يقول تعالى " نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴿١٣﴾ الكهف
سورة الكهف حملت أربعا من أعاجيب القصص أصحاب الكهف وصاحب الجنتين وموسى مع العبد الصالح وذي القرنين لكن تظل قصة أصحاب الكهف هي مفتاح السورة ومحورها وبها تسمت السورة باسمها ونعلم أن اسم السورة توقيفي ومن هنا تأتي محورية هذه القصة لسورة الكهف كما أن السنة ربطت بين هذه السورة والوقاية من الفتن أو الوقاية من الدجال باعتباره اخطر أنواع الفتن .
أن المتأمل في التراكيب الأسلوبية للآيات نجد أن هناك ثلاث محاور ركزت عليها قصة اصحب الكهف في القران وهي محور القضية ومحور العدد ومحور الزمن فاصحاب الكهف كانوا اصحب قضية ارتبطوا بها وصارت عنوانا عليهم " انهم فتية امنوا بربهم وزدناهم هدي "فـهم فتية شجعان… اقوياء بعقيدتهم وبنفوسهم وبسلوكهم وتصرفاتـهم… إلى درجة قيامهم بشق عصا الطاعة ضد الباطل. استمدوا قوتهم من ربهم ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبـِهِم﴾ ورفضوا الانسياق مع عادات قومهم في الشرك وخاضوا نضالا ضد الباطل من اجل الوحدانية لم يفت من عضدهم او يضعف من عزيمتهم ذلك التهديد الذي تلقوه من قومهم "انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم او يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا اذا ابدا "
اما المحور الثاني الذي اهتم القران بابرازه فهو قضية عددهم من بداية القصة الى اخرها فقد ذكر القران انهم فتية "بجمع القلة " فتبين انهم قلة ثم عرض القران موضوع عددهم باعتباره قضية شغلت الناس قديما وحديثا وكثر فيها الجدال والتخمين "سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا ﴿٢٢﴾ وبين القران انهم لم ينقصوا عن ثلاثة ولم يزيدوا عن سبعة اذ ذكر القران بعد العدد ثلاثة وخمسة عبارة رجما بالغيب التي لاتدل عن علم ويقين ولم يعقب بعد العدد سبعة بشيء بما يستنبط انه العدد الصحيح ان محور العدد في القصة ابرز كيف استطاعت الفئة قليلة العدد ان تكسر الخلل في موازين القوى بين الحق والباطل وقتها وكيف شكلت تصدعا مهما في جدار الباطل فصمود هذه القلة والتي لم يزدعددهم عن سبعة اشخاص وتماسكها امام الباطل دون اعتبار للخلل في موازين القوى وقتها كان بداية انهيار هذا الباطل وربما يكون اول ما يفتن المؤمن كثرة اعداد اتباع الباطل والترهيب بكثرةجنوده وهوما تجاوزه اصحاب الكهف ولم يضعوه في الحسبان .
والمحور الثاني هو محور الزمن وقد اهتمت السورة بعنصر الزمن بشكل ملحوظ ففي بدايتها ضرب الله عليهم في الكهف سنين عددا وفي النهاية حدد القران الزمن بدقةبالتقويم الشمسي والقمري " وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴿٢٥﴾" وفي اثناء القصة ابرز القران انعدام بالزمن في شعورهم " قالوا لبثتنا يوما او بعض يوم " فثلاثمائة سنين وزيادة كانت تساوى عندهم يوما او بعض يوم كما اظهرت القصة توقف الزمن بالكلية عندهم فلم تجري عليهم تغيرات الزمن فملابسهم واشكالهم وهيئاتهم وكلبهم الباسط ذراعية بالوصيد كل شيء على حاله يوم ان دخلوا الى الكهف قاموا فوجدوا كل شيء كما هو لم يتغير لقد توقف الزمن عندهم قومهم فقط الذين تغيروا تحولوا من الشرك الى الايمان سقط الظلم والطغيان وهلك الملك الظالم الذي ظن ان الزمن قد توقف عنده واستعاد الناس من ذاكرتهم قصة الفتية الذين شقوا عصا الطاعة عن الباطل باعتبارهم جزءا من ماضيهم ليفاجئوا انهم ليسوا من الماضي بل ما زالوا في الحاضر قصة اصحاب الكهف دلت ان الزمن توقف عند الفتية ولم يتوقف عند الملك الظالم فدارت عليه الايام واليالي واصبح جزءا من الماضي اما الفتية الذين امنوا وعاشوا قضية الايمان وواجهوا الباطل بشجاعة هم فقط الذين توقف الزمن عندهم ليظلوا هم الحاضر والمستقبل .
فهؤلاء هم فتية الكهف الذين آمنوا بربهم وأعلنوا البراءة مما سواه فواجهوا الحرب والعداوة من قومهم (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ).
وربما اشتد الظلم والباطل في وقت من الاوقات على قلوب المؤمنين وربما تضخمت دولة الباطل وانتفشت حتى يظن الظان أنها لن تزول الا أن دولة الظلم حتما ستنتهى وسيتجاوزها الزمن اما الفئة المؤمنة فهي التي سيتوقف الزمن عندهم ليظلوا من الحاضر وفى غمضة عين يضع المؤمن جنبه وقد استفرغ الوسع وانقطعت به الأسباب متوسلاً الرحمة والرشد فى علم الله المحيط فما يفيق إلا وقد تحقق وعد الله .
الزمن جزء من الفتنة التي تعصمنا منها سورة الكهف المفتونون فقط هم الذين يقولون متى هو ؟ المفتونون فقط هم الذين يمسكون الساعة لربهم ويقولون طال الوقت اما المؤمنون فاحساسهم بالزمن منعدم فقط يعيشون في كهوف الايمان وقد نشر الله لهم من رحمته وهيئ لهم ربهم من امورهم مرفقا لايشغلهم السؤال عن الزمن ولم يجادلوا فيه كثيرا " ربكم اعلم بما لبثتم " حتي يتحقق وعد الله (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) وعد الله بالبعث بعد الممات ووعده بالنصر والغلبة لعباده المؤمنين فى هذه الدنيا (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ )