يقول تعالى " فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴿الأعراف: ١٦٦﴾
جاءت هذه الاية بمناسبة ذكر قصة اصحاب السبت في قوله تعالى" وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٣﴾
وهذا هوالموضع الوحيد في القران الذي اوردالقصة كاملة التي كانت مناسبة لمسخ المنحرفين قردة خاسئين وباقي المواضيع كانت تشير فقط على وجه العظة او التأنيب فقد ورد في سورة البقرة الحديث عن مسخهم قردة دون تفصيل لطبيعة الاعتداء في السبت وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴿البقرة: ٦٥﴾كما ورد موضع سورة المائدة مضيفا الى مسخهم قردة مسخهم خنازير ". قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّـهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّـهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴿المائدة: ٦٠﴾
وقصة القرية التي كانت حاضرة البحر التي اعتدت في السبت هي ان بني اسرائيل بعد ان اختاروا يوم السبت ليعظموه ، امتحنهم الله فيه بترك العمل وحرم عليهم الصيد فيه.فكانت الحيتان تخرج يوم السبت ولا تخرج الأيام الأخرى، فاحتالوا لها أول الأمر فحبسوها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، فنهتهم فرقة منهم عن هذا العمل فتمادوا، وقالت فرقة أخرى لم تعظون قوماً الله مهلكهم. فلما رفضوا عاقبهم الله تعالى بالمسخ، فتحولوا إلى قردة خاسئين أذلة صاغرين. وقيل تحولوا الى قردة وخنا زير ودعونا نتامل في الاية
الوقفة الاولى -في تحويلهم الى قردة يحتمل أن يكون بتصيير أجسامهم أجسام قردة مع بقاء الإدراك الإنساني وهذا قول جمهور العلماء والمفسرين ، ويحتمل أن يكون بتصيير عقولهم وطباعهم الى طباع وعقول القردة مع بقاء الشكل الادمي وهذا قول مجاهد والعبرة حاصلة على كلا الاعتبارين . والأول أظهر في العبرة لأن فيه اعتبارهم بأنفسهم واعتبار الناس بهم بخلاف الثاني والثاني أقرب للتاريخ ؛ إذ لم ينقل مسخهم في كتب تاريخ العبرانيين
الوقفة الثانية- الموقف الذي تم فيه المسخ وهو التحايل على الحكم الشرعي وفكرة التحايل على الاحكام الشرعية تنشا عند قوم يريدون الانفكاك عن الاحكام الشرعية ويابون الالتزام بها لكنهم يصرون على صورة التمسك بالاحكام ورفع شعار التدين مع تفريغ هذا الشعار من مضمونه فلايكون امامهم الا الحيلة على الاحكام الشرعية فالصورة صورة الملتزم والمضمون مضمون المنفلت وهذا الصنف موجود في كل قوم ترى الواحد يابي الالتزام بالدين وحريص ان تكون صورته صورة المتدين
وانا اميل الى قول مجاهد في ان الشكل الادمي ظل هو لكن الطباع والعقول والتصرفات هي طباع القردة والحنازير و واذا راجعنا طباع القردة لوجدنا انها هي طباع تميل الى التقليد المضحك والخفة والرعونة ومسخ الشخصية وكثرة الرقص والرعونة كما ان طباع الخنازير من البلادة والخسة والقذارة كانت هي الطاغية عليهم وهذا الجزاء جزاء وفاقا فهم طلبوا ان تكون صورتهم صورة الملتزمين المتمسكين بالكتب ومضمونهم مضمون المنحرفين فكانت صورتهم صورة الانسان وطبيعتهم وعقولهم طبيعة القردة والخنازير في التصرفات التي ذكرناها
الوقفة الثالثة -ان القران يشير الى احتمال تكرار هذا المسخ في اي وقت لدي اي قوم فعلوا افعالهم وليس قاصرا على بني اسرائيل فقط فاي قوم يمكن ان ينحرفوا ويريدون ان تظل صورتهم صورة الملتزمين يعتزون بالدين مظهرا وشكلا ويحاربونه مضمونا وروحا هؤلاء تتغير طبائعهم بمرور الوقت الى طباع القردةوالخنازير وهذا تهديد ورد في سورة النساء"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ مَفْعُولًا ﴿٤٧﴾ ومعروف كيف لعن الله اصحاب السبت .
فانترى اناس في صورة البشر وعقولهمعقول القردة من الخفةوالرعونة وطباعهم طباع بليدة قذرة تسعد وتنعن بالقاذروات وتفرح لها فاعلم ان تلك سنة الله قد مضت في عباده وخسر هنالك المبطلون .