ورد اسم سيدنا سليمان في القرءان الكريم في ست عشرة ءاية في سبع سور، هي سورة البقرة والنساء والانعام والانبياء والنمل وسبأ وص
وقد بدأ حديث القران عن سليمان في سياق المنة والهبة من الله لداوود تكريما له " وَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿٣٠﴾ص" كما من على موسى باخيه هارون " وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ﴿٥٣﴾طه" وجاء سياق الحديث عن داود في معرض تذكير نبينا محمد بالصبر على الكافرين وما هم فيه من عزة وشقاق اي تعنت وتصلب في المواقف " اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿١٧﴾ ص . وقد وصف الله داود بانه اواب وكذا سليمان نعم العبد انه اواب ثم تعرض القران لحديث الفتنة التي تعرض لها سليمان بالمؤكدات اللام وقد " ولقد فتنا سليمان" بما يجذب الانتباه الى هذه الفتنة خصوصا اذ المتبادر الى الذهن من الوهلة الاولى ان سليمان وهوالملك وابن الملك والنبي ابن النبي قد كان في منأى عن العنت والايذاء الذي لاقاه اخوانه من الانبياء وكان في بسطة من العيش لم يتخللها عنت ولا ارهاق باعتباره مولود في بيت النبوة والملك لكن القران يلفت نظرنا الى انه لم يكن بدعا من الانبياء في تعرضهم للمحن والتي صبروا عليها ففازوا بحسن العاقبة " وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّـهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣٤﴾الانعام "
أشار القران الكريم إلى الفتنة التي تعرض لها سليمان –عليهالسلام– بقوله تعالى " وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴿٣٤﴾ص
وقد كثرت الأقوال في سبب هذه الفتنة، وحكيت في كتب التفسيرأقوال لا تتفق وعصمة الأنبياء، ولا يمكن أن تكون قد حصلت من سليمان –
ومن هذه الأقوال إن سليمان تزوج بامرأة من بنات الملوك،فعبدت الصنم في داره،ولم يعلم بذلك فامتحن بسبب غفلته عن ذلك!!!
وقيل: انه تزوج امرأة يقال لها جرادة، وكان يحبها حبًا شديدًا،فاختصم إليه فريقان أحدهما من أهل جرادة، فأحبّ ان يكون القضاء لهم ثم قضى بينهم بالحق!!!
وقيل: إنه احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد!!!
وقيل: إنه تزوج جرادة وهي مشركة، لأنه عرض عليها الإسلام فقالت اقتلني ولا أَسلم!!!
وقيل: لما ظلم الخيل بالقتل سلب ملكه!!!
وقيل: إّنه قارب بعض نساءه في شيء من حيض وغيره!!!
وقيل: إنه أمر أن لا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج من غيرهم .
وكل هذه الأقوال مردودة ، إذ لا دليل موثوقًا به عليها ، ثم إنّ كثيرًا منها يتعارض وعصمة الأنبياء، والمكانة السامية التي اختصهم الله تعالى بها!!!وهي من اخبار الاسرائيليات المليئة باحتقار الانبياء وايذائهم وليس غريبا عليهم ذلك الامر فقد قتلوا الانبياء بغير حق فلايستبعد عليهم ما دون القتل من الكذب والافترا ء والبهتان
وفي تقديري لو تعاملنا مع الانبياء بمنهج القران باعتبارهم اصفى الناس واطهر الناس واكمل الناس وهم قدوة البشر في الطريق الله وهم الذين خصهم الله بالاصطفاء الالهي والسموالبشري أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ٩٠﴾الانعام" لو تناولنا سيرتهم بمنهج القران ما خطر على بالنا ان نتناول ايا منهم بهذه الطريقة إنّ كتاب السير عندما قالوابهذه الأقوال قالوا بها لأنهم رهنوا عقولهم لاخبار الاسرائيليات ولتفسير واحد لهذه الفتنة وهو أشد قبحًا وأكثر إساءة من هذه الأسباب!!! - ولوأنهم تحرروا من الارتهان لتلك الروايات المتهافتة في الفتنة، لمااحتاجوا إلى ذكر هذه الأسباب التي يردها العقل، ويعارضهاالنقل!!!
اقوال المفسرين في الفتنة التي تعرض لها سليمان والراجح لدينا منها
ان المتتبع لاقوال المفسرين في هذا الأمر يتحصّل على أربعة أقوال:
1-القول الأول: ذهب كثير من المفسرين أنّ هذا الجسد الذي ألقاه الله على كرسي سليمان هوشيطان اسمه صخر، وكان متمردًاعليه غير داخل في طاعته. قالوا: إن الله ألقى شبه سليمان عليه،وما زال يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان، وذلك عند دخول سليمان الكنيف (الحمام فأخذ الخاتم من امرأة من نساء سليمان،وقعد على سرير سليمان أربعين يومًا.
هذه اشهر الروايات في كيفية ذهاب خاتم سليمان وملكه وهناك رواية أخرى تقول : إن سليمان –– كان جالسًا على شاطيء البحر، فوقع منه الخاتم فذهب ملكه
وقد ردّ المحققون من العلماء هذه الروايات واعتبروها من أباطيل الإسرائيليات، ودسائس الزنادقة على أمة الإسلام. اذ كيف يتصور العقل أن يتمّثل الشيطان بصورة نبّي يلتبس أمره على العامة، بل وحتى على نساء سليمان نفسه-؟ وكيف يتجرأإنسان على القول أن ذلك
الشيطان كان يجامع نساء سليمان ؟؟ هل يبقى من هيبة النبوةومكانة الرسالة شيء بعد ذلك؟؟؟
وقد سمى الإمام الفخر الرازي هذه الروايات بروايات أهل الحشو.
