ترويحات قرانية من سورة النور
يقول تعالى"اللَّـهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّـهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّـهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٣٥﴾
هذه الاية جديرة بالوقوف عنها لانها اولا سبب تسمية السورة " سورة النور " ولانها ثانيا لاتفهم الا بعد تعمق طويل وتامل في تراكيبها اللغوية واخيرا ماسر ورود هذا المثل في وسط الايات التي تضمنت العديد من الاداب الاجتماعية والاحكام التي تناولتها السورة الكريمة
وبداية فالاية بينت ان الله نور السموات والارض ثم ضربت مثلا لهذا النور ويبين حقيقة ان الله نور السموات والارض والمقصود بالنور هنا معنى مجازي وهو الهداية والايضاح ولايمكن اطلاقه على المعنى المادي للنور الذي هو عبارة عن ذرات مادية فالله منزه عن الاعراض والاجسام وأفضل إطلاقات النور في اللغة بهذا المقام أن يراد به جلاء الأمور التي من شأنها أن تخفى عن مدارك الناس وتلتبس فيقل الاهتداء إليها
والاية بها افانين عجيبة في توضبح الاحكام والاداب التي تناولتها السورة .
فجملة " الله نور السموات " جملة معترضة بين قوله تعالى ولقد انزلنا ايات مبينات وبين "مثل نوره كمشكوة " فبعد ان تناولت الايات العديد من احكام الزنا واللعان والقذف ثم دخول البيوت والاستئذان فيها ثم ايات غض البصر وحفظ الفروج وغيرها من الاحكام والتي ختمت " ولقد انزلنا اليك ايات مبينات " اي ان هذه الاحكام واضحة بينة كمثل مشكوة فيها مصباح فايات القرآن نور كما قال تعالى : وأنزلنا إليكم نورا مبينا " ," قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " لكن الاية بهذا المثل توضح هنا كيفية الهداية بهذه الاحكام حتى يسهل على المكلفين استيعابها وتنفيذها وتحويلها الى واقع معاش وقد تحقق هذا بالمثل الذي ضربته سورة النور ولك ان تسال لم لم يضرب الله مثلا بالشمس او بالقمر مع زيادة نور هذين عن المصباح ؟ لان المقصود ليس فقط بيان وضوح هذه الاداب ولكن ايضا بيان كيفية استنباطها وتطبيقها وتحويلها الى سلوك ونحن نرى نور الشمس لاننكره ونقر بعظمته وشموله لكن لانرى كيفة عمل الشمس وليس لنا دور فيه بخلاف المصباح اذ المقصوود ذكر ما حف بالمصباح من ادوات كما اننا لنا دور في اضاءة المصباح وتجهيزه وكذلك الاحكام لاتضيء بين الناس الا بدور بشري فعال يقوم على اعدادها كما نقوم على اعداد المصباح وذلك ليتسني كمال التشبيه وقدكان التشبيه تشبيه حالة بحالة وتشبيه اجزاء المشبه باجزاء المشبه به وفي هذا كمال التشبيه كما هومعروف في فن البلاغة
ولنري اجزاء التشبيه الذي جائت به الاية الكريمة
فالبيان الالهي للاداب الواردة بالسورة في دقته وانضباطه واحاطته بالمعاني والحفاظ عليها من التشتت وحمياتها من سوء الفهم والتاويلات الغير سائغة وإحاطة الدلالة بالمدلولات دون تردد ولا انثلام ، يشبه المشكاة في حفظ المصباح من الانطفاء مع ما يحيط بالقرآن بحفظ الله له : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . ومعاني الهداية والإرشاد تشبه المصباح في التبصير والإيضاح ، وايضاح الحقائق من ذلك الإرشاد وسلامتها من الشك واللبس يشبه الزجاجة في تجليتها لنور المصباح , ومصدر هذا البيان وهو الوحي بشقيه القران والسنة يشبه الشجرة المباركة التي تمد هذا المصباح بالزيت الذي يتوقد ويضيء.
ورفع الحرج والتيسير على عموم المكلفين يشبه توسط الشجرة بين طرفي الأفق فهو وسط بين الشدة المحرجة وبين اللين المفرط
ودوام ذلك الإرشاد وتجدده هو وصف الشجرة بالمباركة التي تعني الزيادة الدائمة وعدم النفاد التي تضمن دوام هذا المدد الالهي دون انقطاع .
وقيام النبي بين الامة ببيان الاحكام وتطبيقها على نفسه كما في حادثة زواجه من زينب بنت جحش في تحريم التبني وحادثة الافك بالنسبة للسيدة عائشة والتي نزل بعدها حد القذف ومع ما في الواقعتين من مساس بشخص النبي الا انه تحمل ذلك في سبيل وصول الاحكام صافية لالبس فيها وكان ذلك يشبه صفاء الزيت ونقائه الذي كاد يضيء ولو لم تمسسه نار كما أن استخراج الزيت من الشجرة يحتاج الى بذل جهد يشبه اجتهاد علماء الدين في استنباط الاحكام لأن استخراج الزيت من ثمر الشجرة يتوقف على اعتصار الثمرة وهو الاستنباط.
لقد كانت اية النور بالمثال الذي ضربته لهدي الله في الاداب والاحكام في سورة النور مبينة لجميع الاليات والادوات والاشكالات والعقبات وكل ما يحيط عملية الارشاد بشان التطبيق والتي ينبغي الا يغفلها الدعاة والعلماء وهم يسيرون بين الناس بالنور الدفاق والذي هو من نور الله الذي وسع السموات والارض .