مناقشة هادئة حول نظام ساند
برنامج التأمين ضد التعطُّل عن العمل أو التأمين ضد البطالة الذي سيبدأ تطبيقه قريباً على المشتركين في نظام التأمينات الإجتماعية من المسائل التي تحتاج إلى إعمال فكر وعصف للذِّهن ، لأن أغلب بنوده تدور بين الحرمة والكراهة ، وهو من عقود المعاوضات التي لا يجوز الفصل في حكمها بدون تحقق وقوع العوض وإنعدامه .


والعقود في الشريعة مبناها على العدل بين المتعاقدين، والتأمين ليس فيه عدل؛ لأن مبناه على المخاطرة والمقامرة على أمر مجهول للعاقدين, فإذا وقع الضرر كانت الخسارة على الشركة, وإن لم يقع كان المستأمن هو الخاسر, لاسيما أنه قد يدفع الأقساط سنين . ولا عبرة بتراضي الطرفين؛ لأن الإنسان قد يجهل مصلحته, فقد يرضى بما لا يعرف أن عليه فيه ضرراً، فآكل الربا وموكله متراضيان، ولاعبا الميسر متراضيان، ولكن لا عبرة بتراضيهما .


وقد قرأتُ لائحة برنامج التأمين ضد التعطل عن العمل قبل كتابة هذا المقال وفهمتها ورقمتُ عليها مسودة مختصرة فيها استدراكات شرعية ، ولخصتُ منها ما يصلح للنشر ومن الله نستمد العون والتوفيق.


هذا البرنامج في مجمله مأخوذ من التجربة الإيطالية القديمة التي ظهرت في القرن الرابع عشر الميلادي ، وتمت الإفادة منه في دول أوروبا وأمريكا ، وبعد ذلك جرى تنقيحه وإضافة ما يلزم إضافته ليتناسب مع حاجة العمال في الدول العربية .


ولا يخفى أنه يجوز لوليِّ الأمر من حيث المبدأ – عند تحقق المصلحة شرعاً - أن يوجب على الموظفين حسماً مُحدَّدا من أجورهم لحمايتهم من إفلاس الشركات ومخاطر التسريح من أعمالهم . ويدلُّ على ذلك" أن النبي منع المسلمين من ادِّخار لحوم الأضاحي ، وكان في هذا المنع المتضمِّن لنهيهم عن الانتفاع بما يملكونه هو لأجل مجيء الأعراب إلى المدينة واحتياجهم إلى المعونة من إخوانهم كما في الحديث : " كنت نهيتكم لأجل الدافة ألا فكلوا وادَّخروا " أخرجه مسلم .


فيجوز لوليِّ الأمر أن يتدخل في أموال المواطنين ويوجهها للصالح العام . هذا من حيث الحكم بعمومه لنازلة الأموال ، لكن هذا لا يعني الإفتئات على الشرع بتحليل الحرام أخذا بهذا الأصل .


واعتماد برنامج التأمين ضد التعطل عن العمل إن كان القصد منه تعويض المتعطِّل عن العمل فهو جهد مشكور وسعي مبرور، لأن الله تعالى شرع العوض المباح وأذن فيه .


والمتعطِّل عن العمل محتاج لمن يعوضه عن فقد عمله . لكن الذي يظهر من لائحة البرنامج أن المال المعطى للمتعطِّل عند تركه العمل ليس تعويضاً والدليل – كما في لائحة البرنامج - أن من استكمل جميع سنين خدمته ولم يترك عمله لأي طارىءٍ لا يُصرف له هذا العوض ، مع أنه يستقطع من راتبه واحدٌ بالمئة ، وهذا غُرم وليس بغنم، فما المسوغ الشرعي لهذه الغرامة ؟! .


ومن البنود التي تحتاج إلى تأمل ما ورد في اللائحة بنصه : "
المستفيد لن يتمكن من الحصول على التعويض عند تركه للعمل طوعاً أو إذا كان مفصولا بسببٍ راجع اليه ، بل يصرف التعويض في حالة فقدانه لوظيفته لظروفٍ خارجة عن إرادته مع رغبته في العمل وبحثه عنه " .


وهذا فيه تناقض لأن الغاية منه – كما يظهر - هي المعاوضة لا نفع المستفيد . وتحديد مورد المعاوضة بسبب معين لا يجوز ، فإما أن يخيَّر العامل بين المعاوضة والاشتراك في البرنامج ، أو يُعفى من الاشتراك في البرنامج ويعفى من المعاوضة ، وهذا من تمام العدل . لكن هذا لا يفيد مؤسسة التأمين لأنها لن تربح من العامل بهذه الصفة ، وعليه يستلزم أن الصفة التي أسس عليها البرنامج صفة ربحية وليست تعويضية خالصة . وهذا ملحظ شرعي مهم يجب النظر فيه عند تقيِّيم البرنامج .


ومن الفقرات التي تستحق الاستدراك ما نصُّه : " الفائدة من البرنامج للمشتركين سدُّ الفجوة الانتقالية بين الوظيفة السابقة وفرصة الحصول على وظيفة جديدة عن طريق تزويد المشتركين بالدخل المادي الشهري وبالتدريب والتأهيل وبالفرص والعروض الوظفية " .


