يقول تعالى "وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿١٧﴾ حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٨﴾ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴿١٩﴾
سورة النمل سميت بهذا الاسم بمناسبة هذه الاية " حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ "
والحقيقة اننا نحرم انفسنا من خير كثير عندما نتترس بالاكتفاء بالقوف عند بعض الايات بالتحليل وبيان وجوه الاعجاز دون النفاذ الى هذه الايات في ضوء سورتها التي وردت فيها ان تناول كثير من الدارسين لاية سورة النمل يمثل نموذجا لهذه الدراسات غير الرشيدة سواء قديما اوحديثا عندما وقفوا على هذه النملة ذكر ام انثى وعقدوا عندها الابحاث والدراسات وحديثا ممن شغلوا بما سمي بالاعجاز العلمي عندما عكفوا على الصفة التشريحية للنمل ومساكنه .
ودعونا ان نتجاوز قليلا هذا النوع من الدرسات لنفهم الاية في سياقها .
تبدأ الاية باللفظ "حتى" الغائية التي لابد من النظر الى ماقبلها وهو " وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿١٧﴾ هذه المملكة العظيمة وهذا التفوق الحضاري الذي تعرضه السورة لسليمان للنبي والمؤمنين في العهد المكي كانت تلميحا للمسلمين بالدور الذي يعدهم الله لهم في المستقبل وهي قيادة البشرية , فهناك امة سبقتهم من المؤمنين ملكت اطراف الارض قامت في تفوقها على العلم وليس على الجهل و الخرافة والدجل " وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٥﴾ تاتي هذه الاية تقول ان العلم عند سليمان وصل به حدا حتى سماع حديث النملة لاقرانها محذرة لهم من سليمان وجنوده ان العجيب ليس في ان تقول نملة ياايها النمل ادخلوا مساكنكم لايحطمنكم سليمان وجنوده " اذ ان القران اخبرنا ان المخلوقات حولنا عبارة عن امم منظمة تسير على قوانين منتظمة وليست عشوائية " وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴿٣٨﴾ "فليس عجيبا ان تقول النملة للنمل محذرة وموجهة بل العجيب هو سماع قولها وفهمه من سليمان وهوما جعله يتبسم ضاحكا من قولها ويقول " رب اوزعني ان اشكر نعمتك "
ان الغرض الرئيسي في الايات هو اظهار التفوق العلمي الذي وصل اليه سليمان والذي كانت ذروته سماع قول النملة لاقرانها موجهة ومحذرة .
لقد عرضت السورة مايدور بمملكة النمل تحت قيادة نملة كما عرضت ما يدور بمملكة سبأ تحت قيادة امرأة وكلاهما جعلهما الله تحت بصر ونظر سليمان وهذا من فضل الله عليه
وهاتين الامتين التين عرضتهما السورة متجاورتين امة النمل وامة سبأ اظهرتا تفوق علم سليمان وعدله وتواضعه لله ونسبة الفضل اليه .
اما الاولى فقد تبسم ضاحكا من قولها واستشعر نعمة الله عليه واما الثانية فقد بدأ في التحقق من خبر الهدد والتواصل معهم عبر كتابه الكريم الذي ارسله اليهم يامرهم فيه بالدخول في الاسلام وعدم التكبر والغطرسة وكلا المملكتين بفضل الله كانت امامه وبعد رؤية كل منهما شكر الله واعترف بفضله فقال بعد كلام النملة " َوقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴿١٩﴾ " وقال بعد رؤية عرش ملكة سبأ " قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴿٤٠﴾
سورة النمل تتحدث عن العلم وضرورته في انشاء الممالك " وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ " وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ﴿٤٢﴾ " والذي احضر عرش الملك هو رجل العلم وليس رجل الخرافة والجهل.
في سورة النمل تفوق رجل العلم على عفريت الجن " اي الحاذق من الجن " فالممالك تقوم على الاسباب وليس على الخوارق .
كما اظهرت السورة قيمة العدل واثره في بقاء الممالك وزوالها فقيمة العدل اظهرتها قصة النملة عندما قالت " وهم لايشعرون " فلو كانوا يشعرون ما اقدموا على ذلك لانهم قوم ينتشر العدل بينهم واظهرته قصة الهدهد عندما لم ياخذ سليمان تحرياته واقواله مأخذ الصدق دون تحقيق مع استبعاد الكذب على الهدهد لانتفاء دواعيه وانتفاء مصلحة الهدد في تلفيق الاخبار لكن منظومة العدالة المحكمة لاتتلقي اي خبر دون النظر في صدقه من كذبه " قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٢٧﴾ " وظهرت قيمة العدل ايضا في تعامل سليمان مع الملكة عندما ارسل لها كتابا يبين لها الحق من الضلال " ان يتقدم بجيوشه عليها فمن العدل الانذار قبل العقاب " اذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴿٢٨﴾
واخيرا السورة -اذا تجاوزنا بعض السياسات غير الرشيدة في التعامل مع القرآن- تبرز اهمية قيام الملك على العدل والعلم فقيادة العالم ، التي تنبه السورة المسلمين اليه وهم ما زالوا في العهد المكي لن يتحقق دون ان يمتلك المسلمون معالم حضارية قوية من العلم والتكنولوجيا والقوة المادية والقوة العسكرية، وانتشار قيم العدل بينهم وقبل ذلك وبعده الايمان بالله والتواضع له والتوجه له بالشكر والفضل وعدم استخدام هذه القوة في العلو في الارض بغير الحق والاستكبار والظلم كما فعلت الامم الغابرة
ان هذه السورة تخاطب الذين يفهمون الإسلام على أنه صلاة ركعتين وبكاء العينين والتصدق بدرهمين - على أهمية ذلك - لا بد أن تقترن بأسباب قيادة الدنيا وإدارة الأرض وفق منهج الله.
هذه السورة تقول لنا باختصار: يا أمة محمد، لن يكون لكم احترام ودور مميز بين الأمم دون أن يكون لكم تميز حضاري، في اقامة العدل وعدم الظلم حتي لوكان على نملة .