ترويحة الجزء الاول

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95)البقرة
هذه الآيات من الجزء الأول من سورة البقرة شبيه بآيات أخرى من سورة الجمعة نتاملهما سويا وهي قوله تعالى " قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) الجمعة
والآيات سياقها سياق التحدي بتمني الموت لهؤلاء القوم وتنتهي كلاهما بنفي هذا التمني سواء في سور ة البقرة بقوله "ولن يتمنوه أبدا" أو في سورة الجمعة بقوله تعالى "و لا يتمنوه أبدا "وقد لاحظ الخطيب الاسكافي في كتابه “درة التنزيل وغرة التأويل" الفرق بين لن يتمنوه ولا يتمنوه ومناسبة كل عبارة لموضعها في السورة بقوله " لن" التي هي للقطع والثبات، ليبطل تمني الموت الذي يبطل دعواهم بغاية ما يبطل به مثله. ألا ترى أنه ليس بعد حصول الدار الآخرة خالصة لأمة من الأمم مقترح،
وليس كذلك الشرط الذي علق به تمني الموت في سورة الجمعة، لأنه قال: (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) (الجمعة: 6) ،
وليس زعمهم أنهم أولياء الله من دون الناس، المطلوب الذي لا مطلوب وراءه، لأنهم يطلبون بعد ذلك إذا صح لهم هذا الوصف دار الثواب.
فكلا الايات في سورة البقرة وسورة الجمعة نفت استحقاق دار الثواب وولاية الله عن قوم بسبب كرههم للموت .
ومعني هذا أن حب الحياة وكراهية الموت يفقد الإنسان قيمتين كبيرتين دار الثواب في الآخرة وولاية الله في الدنيا والآخرة
ترى متى نصل إلى أن يكون الموت في سبيل الله اسمي أمانينا حتي نستحق تلك القيم الكبيرة ان حب الموت هو شعور يملا الوجدان وليس ادعاء بالقول وحب الموت بهذا المعنى لا يعني الضجر من الحياة وكراهيتها وإنما يعني تسخير مقدرات الحياة الدنيا لنوال غايات كبرى عاقبة الدار الآخرة وولاية الله في الدنيا ان هناك غايات في الدنيا لن نحققها الا عندما يكون الموت احب الينا من الحياة فيا هناءة من عاش في هذه الحياة و كان الموت أحب إليه من الحياة .