هذا من التعاون على البر والتقوى في ظاهره ومن إغاثة الملهوف ، لكن هل يقبل المشرفون على البرنامج بإقراض المتعطِّل عن العمل عشرين ألف ريال مثلاً على أن يعيدها إليهم بلا فوائد عند حصوله على وظيفة ثابتة ، بشرط أن لا يُحسم من أجره شيئا عند دخوله في عمله ؟! .


إن كانت الإجابة بنعم فالبرنامج تعاوني مأجور ومشكور من أشرف عليه. وإن كانت الإجابة بلا فهو برنامج تأميني تجاري ربحي مبنيُّ على الغرم وأكل أموال الناس بغير وجه حق . والله المستعان.


وقد ورد في ثنايا لائحة البرنامج أنه تم تطويره بالتعاون مع منظمة العمل الدولية لمعادلة التوازن المالي بين المصروفات والمشتركات . وهنا ملاحظة مهمة وهي أن منظمة العمل الدولية منظمة نفعية الفيصل فيها العدالة الإجتماعية النفعية بغض النظر عن الحلال والحرام . فالغاية تحقيق الأرباح وتأمين السيولة المالية ، وهذا مذهب فلسفي معروف في أوروبا ، وله مدارس تؤسِّس له وتنصح به .


فلماذا لا يؤسَّس البرنامج على القرض الحسن من غير فوائد ربحية تجارية ، وينشأ له صندوق ادِّخاري تستثمر فيه أموال المحسنين للصرف منه على المتعطِّلين على العمل ، فيكون العمل بهذا المقياس ثمرة من ثمار الوقف الإسلامي وبذرة خير في أرض الحرمين .


ومن الفقرات التي تستحق التأمل ما نصه : " لقد تم وضع البرنامج ليعالج حالة عرضية طارئة ومؤقتة وخارجة عن إرداة الموظف وصاحب العمل " .


إذن لماذا استنزاف أموال الموظفين والعمال وعدم إعادتها لهم عند تمام الخدمة بدون تعطلهم عن أعمالهم ؟! . أليس هذا من الغرر ، أليس هذا من جباية المال بغير حقِّه ؟! . والقاعدة الفقهية نصت على أن الإختيار لا يتحقق في موضع الإضطرار . فلا يمكن للمسلم أن يتصرف في ماله وهو مجبر على الغرم فيه .


ومن الفقرات التي تستحق الاستدراك ما نصه :
" يمكن الاستفادة من البرنامج عند إفلاس المنشأة أو تعطل العمل فيها أو إقفالها " .
هذا البند عمل خيري وهو من أفضل بنود لائحة البرنامج ، لأن الدولة تتحمل عبء الغرامة بين طرفي عقد العمل . وهو يدل على بذرة خير عند المشرفين عليه ،لكن لم يوفقوا لتحديد طرق الإنتفاع به .


ومن البنود الغريبة في لائحة البرنامج أن التعويض يتم إيقاف صرفه إذا بات المستفيد غير قادر على العمل ! .


فهذه الفقرة تناقض ما تقدَّم من هدف البرنامج وهي دلالة أن البرنامج وسيلة ضريبة تجارية تأمينية ، فكيف يُحرم العاجز عن العمل ويعطى المتعطِّل ؟! ، مع منافاته للرضى الوظيفي والمعنوي، والله تعالى يقول : " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضي منكم " ( النساء : 29 )
وهنا سؤال مهم عن الاموال المستقطعه من العامل والجهة المشغِّلة له هل تدار في شركات التأمين او تستثمر في مؤسسة التأمينات الاجتماعية ؟! .
فإن كانت هذه الأموال تودع في شركات التأمين ويتم المضاربة بها ، فهذا وزر على وزر ، لأنها محلُّ الربا والقمار . وإن كانت الأموال تستثمر في صندوق خيري للجهة المشغِّلة لهذا البرنامج فهذا دليل على حسن مقصد المشرفين عليه وحبهم لبذل الخير مع الخطأ في آلية تشغيله ليكون موافقا للشريعة الإسلامية .


وقد نص أهل العلم على أنه إذا اجتمع حظر وإباحة غُلِّب جانب الحظر . وهذا يستلزم مراجعة هذا البرنامج لطرح شائبة الحرام وإبراء الذمة .


ولا يخفى أن التأمين التجاري عقد معاوضة، مبنيُّ على المخاطرة، وتلتزم فيه شركة التأمين بتعويض هذا الخطر بمقابل؛ فيكون العقد محرماً؛ لأن من المتفق عليه بين الفقهاء أن الغرر الكثير يؤثر في عقود المعاوضات المالية, وأن أخذ الأجر على الضمان لا يجوز .

وختاماً فإن العدالة في أموال الناس مأمور بها بحيث لا تُجحف ولا ترهق المواطن ، والدليل أن الزكاة لا تجب إلا إذا وصلت حدَّاً معيناً حتى لا يرهق المسلم ، وعمر- - حينما أرسل عثمان بن حنيف - لتقدير أراضي الخراج أوصاهم أن لا يرهقوا الناس بما فرضوه وبقدر ما تطيق الأرض ، مع ملاحظة وفرة المياه ، فكيف بهذا العصر الذي جفَّت فيه أموال الناس بسبب كثرة الأعباء المعيشية والضريبية إلا من رحم الله ؟! .



وإذا ضاعت العدالة أضحت العقود باطلة وفاسدة لا خير فيها ولا بركة فتكون محرمة لذاتها ولغيرها .
هذا ما تيسر تحريره ،والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .



أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بمعاهد القوات البرية

( منقول )