يقول تعالى "وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٣٦﴾ مع جمال التراكيب اللغوية في هذه السورة فقد ابدع هذا الجمال القراني في رسم صورة كاملة للمجتمع الذي عاش قيه سيدنا يوسف ودعونا نتامل هذه الاية لنري كيف اسهم جمالها البياني في رسم صورة ناطقة للمجتمع وقتها
الاية تقول انه اجتمع ثلاثة فتيان في زنزانة واحدة يوسف وصاحباه فلننظر كيف رسمت الاية من خلال هؤلاء الثلاثة ملامح المجتمع .
اما الاول وهو يوسف فقد اظهر لنا منظومة العدالة المعوجة المهترئة فقد ارتكبت امراة العزيز الجريمة ولفقتها ليوسف " قالت مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٥﴾ " واثناء التحقيق ظهرت الادلة الفنية العلمية والثبوتية الظاهرة للعيان ببراءة يوسف "وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴿٢٦وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴿٢٧فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴿٢٨يوسف" الا انهم راوا بعدظهر ادلة البراءة الناصعة عليه بالسجن "ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ ﴿٣٥﴾ فقد لفظ القضاء وقتها ما تعلموه من اصول العدالة وصمت اذانهم عن صوت البراءة واستمعوا فقط لاوامر الجهات السيادية "وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ ﴿٣٢﴾ فالحكم هوحكم امراة العزيز وقد وقعت عليه وامضته جهات القضاء وقتها
تمت مساومة يوسف على الجريمة فرفضها وتمت مساومته على غلق الملف وعدم التحدث فيه مع احد فرفض الا اظهار الحقيقة " يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴿٢٩﴾" بل رفض الخروج من السجن الا بعد اظهار ماكتموه من براءته "فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴿٥٠﴾
ومن ثم كان مصيره السجن وهذا هونظام العدالة في هذا المجتمع اطهرته الايات الكريمات باحسن تصوير واجمل اسلوب
اما صاحباه فقد رأيا كل منهما رؤيا عبرت عما كان يدور من اضطراب مجتمعي وقلب للموازين الاجتماعية فيه .
الاول كان يحلم ان يصنع الخمر رمز اللهو واللعب والمتع والشهوات واما الاخر فكان يحلم ان يحمل الخبز رمز الحياة والنماء فوق راسه لتاكل منه الطيور وهذه مشاعر هذا الفتي نحو المخلوقات جميعا ان يحمل لها الخبز فوق راسه ليطعمها من جوع فكيف كانت مشاعره نحو المحتاجين من بني البشر وكيف كانت مشاعره نحو الانسانية عموما وانظر الى المفاجاة التي فسرها يوسف لهما الذي حلم بعصر الخمر وصناعتها فقد اصبح من المقربين لدوائر السلطة اذ يساعدهم في امتاعهم والعب من شهواتهم " يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ " والذي يحلم باطعام المحتاجين حتى من الطيور فقد حكم عليه بالاعدام " وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿٤١﴾
وبهذا فقد اظهرت لنا هذه الزنزانة التي جمعت ثلاثة فتية في ريعان شبابهم ملامح رئيسية في هذا المجتمع مجتمع غابت فيه منظومة العدالة فالقضاء لايحكم بالعدل بل باهواء السادة الكبراء ومجتمع اضطربت فيه القيم والموازين الاجتماعية فاصحاب المتع والشهوات واللهو واللعب هم المقربون من دوائر السلطة وهم من ينعمون بالحياة الرغدة واصحاب الهموم الاجتماعية والمشاعر الانسانية الراقية الحانية على الجميع بما فيها الطيور هؤلاء يصلبون ويعلقون على اعواد المشانق .
كان لابد ان يصير هذا المجتمع بهذا الشكل الى الانهيار وهي رؤيا الملك الذي فسرها يوسف بعد ذلك في الايات التي بعدها ولنا فيها لقا ء اخر مع الجمال والبيان في سورة يوسف .