يقول تعالى "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٨٢﴾المائدة
هذه الاية مثال لاستغلال البعض القران لمواقف سياسية فما تجد احدا يريد ان يتقرب الى النصاري الا ذكرها ومن كثرة استخدامها بهذا الشكل فقدنا النظر الصحيح لها في سياقها واذا اردنا ان نقف على سياسة رشيدة في تناول النصوص القرانية ينبغي ان ننظر اليها في ضوء النصوص المرتبطة بها ومعني هذا اذ اردنا ان نقف وقفة موضوعية مع هذه الاية علينا ان نذكرها في ضوء قوله تعالى" الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٥﴾ وقوله تعالى "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّـهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّـهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّـهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴿٧٢﴾ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٣﴾المائدة وغيرها من الايات المرتبطة بها
بالتامل نجد ان القران الكريم يتعامل مع غير المسلمين عبر دوائر ثلاث لكل منها حكمه.
الدائرة الاولى :- وهي دائرة العقيدة وفي هذه الدائرة يعتبر القران ان من يبتغي غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين فالكفار والمشركون واليهود والنصارى والمجوس ومن لم يؤمن بدين الاسلام فهوفي دائرة واحدة من ناحية العقيدة وهم كفار مخلدون في النار لايفرق القران بينهم في هذه الدائرة .
الدائرة الثانية :- مجال المعاملات فغير المسلمين في مجال المعاملات ليسوا سواء وان كانوا في العقيدة سواء فيفرق القران بين المشركين وبين اهل الكتاب من اليهود والنصاري فاهل الكتاب يجوز الزواج منهم واكل طعامهم ومسالمتهم ما سالمونا ولهم مالنا وعليهم ماعلينا . بخلاف المشركين
الدائرة الثالثة :- مجال المشاعر والاخلاق لكن اهل الكتاب وان جرت عليهم معاملات واحدة الا ان القران يكشف لنا عن مشاعرهم نحونا وانها ليست واحدة في مجال مشاعرهم نحو المسلمين فنجد ان اشدهم عداوة للذين امنوا هم اليهود فقد الحقهم القران في مشاعرهم بالذين اشركوا ولتجدن اقربهم مودة هم الذين قالوا انا نصاري وهنا اختلفت اليهود عن النصاري في مجال المشاعر نحو المسلمين وقد لاحظ هذا التفاوت الفخر الرازي في تفسيره الكبير عند قوله تعالي" لتجدن اشد الناس عداوة للذين امنوا .... الاية 82 المائدة " فقال علة هذا التفاوت أن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا ، والدليل عليه قوله تعالى : ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ) [البقرة : 96] فقرنهم في الحرص بالمشركين المنكرين للمعاد ، والحرص معدن الأخلاق الذميمة ; لأن من كان حريصا على الدنيا طرح دينه في طلب الدنيا وأقدم على كل محظور ومنكر بطلب الدنيا ، فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال مالا أو جاها ، وأما النصارى فإنهم في أكثر الأمر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة وترك طلب الرياسة والتكبر والترفع ، وكل من كان كذلك فإنه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم ولا يخاصمهم بل يكون لين العريكة في طلب الحق سهل الانقياد له ، فهذا هو الفرق بين هذين الفريقين في هذا الباب ، وهو المراد بقوله تعالى : ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون )
ويلاحظ الطاهر بن عاشور معني اخر في هذه الاية وهو ان هذه المناقب التي مدح القران بها النصاري مدحها فيهم وهم ما زالو على نصرانيتهم وليس معناه انهم اصبحوا مسلمين فيقول والمراد بالنصارى هنا الباقون على دين النصرانية لا محالة ، لقوله : أقربهم مودة للذين آمنوا . فأما من آمن من النصارى فقد صار من المسلمين .
فلقد كان النظر الفقهي الذي راعي نظرة القران لهذه الطوائف والتفرقة بين دوائرها المختلفة اقرب الى الصواب ممن خلط الامور كلها بعضها ببعض فلكل منها حكم مختلف .
ولنا ان نتسائل اذا كنا حريصين على نشر الاسلام فايهما اجدي ان يتوفر لغير المسلم ذي المشاعر الايجابية نحو المسلمين اجواء من الوئام والسلام بينه وبين اتباع الاسلام ليفكر في امر اخرته بهدوء وروية -مع وضوح الخطوط الفاصلة في امور العقيدة -ام يفكر في جو مشحون بالتوتر والطائفيةوالاحتقان والعداوة والخوف والفزع ؟
ان التاريخ يقول ان تحول غير المسلمين الى الاسلام كان في اجواء من الوئام والسلام بينهم وبين المسلمين سواء كانت بسبب التجارة او المعايشة ولم تكن ابدا في اجواء الاحتقان والتوتر.