يقول تعالى "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤﴾ القصص
وردت هذه الاية بشان يوسف في سورة يوسف ولكن بدون "واستوى "وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٢٢﴾ يوسف
ومعرفة الفرق بينهما سهل ميسور اذا تاملنا مهمة ورسالة النبيين الكريمين اذ ان المهام التي اقبل عليها موسى بعد ذلك كانت تحتاج الى قوة في البدن مثل حادثة الرجلين الذين وجدهما يقتتلان عندما دخل المدينة او حادثة السقيا لبنات شيخ مدين ومن ثم وصف موسى ب"القوى الامين "اما يوسف فكان يحتاج قوة في نفسه اكثر من قوته في البدن وهوصموده امام اغراء واغواء امراة العزيز ولذلك وصف يوسف ب" حفيظ عليم"
ولنتامل الاية سواء بشان يوسف اوموسي
الملاحظ ان موسى ويوسف هما فقط من دون باقي الانبياء الذي اورد القران حديثا مفصلا بشأن نشأتهما الاولى منذ الولادة وحتي الرسالة فقد تعرض لهما القران منذ الولادة وحتي الرسالة بشي من التفصيل وكان الحديث بشانهما في المراحل الاولى متقارب الى حد بعيد فلقد اخرج يوسف بسبب حقد اخوته من بين احضان ابويه ليلقي في الجب ومن الجب الى قصر الملك عبدا مملوكا قال سيد القصر لامراته وقتها "عسى ان ينفعنا اونتخذه ولدا "وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ 00000000﴿٢١﴾ يوسف .
وكذلك موسى اخرج من بين احضان امه بعد الولادة مباشرة بسبب ظلم الفرعون ليلقي في اليم ثم ينقل الى القصر لتقول سيدة القصر وقتها ايضا ذات العبارة " عسى ان ينفعنا اونتخذه ولدا "وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾القصص
ونأتي الى الحديث عن سيدنا موسي في هذه السورة الكريمة .
بعد حديث القران عنه " وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤﴾ "بعده هذه الاية مباشرة يأتي قوله تعالى " وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ﴿١٥﴾القصص
للأسف الشديد قصص الانبياء عند بعض كتاب السير التي لوثت باخبار بني اسرائيل تورد حادثة قتل موسى لاحد الرجلين في المدينة باعتبارها وخطيئة لموسى تنقص من شأنه ويعتذر بسببها موسى عن الشفاعة يوم القيامة وهذا افتراء على سيدنا موسى وانتقاص من قدره الذي رفعه الله فقط مسايرة لقوم سمعتهم سيئة في احتقار الانبياء بل قتلهم الانبيا ء وقد نهينا ان نجاريهم في ايذائهم للانبياء خصوصا في موسى " "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّـهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّـهِ وَجِيهًا ﴿٦٩﴾الاحزاب
ان التأمل في الأيات بهدوء يتبين لنا ان القران بعد ما ذكره عن موسي بانه قد بلغ اشده واستوى اتاه الله حكما وعلما ويقول وانه من المحسنين بعد هذه الشهادة الربانية لموسى من رب العزة ياتي الحديث مباشرة " وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ"
بما يعني ان هذه الواقعة من دلائل الحكم والعلم والاحسان الذي اتاه الله لموسى وينبغي ان نفهم واقعة قتل الرجل في هذا الاتجاه اي في اتجاه مناقب موسى لا في اتجاه الذنب والنقيصة لموسى .
ومما يؤكد هذا الفهم ان الذي عيره بواقعة القتل هو فرعون اذ قال له في أول موقف واجهه موسى بعد ان كلفه الله بالرسالة " قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴿١٨﴾ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿١٩﴾الشعراء
يعيره الفرعون بانه قد رباه صغيرا وبانه قاتل وهارب من جريمتة فانظر ماذا كان رد موسى على الفرعون .
