بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنعم علينا بالقرآن ، وما فيه من العلوم والمواعظ ما تستقيم به حياتنا ، وتطمئن به قلوبنا ، والصلاة والسلام على رسول الله الذي كان خلقه القرآن ، وعلى أصحابه الذين كان أحدهم قرآنا يدب على الأرض أما بعد

فهذه وقفات دعا إليها حق التذكرة بين الإخوان، ومناسبة الزمان بقرب شهر رمضان بلغنا الله إياه ، وهي تتعلق بقراءة القرآن ، أشير في طليعتها إلى أمرين :
1.أن القصد من هذه الوقفات ما خفي العلم به ، أو قل العمل به ، فخرج بهذا ماكان معلوما معمولا به عند الأكثر .
2.أنني لم أراع ترتيبا معينا في سردها بل كيفما اتفق ، والجامع هو الفائدة - إن شاء الله - في إطار هذا الموضوع .

الوقفة الأولى : السواك وتطهير الفم .
وهذه - أيها الإخوة - نغفل عنها قبل القراءة ، وقد جاء عن علي أنه أمر بالسواك وقال : قال رسول الله :" إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيستمع لقراءته فيدنو منه - أو كلمة نحوها - حتى يضع فاه على فيه ، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك ، فطهروا أفواهكم للقرآن "
قال المنذري في الترغيب والترهيب 1/102: رواه البزار بإسناد جيد لا بأس به ، وروى ابن ماجه بعضه موقوفا ولعله أشبه .والحديث جوّد إسناده الألباني في الصحيحة 3/215 .
وقال قتادة :" ما أكلت الكراث منذ قرأت القرآن " .
وجاء عن ابن عباس أنه كان يكون بين يديه تور فيه ماء إذا تنخع تمضمض ثم أخذ في الذكر ، وكان كلما تنخع تمضمض . ( القرطبي 1/27 )
قال الآجري :" أحب لمن أراد قراءة القرآن من ليل أو نهار أن يتطهر وأن يستاك ، وذلك تعظيم للقرآن ، لأنه يتلو كلام الرب " ( أخلاق حملة القرآن ص73 ) .

الوقفة الثانية : الانشغال عن قراءة القرآن .
كان السلف يعتنون بالحزب أو الورد اليومي من القرآن عناية عظيمة ، ولهم في ذلك أخبار عجيبة .
أما اليوم فما أقل من قطع على نفسه حزبا يوميا ، وما أقل - من هذا القليل - من يحافظ على حزبه محافظته على الفريضة لايخل به ، بل الواقع أنه يقع الإخلال به لأدنى شغل .
جاء في ( البداية والنهاية ) 9/162 :" قال إبراهيم بن أبي عبلة : قال لي الوليد بن عبد الملك - الخليفة الأموي - يوما : في كم تختم القرآن ؟ قلت : في كذا وكذا ، فقال : أمير المؤمنين على شغله يختمه في كل ثلاث - وقيل في كل سبع قال - وكان يقرأ في شهر رمضان سبع عشرة ختمة " .
وقال أبو العالية : كنا عبيدا مملوكين ، منا من يؤدي الضرائب ومنا من يخدم أهله ، فكنا نختم كل ليلة مرة ، فشق ذلك علينا فجعلنا نختم كل ليلتين مرة ، فشق علينا فجعلنا نختم كل ثلاث ليال مرة ، فشق علينا حتى شكا بعضنا إلى بعض ، فلقينا أصحاب رسول الله فعلمونا أن نختم كل جمعة أو قال كل سبع ، فصلينا ونمنا ولم يشق علينا . ( طبقات ابن سعد 7/113 )
ومما يدل على مواظبتهم ما جاء عن عقبة بن عامر قال :" ما تركت حزب سورة من القرآن من ليلتها منذ قرأت القرآن "
وكان عروة يقرأ ربع القرآن في كل يوم نظرا في المصحف ، ويقوم به بالليل فما تركه إلا ليلة قطعت رجله ثم عاوده من الليلة المقبلة . شعب الإيمان 2/410
ويحكي إبراهيم النخعي عن حالهم فيقول : كان أحدهم إذا بقي عليه من حزبه شيء فنشط قرأه بالنهار أو قرأه من ليلة أخرى ، قال : وربما زاد أحدهم .
ولهذا شرع قضاؤه إذا فات ، كما روى عمر بن الخطاب قال رسول الله :من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل " رواه مسلم .
بل كان أحدهم يتأثر غاية التأثر إذا فاته حزبه ، كما روى أبوداود الجفري قال دخلت على كرز بن وبرة بيته فاذا هو يبكي فقلت له ما يبكيك قال ان بابي مغلق وان ستري لمسبل ومنعت حزبي أن أقرأه البارحة وما هو إلا من ذنب أحدثته . حلية الأولياء 5/79 .

