عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله :"تعاهدوا القرآن ، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عُقُلها" رواه البخاري ومسلم.

تجدر بنا الإشارة إلى أنه من السلبيات التي التصقت بالدرس البلاغي على مستوى التنظير والمعالجة التطبيقية تلك النظرة الجزئية للظاهرة البلاغية ، فلا يمكن الوقوف في هذه الدراسة على اسم التفضيل دون أن نقف على ارتباطه بالتركيب الذي جاء فيه وعلاقته به وتأثيره وتأثره .
كما أن الوقوف على الغاية من الخطاب يحدد طريقة تحليله والتعامل معه ، فغاية الحديث هي الغاية التعليمية وهي لا تعني مجرد نقل معرفة في حياد من ناقلها،ولكنها تلتبس بغايات التفهيم والإقناع والتمكين للحقائق، فمصطلح التمكين في الخطاب التعليمي بديل لمصطلح الإقناع في الخطاب الحجاجي ، فلا تقف غاية المتكلم عند حدود نقل المعلومة أو الخبر،
ولكنها تتجاوز هذه الغاية إلى استخدام الوسائل الأسلوبية التي تؤدي إلى التمكين للخبر بمضمونه وأسلوبه في نفس المتكلم، فما الأسلوب هنا سوى وسائل لهذا التمكين، الذي لا يقف بدوره عند غاية التمكين، ولكنه يتجاوز هذه الغاية أيضاً إلى التحول بمضمون الخبر (المضمون التعليمي) إلى فعل مُنجَز، على مستوى المتلقي المبلَّغ الشاهد والمبلَّغ المتلقي الغائب المستقبلي، فليس ثم من شك في احتياج المتلقي الغائب المستقبلي إلى وسائل أسلوبية بلاغية تعينه على مراحل التواصل التي تبدأ بمعرفة المضمون التعليمي للخبر، ثم الاقتناع بهذا المضمون والإيمان به، ثم التمكين لهذا المضمون بوصفه حقائق، ثم التحول بهذا المضمون التعليمي إلى أفعال مُنجَزة.
إن الظاهرة التي نقف عليها هنا هي اسم التفضيل (أشد) وأسلوب التفضيل يتكون من (أفعل التفضيل أشد) والمفضل (تفصي القرآن) والمفضل عليه(تفصي الإبل في عقلها).
لاشك في أن النبي يدرك أن المتلقي مصدق له ، فهو يوجه صحابته الكرام إلى ضرورة تعهد القرآن الكريم بالقراءة والتفكر حتى لا يتفلت منهم .
وهو يقف موقف المعلم الذي يمكن الخبر في نفوس متعلميه ، ولذا فقد اعتمد على الوسائل الأسلوبية لتمكين الخبر، فالضواغط الأسلوبية من أمر وقسم وتفضيل تأتي بمثابة التمكين للخبر في نفوس المتلقين.
أسلوب الحديث:
استهل النبي حديثه بالأسلوب الإنشائي (الأمر تعاهدوا) بصيغة الجمع لكي يكون موجها لكل مسلم يصله هذا الحديث ، وجاءت كلمة ( تعاهدوا ) التي تدل على التفاعل والتأثير والتأثر ، وهي تثبت التعهد للطرفين ، فهي تشير إلى أن القرآن هو الآخر يتعهد من يتعهده ، حتى تصير بينهما علاقة مصاحبة ،كما أن الصيغة جاءت على وزن تفاعلوا ولم تأت على وزن تفعلوا دلالة على سريان واىستمرار التعهد ، كما أنه لم يحدد أي نوع من أنواع التعهد (القراءة أو الحفظ أو التدبر أو التنفيذ) حتى تشملهم جميعا.
وتأتي الوسائل الأسلوبية الممكنة لهذا الخبر متمثلة في:
(1) القسم.
(2) التأكيد باللم.
(3) اسم التفضيل.
وقد جاءت هذه الممكنات في أسلوب خبري مؤكد لدلالة الطلب في بدء الحديث ، وما يهمنا هنا هو الوقوف على قيمة التفضيل وأثره في تمكين الخبر ، ولعلنا نجد أن النبي آثر استخدام (أشد) ولم يستخدم (أسرع) أو (أقوى) أ, (أكثر).
(أشد) أصلها (أشدد) أفعل ، للمفاضلة في الصلابة ، وثبات القلب والشجاعة([1]) ، وأصل الشدّ أن يدل على قوة في الشيء ، وفروعه ترجع إليه ، من ذلك شددت العقد شداً أشُدُّه([2]) .
وقد استخدم اسم التفضيل (أشد) في القرآن الكريم مميزاً بالقسوة والبأس ، والتنكيل ، والعداوة ، والقوة والكفر ، والنفاق ، والعتو ، والعذاب ،والبطش ، والرهبـة ، فهي ألفـاظ تدل على التـهديد والوعيد ، وهذا يدل على أن "غلبة الاستعمال القرآني لمادة الشدة في موقف الزجر والإرهاب والوعيد ، يضيف بلا شك … إيحاء بالزجر والوعيد"([3]) .ففي استخدام اسم التفضيل (أشد) دلالة على خطورة هذا التفلت الذي قد يؤثر على الدين.
كما تحمل دلالة التفضيل التشبيه بضرب مثل من الحياة الواقعية حيث جعل تفلت القرآن شبيها بتفلت الإبل وهي من الحيوانات التي ترفض الإذعان للقيود المفروضة عليها ، فهي صورة حية نابضة تقرب المعنى الحسي إلى الأذهان فيتجسد وكأنهم يرونه رأي عين .
فيتبين للمتلقي أن هناك تفاعلا بين القرآن وبين النفس وهذا التفاعل يكون بالسلب أو الإيجاب ، فيقبل على القرآن حبا في الإيجاب وبغضا في الوجه السلبي.


([1]) ينظر : العين : 6/213-214 .

([2]) ينظر : مقاييس اللغة : 3/179 .

([3]) التفسير البياني للقرآن الكريم : 1/115-116 .