بشان بجريمة القتل "قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴿٢٠﴾ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٢١﴾ الشعراء , أي اني فررت لا لأني ارتكبت جريمة بل لغياب العدالة عندكم فررت من الظلم ولو كانت هناك عدالة تحقق في سبب ظلم الرجل للرجل ودوافعي لانقاذ رجل مظلوم قتلت من اجله رجلا ظالما من غير قصد مني للقتل ولكن انقاذا للمظلوم لو اعلم ان عندكم عدالة لما فررت فكانت الفعلة ادانة لنظام فرعون وليس ادانة لموسي بعد ان غفرها الله له وجعله من المرسلين .
كما رد موسى بشان منة الفرعون عليه بتربيته وليدا بأنها ادانة للفرعون وليس منة منه اذ هي دليل انه كان يقتل الاطفال دون ذنب اوجريرة سوى اضطهاد عنصري بغيض لبني اسرائيل اذ لولم يكن يذبح الاطفال ما اضطرت امه ان تلقيه في اليم خوفا عليه من فرعون وجنوده لقد كانت واقعة تربيته لموسى دليلا على اجرام فرعون وبشاعته وليس دليلا على رحمته ومنته ورعايته كما يريد ان يصوره الفرعون .
ومن ثم نريد ان نتامل الواقعتين في ضوء حديث القران عنهما لا في ضوء الاسرائليات الملوثة بإيذاء وإحتقار الانبيا ء .
اما الرجل الذي قتله موسى دون قصد منه فكان في حالة استضعاف من شيعة الفرعون استعاث بموسى الذي يصنعه ربه على عينه للقيام باكبر عملية تحرير في التاريخ لشعب مضطهد مظلوم "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٤﴾ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥﴾القصص
ولا يمكن ان يكون هذا الشخص الذي يعد لتلك المهمة الضخمة ان يرى مظلوما مستضعفا من شخص اخر ويقف مكتوف اليدين حتى لو كانت القوانين وقتها تمنع ذلك حتى لوكان النظام وقتها قاسيا وانظر الى التعبير القراني الذي عطف الوقائع بالفاء" -فوجد فيها - فاستغاثه الذي- فوكزه موسى - فقضى عليه " هذه وقائع متتالية لايفصل بينها زمن هذا هو الرجل الذي تسري الغيرة الشديدة في عروقه بشان حقوق المستضعفين ومن هنا فان الواقعة اظهرت مناقب لموسى وليس نقائص له كما زعم القصاص وكتاب السير المتأثرين بالاسرائيليات.
اما الواقعة الثانية فهي عندما ورد ماء مدين ووجد عليه امة من الناس يسقون "وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣﴾ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴿٢٤﴾القصص
ورغم ان موسى كان متعبا مرهقا من سفر طويل جائعا كان يأكل اوراق الشجر كما تقول بعض الروايات الا أنه لم يتحمل ان يرى امراتين ضعيفتين تنتظر بعيدا حتى يفرغ الرعاة من سقي اغنامهم فقط لانهما امراتين ضعيفيتين فتحرك موسى الذي يعد لنصرة الضعفاء و قال لهما ما خطبكما 0000 فياتي العطف بالفاء "فسقى لهما " كان سريعا غير متردد فكان في مساعدته للمراتين سريعا وفي توليه الى الظل لراحته كان متراخيا "ثم تولى الى الظل "
هذا هو ماضي الرجل الذي سيقود اكبر عملية تحرر لشعب مضطهد يظهر من هذه الاية وماتلاها من وقائع ان الرجال الذين يؤهلون لمهام كبري يبدا التاهيل من اول حياتهم ويظهر ذلك في ماضيهم .
للاسف الشديد لقد غفلنا عن هذه الحقيقة القرآنية ووثقنا في رجال سقطوا علينا فجأة ادعوا النضال والاصلاح ليس لهم ماضي في ما يدعون اليه حتى اذا جاء وقت الجد باعوا قضية امتهم في اول موقف اختبار هل نتعلم من التاريخ او نتعلم من حقائق القرآن نأمل ذلك اللهم علمنا ما ينفعنا .