرة وأضحوكة بين الناس ؟
قيل لك: لأنه قوبل بما فاقه بدرجات كثيرة، ألا ترى أن شخصاً ولو كان حسناً، إذا قوبل بيوسف لصار قبيحاً، ولو كان مليحاً.
فثبت أن المعارضة لا تمكن؛ فالقرآن الكريم معجز.[1]

--------------------------------

[1] بتصرف عن إشارات الإعجاز، النورسي، ص 180-181.