2- القول الثاني:إن المراد بالجسد الملقى على كرسيّ سليمان هوولد لسليمان، وأنه لما ولد اجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ابن لن ننفك مما نحن فيه من البلاء والسخرة، فتعالوا نقتله أو نخبله، فعلم سليمان بذلك فخاف على ولده، فأمر الريح أن تحمله وتضعه في السحاب، فعاقبه الله!!!على تخوّفه من الشيطان، فلم يشعر إلا وقد وقع ابنه ميتًا على كرسيه وهذه الرواية مردوه أيضًا إذ أنها تقدح في عصمةالأنبياء!!! فالأنبياء من أشد خلق الله تعلقًا بالله وتوكلا عليه،وما كان سليمان ليخشى الشياطين على ولده وهم مسخرّون له،وهم في قبضته، وتحت إمرته!!! وما سمعنا أو علمنا أنّ أحدًا من خلق الله رُبّي في السحاب!!! فهذه الرواية تناقض العقل ولا يسعفها النقل!!!
3-القول الثالث:ذهب كثير من محققي العلماءالقدامى، وأكثر المفسرين المعاصرين، إلى أن فتنة سليمان بالجسدالذي ألقي على كرسيه، هي الواردة في الحديث الصحيح الذي رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن رسولالله"قال سليمان بن داود -- لأطوّفن الليلة على مائة امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه:قل: إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل منهنّ إلا امرأة واحدة جاءت بشق إنسان. والذي نفس محمد بيده لوقال: إن شاء الله، لم يحنث،وتكون الفتنة بناء على هذا الحديث هي: نسيان سليمان قول "إن شاء الله "وبالتالي عدم تحقق رغبته بان يكون له مائة ولد، يجاهدون في سبيل الله ويكون الجسد الذي القي على كرسيه: هو شق الإنسان -المولود المشوّه- الذي نزل من بطن أمّه ميتًا ووضع على كرسّي سليمان.
وقد اختاره العديد من المحققين من العلماء هذا القول لانه يريح من الخوض في أباطيل ينزّه عنها الأنبياء، ويعفي من التأويلات الإسرائيلية المكذوبة على سليمان –-..
لكن تنقصه الدقة العلمية فمعروف عند علماء الحديث ان فقه البخاري في تبويبه وهذا الحديث لم يروه البخاري في باب التفسير فالواقعة وان صحت عن سليمان عليهالسلام الا انها ليست بالضرورة تفسيرا للاية .
4- القول الرابع: ذهب بعض العلماء إلى تأويل آخر للفتنة، ينزّه سليمان عن أباطيل الإسرائيليات وينسجم مع سياق الآيات فقالوا: إن الفتنة هي فتنة سليمان في جسده، حيث أنه ابتلي بمرض شديد نحل منه وضعف، حتى صار من شدة المرض كأنه جسد ملقى على الكرسي، ثم أناب . أي: رجع إلى حالة الصحة. وقد شاع في اللغة وصف الضعيف بأنه لحم على وضم، وجسد بلا روح , وقد اختار هذا الرأي الشيخ المراغي وانتصر له الاستاذ بسام جرار منطلقا من سياق الايات فالتلازم بينه وبين الحديث عن ايوب يوحي بوجود علاقة بين النبيين الكريمين، لا نظنها زمانية ولا مكانية ولا نَسبيّة... لأنّ القرآن الكريم يقصد إلى إبراز القضايا الإيمانية والاجتماعيّة والتربوية والتشريعية والأخلاقية... بعيداً عن الزمان والمكان والنَّسب. وبما أنّ قصة أيوب تتمحور حول قيمة الصبر فمن المتوقع أن يشير هذا التلازم إلى تجلّي هذه القيمة في سلوك، سليمان . ويبدو أنّ صبر سليمان، على مثل هذا الابتلاء كان في أعلى المراتب اذ نجح في امتحان الملك ونجح في امتحان البلاء إلى درجة أنّ نجاحه المتميز جعله يتمنى على ربه فيقول:" قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنك أنت الوهاب"
ونحن نميل الى ان تفسير الفتنة لسليمان بانها مرضه الشديد وقد صبر عليه واناب ولم يشغله عن ذكر ربه كما لم تشغله الصافنات الجياد و يكون سليمان قد نجح في ابتلاء النعم والمحن سواء وخرج منهما ظافرا بملك لم يظفر به احد من بعده .وهذا الراي هو الذي يرجحه سياق السورة في حالة عدم وجود خبر صحيح يوثق به في تفسير الفتنة بغير ذلك .
ان حديث القران عن فتنة سليمان حديث متميز اذ لايكون اجتياز المحن بنجاح اجتيازا الى الجنة فحسب بل ايضا الى عاقبة الدار الدنيا والتمكين في الارض و الحديث عن سليمان يظهر لنا ان ما يتعرض له المؤمنون من اذي وابتلاء ليس لانه قدرهم لدخولهم الجنة بل ايضا مرحلة ابتلاء ليمروا من خلالها الى مرحلة التمكين كما يجتاز الطالب المجتهد الامتحان لمستقبل اكثر اشراقا وتميزا ورفعة لم ينلها الطالب المتكاسل فالتمكين في الارض ينبغي ان يمر عبر الفتنة فتنة النعم وفتنة المحن فيسقط فيهما من يسقط ومن يجتازها يجتازها الى مرحلة التمكين في الارض .
ان نموذج النبي سليمان في الصبر على المحن نموذج متميز يبشر الصامدين على الحق والصابرين على المحن والابتلاءات بحسن العاقبة "هَـٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٩﴾ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ ﴿٤٠﴾ ص" فالمحن دائما تسبق التمكين "سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا