من طرق تحصيل السكينة في زمان القلق !

الحمد لله الذي ينزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، والصلاة والسلام على نبيه ثابت القلب المتوكل، وعلى آله وصحبه الذين كانوا إذا سمعوا القرآن "تدمعُ أعينهم، وتقشعر جلودهم".
إن الزمان الذي نعيش فيه هو زمان قلق واضطراب، وإن الناس - كل الناس - يبحثون عن الأنس، والطمأنينة، والسكينة، وما يدور حول هذه المعاني .
((وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار، والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده، عند اضطرابه من شدة المخاوف. فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه. ويوجب له زيادة الإيمان، وقوة اليقين والثبات.))[مدارج السالكين: (2/ 471)].
وإن من أعظم طرق تحصيل السكينة،
1- المحافظة على الصلاة:
إن «الصَّلَاةَ نُورٌ» [مسلم: (223)]، ولفظ النور يوحي بالسكينة والهدوء والراحة، إن الإنسان حينما يتحقق بالصلاة، فإن السكينة تغمره، وكيف لا تفعل، وهو يقبل على الله الذي ينجيه من مخاوفه، وهو يقبل على من بيده ملكوت السماوات والأرض .
وقد حث النبي على التزام السكينة في حال الإتيان إلى الصلاة، لتحصيلها، «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». [مسلم: (602)].
و((إذا كان النبي قد أمر بالسكينة حال الذهاب إلى الصلاة ونهى عن السعي الذي هو إسراع في ذلك؛ لكونه سببا للصلاة فالصلاة أحق أن يؤمر فيها بالسكينة وينهى فيها عن الاستعجال.
فعلم أن الراكع والساجد مأمور بالسكينة منهي عن الاستعجال بطريق الأولى والأحرى، لا سيما وقد أمره بالسكينة بعد سماع الإقامة الذي يوجب عليه الذهاب إليها، ونهاه أن يشتغل عنها بصلاة تطوع وإن أفضى ذلك إلى فوات بعض الصلاة، فأمره بالسكينة وأن يصلي ما فاته منفردا بعد سلام الإمام، وجعل ذلك مقدما على الإسراع إليها، وهذا يقتضي شدة النهي عن الاستعجال إليها، فكيف فيها ؟!)). [القواعد النورانية: (83)].

2- القرآن وأثره في حصول السكينة:
وإن القرآن العظيم له كبير الأثر في تحصيل هذه السكينة، وتلك السكينة ((إذا نزلت على القلب اطمأن بها، وسكنت إليها الجوارح، وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش، واللغو والهجر، وكل باطل)) [مدارج السالكين: (2/ 473)].
عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدُورُ وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ». [البخاري: (5011)، ومسلم: (795)].
السكينة .. السكينة يا أهل القرآن
إن المرء ليشتاق إلى قارئ هادئ القراءة إذا سمعته حسبت أنه يخشى الله !
إن الصوت المرتفع قد يجلب مزيدًا من البكاء، لكنه يبعد كثيرًا من السكينة !
ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله !
إن رفع الصوت بصورة مزعجة في القراءة، ليست من سنن الهدي، ((قال قيس بن عباد: - وهو من كبار التابعين -: " كانوا يستحبون خفض الصوت: عند الذكر، وعند القتال، وعند الجنائز " .
وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السكينة، في هذه المواطن، مع امتلاء القلوب بذكر الله، وإجلاله وإكرامه. كما أن حالهم في الصلاة كذلك.
وكان رفع الصوت في هذه المواطن الثلاثة من عادة أهل الكتاب والأعاجم، ثم قد ابتلى بها كثير من هذه الأمة.)) [اقتضاء الصراط المستقيم: (358)].

3- مجالس الذكر
ومن طرق تحصيل السكينة:
حضور مجالس الذكر، وأخصها مجالس المدارسة لكتاب الله ذي الذكر، وفي الحديث: «... وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ...».
كلمات ما أحوجنا إليها!
أجزية غالية وهِبات سنية، لواحدة تكفى لأن يصرف الإنسان جهده كله من أجل تحصيلها.
السكينة = نحن في عالم القلق قلوبنا مرتعبة نخاف من المستقبل، نخاف من أنفسنا، نخاف من غيرنا، نخاف من أعدائنا ...
حتى يكاد الإنسان أن يقول قد أحيط بنا = نحتاج إلى سكينة تدرأ هذا القلق، والله مالكها وهذا شرطها = الاجتماع عليه بشرطه.
التتلمذ على آياته وبيناته، فتح الباب إليه، الأخذ من ينابيع ومتفجرِ الحكمة والبصائر القرآنية.
ما أحوجنا إلى رحمة تحفنا "وهذه موعودة" = تدفع ألوان الشقوة التي امتدت أسبابها للكل.
ما أحوجنا إلى صحبة الملأ الأعلى الحديث يقول : ... وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ... صدقوا الغيب لترتقوا!!.
ما أحوجنا إلى أن يحفنا هؤلاء الملأ الأعلون ففي حفوفهم بنا وحياطتهم إيانا = صيانة من ظلمة الشر، ووقاية من أن تمتد إلينا نزغات الشيطان وظلمات النفس.
ما أحوجنا إلى الرابعة وهي هي سموًا وارتقاءً ... وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ... وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ...
أكبر من كل هذه الهبات.
لأن الله إذا ذكرك وضع حداً لشقوتك وبعدك وجفاءك وحداً لتعاستك وأدرجك ضمن أهله الذين هم أهله وخاصته
اللهم امنحنا من هذه الهبات [من كلام الشيخ / مصطفى البيحياوي] .