يقول تعالى : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ﴿٦٠﴾ مَّلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ﴿٦١﴾ سُنَّةَ اللَّـهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ﴿٦٢﴾ الأحزاب
تحدث القران باسهاب عن المنافقين في سورة التوبة والتي من اسمائها " الفاضحة" كما افرد القران بإسمهم سورة كاملة "سورة المنافقون" وطبعا تحدثت عنهم سورة الاحزاب والدور الذي لعبوه في خزوة الاحزاب
ونلاحظ هنا ان اسهاب القران في الحديث عن المنافقين يكون بعد ازمات المت بالمسلمين فسورة التوبة كانت بعد غزوة تبوك والتي سميت غزوة العسرة وما لعبوه من دور في هذه الغزوة وكذلك سورة الاحزاب كانت بعد غزوة الاحزاب والحالة التي وصل اليها المؤمنون اذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وسورة المنافقون كانت بعد غزوة بني المصطلق وفيها قال عبد الله بن ابي أما والله (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل) ثمّ أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم ببلادكم وقاسمتموهم أموالكم، والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم.
لكن الملفت للنظر في موضع الاحزاب ان السورة تحدثت عن ثلاثة اصناف " المنافقون " "والذين في قلوبهم مرض " "والمرجفون في المدينة " والرأي الذي نميل اليه من بين المفسرين ان الثلاثة انواع هم من المنافقين .
وقد اوضحت سورة البقرة في حديثها عن المنافقين ان "في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا" اما سورة الاحزاب فقد انفردت بالنوع الثالث " المرجفون في المدينة " وهذا النوع بهذا الاسم لم ياتي الا في هذه السورة وهو ما يدعونا الى التامل
و لكي نفهم معنى المرجفون .. وهى جمع مرجف.. تعالوا معنا نتدبر مادة (رجف) التي وردت في القران
1-" فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿الأعراف: ٧٨﴾
1-. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿الأعراف: ٩١﴾
3- وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ﴿الأعراف: ١٥٥﴾
4- فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿العنكبوت: ٣٧﴾
5-. لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ﴿الأحزاب: ٦٠﴾
6- يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا ﴿المزمل: ١٤﴾
7. يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴿النازعات: ٦﴾
وهي كما رايت تعني الاهتزاز بشدة وهي تعبر عن حالة عند المنافق في داخله وتاثيره ايضا في المجتمع فالمنافق شخصية مهتزة مرتجفة وتقوم بهذا الارجاف وهذا الاهتزاز في المجتمع .
إن النفاق يبدأ بمرض قلبي يزداد هذا المرض مع التمادي في النفاق" فزادهم الله مرضا " ومتي استحكم واستفحل هذا المرض من صاحبه تأتيه نوبات من الرجفة.. والقشعريرة.. عندما يمارس النفاق .. وبالتالي يصبح مرجِفاً إسم فاعل.. لفعل النفاق.. فتصيبه الرجفة الجسدية.. كما تصيبه الرجفة العقلية بمعنى أن عقله لايستقر على عقيدة معينة او قيمة أخلاقية دينية معينة.
والمرجف يمارس النفاق بسرعة الرجفة ... أو الذبذبة .. دلالة اكيدة على عدم الاستقرار القلبي أو النفسي للمنافق المُرجِف. الذي هو سريع التحول من النقيض إلى النقيض حسب الحاجة إلى ذلك الأمر . لمن يدفع له أكثر لمن يغدق عليه .. مالا أو منصباً أو سلطة..
لذلك فالمرجف (المنافق سريع النفاق والتحول من النقيض إلى النقيض) تجده في شتى الأماكن والأزمان ..يقدمون الخدمات لمن يحميهم ويرفعهم اجتماعيا ويثريهم.. ولا أحد يفعل لهم ذلك إلا الحاكم المستبد وجنوده وبالتالي فولاءهم الأكبر يكون للمستبدين وقد ينافقون باقي أفراد المجتمع اذا كان سيعود عليهم منه نفعا مثل الادوار التي يقوم بها الفنانون في اعمال حسب مزاج المجتمع وقديتراجعوا عنها بعد ذلك كل حسب مقدار ما يتحصلون من منافع." منقول بتصرف عن موقع أهل القرآن.
فالمنافق الذي وصل الى هذه الحالة من الارجاف يصبح مجردا من اي قيمة صالحة او عمل نبيل يمكن ان يقوم به بل يصبح مثل الريشة التي تتجاذبها رياح المصالح والمنافع لاشان له بالقيم والمباديء او الاخلاق والعقائد .
والقران في موضع الاحزاب يتوعد جميع انواع المنافقين من اول النفاق الى الارجاف يتوعد هؤلاء بانهم في حالة عدم رجوعهم عما هم فيه فان الله سيسلط عليهم رسوله والمؤمنون بانه سيضعهم في مواقف تهتك عنهم استارهم ويكونون مستحقين لعقوبات ظاهرة ولن يمكثوا في المدينة طويلا اذ توعد الله ان يقطع دابرهم وقد يكون معنى الاية ايضا ارشاد للمؤمنين بتطهير المجتمع المؤمن منهم وعدم تمكينهم من بث الارجاف في صفوف المجتمع وأن تتكون لدي المؤمنين حاسة كشف هؤلاء واكتشافهم .. وتحذيرهم في البدء .. حتى يتوبوا إلى الله تعالى.. ولا يفسدوا في المدينة .. او سيكونون في عداد الهالكين .. إن لم يرجعوا عن نفاقهم ومرضهم القلبي ورجفانهم..