الوقفة الثالثة : الإخلال بالترتيل .
أمر الله تعالى بترتيل القرآن وأكده بالمصدر في قوله : ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)(المزمل: من الآية4) ، ومحل الإخلال الملحوظ في هذا : حينما يقرأ المرء بمفرده ، بخلاف القراءة الجماعية على طريقة الإدارة بالقرآن . فتقع العجلة والهذرمة ، وعدم توضيح الحروف ، وإعراب الكلمات ، وحسن الوقوف على الجمل .
عن حفصة أنها قالت : ما رأيت رسول الله صلى في سبحته قاعدا حتى كان قبل وفاته بعام ، فكان يصلي في سبحته قاعدا ، وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها . أخرجه مسلم - والشاهد آخره -
وعن يعلي بن مملك أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله وصلاته ، قالت : مالكم وصلاته ، ثم نعتت قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا .أخرجه أحمد والترمذي والنسائي بسند صحيح
وجاء رجل إلى ابن عباس فقال : إني سريع القراءة وإني أقرأه في ثلاث ، فقال : لأن أقرأ البقرة فى ليلة فأتدبرها وأرتلها أحب إلى من أن أقرأ كما تقول . أخرجه البيهقي وغيره
وقال رجل له : أني رجل سريع القراءة وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين ، فقال ابن عباس : لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إلى من أن أفعل مثل الذي تفعل ، فإن كنت فاعلا لا بد ، فاقرأه قراءة تسمع أذنيك ويعيه قلبك . أخرجه البيهقي
وعن الشعبي قال : إذا قرأت القرآن فاقرأه قراءة تسمع أذنيك ويفقه قلبك ، فان الأذن عدل بين اللسان والقلب . أخرجه ابن المبارك في ( الزهد )




الوقفة الرابعة : الخشوع حال القراءة .
إلى الله المشتكى من قسوة القلوب التي لاتوجل، وقحط العيون التي لاتدمع حال قراءة القرآن ، ورحم الله القائل :
ولو أن عينا ساعدت لتوكفت
سحائبها بالدمع ديما وهطلا
ولكنها عن قسوة القلب قحطها
فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا
قال تعالى ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر:23)
وقال ربنا سبحانه : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16)
وقال : ( وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (الاسراء: 106- 109 )
فحسبنا هذه الآيات السالفات ، وخبر النبي مع ابن مسعود في قراءته سورة النساء مشهور عند الجميع .
وهكذا كان سلف الأمة من الصحابة فمن بعدهم كما جاء عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال : قلت لجدتي أسماء : كيف كان يصنع أصحاب رسول الله إذا قرأوا القرآن ؟ قالت : كانوا كما نعتهم الله تعالى ؛ تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم . قلت : فإن ناسا ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية ، فقالت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهما

الوقفة الخامسة : التفاعل مع القراءة .
وهذا من أسباب التدبر ، وحضور القلب حال القراءة .
ومن صور ذلك : السؤال والتعوذ والتسبيح في مواضعها ، كما في قصة صلاة حذيفة مع النبي وفيه : " يقرأ مترسلا ، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح ، وإذا مر بسؤال سأل ، وإذا مر بتعوذ تعوذ " رواه مسلم
وعن ابن عباس أنه قال : " إذا قرأ أحدكم ( سبح اسم ربك الأعلى ) فليقل : سبحان ربي الأعلى ، وإذا قرأ ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) فليقل : اللهم بلى ، أو : اللهم سبحان ربي بلى " أخرجه البيهقي في الشعب .
وعن عائشة أنها كانت إذا قرأت ( فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ) قالت : اللهم من علي ، وقني عذاب السموم . أخرجه البيهقي في الشعب
والأمثلة في هذا كثيرة
ومن صور التفاعل : أن تتصور توجه الخطاب لك مباشرة ، وأنك المعني بالكلام .
ومن صور التفاعل : تكرار الآية ، وإمرارها على القلب ، كما كرر النبي قوله تعالى : ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:118) .
والله أعلم .