بسم الله الرحمن الرحيم
كيف التوفيق بين قسم و وعد من الله تعالى؟

قال تعالى :" وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا" مريم: 71، و قاال جل في علاه:" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ،لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ" الأنبياء: 101-102.
ففي الآية الأولى قسم من الله تعالى أنه ما من أحد إلا سيرد النار لا محالة، و في الثانية وعد منه سبحانه لمن كتبت له السعادة بأنه مبعد عن النار حتى أنه لا يسمع حسيسها.
و لا ريب أن ما أقسم الله تعالى عليه لا بد أن ينفذ كما أن وعده لا يخلف، فكيف إذن التوفيق بين هذا القسم و هذا الوعد؟
من المعلوم أن العلماء اختلفوا في معنى الورود المذكور في سورة مريم على أقوال أشهرها قولان:
- فمنهم من قال أن المراد الدخول، فيدخلها كل الناس، لكن المؤمنين تكون عليهم بردا سلاما، بخلاف الكفار الذين يخلدون فيها، و الورود قد يأتي بمعنى الدخول و الولوج كما في قوله تعالى:" لو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ"الأنبياء: ٩٩، و قوله:" يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ"هود: ٩٨.
- و منهم من قال أن المراد بالورود الاقتراب، فالكل يقترب منها، و ذلك عبر المرور على الصراط المنصوب فوقها، فينجي الله المؤمنين و يسقط فيها الهالكون، و قد يأتي الورود بمعنى الاقتراب، كما في قوله تعالى:" وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ" القصص: ٢٣.
و لعل وجه الجمع و التوفيق أن يقال:
إذا كان المراد بالورود الدخول، فإن من سبقت لهم الحسنى يدخلون النار تحلة القسم، لكنها تكون عليهم بردا و سلاما، فلا يسمعون حسيسها و إن كانوا فيها، و الله على كل شيء قدير، فابراهيم الخليل دخل النار لكنها كانت عليه بردا و سلاما فلم يشعر بحرها و لم ينزعج بصوتها.
و إذا دخلوها بهذه الكيفية فهم في الحقيقة مبعدون عنها، أي مبعدون عن عذابها و ألمها و حرها و زفيرها-أعذنا الله منها-.
و إن كان المراد بالورود المرور على الصراط، فلا إشكال إذ إنهم يمرون عليها بسرعة فلا يشعرون بحرها و لا يسمعون حسيسها.
و الله أعلم و أحكم.