ما الصلة التي تربط بين قصة نوح وقصة موسى رغم التباعد الزمني بينهما ؟ قد يأتي حديث القران مفصلا عن الأنبياء حسب الترتيب الزمني كما في سورة الأعراف وهود والشعراء والأنبياء. لكن يأتي حديث القران ايضاعنهما في أكثر من موضع متجاوزا الترتيب الزمني فيجمع بين نوح وموسى فلنتأمل.
ففي سورة الإسراء "وَآتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً (3)الإسراء
وتأمل في سورة يونس" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (71) فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنذَرِينَ (73) ثم يأتي الحديث بصيغة إجمالية عن الأنبياء بين نوح وموسى ليصل إلى موسى مباشرة " ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ (74) ثم يصرح بذكر موسى وهارون " ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ (75)
وتأمل أيضا سورة المؤمنون نفس الشيء يقول تعالى " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (23) فيأتي الحديث إجمالا عن الأنبياء بين نوح وموسى " ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ (44) ثم يصرح بعدها بذكر موسى وهارون " ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ (46) المؤمنون.
إذا تأملنا في الجمع بين النبيين الكريمين رغم التباعد الزمني بينهما فنجد هناك بعض المشاكلة و المقاربة فنوح من أوائل الأنبياء الذين أرسلوا إلى البشرية وخاض مع قومه صراعا طويلا وجولة طويلة الأمد في الدعوة انتهى بهم في النهاية إلى الغرق " فأخذهم الطوفان وهم ظالمون" وموسى من أواخر الأنبياء قبل محمد خاض مع قومه أيضا صراعا طويلا وجولة طويلة الأمد في الدعوة انتهى بهم إلى الغرق أيضا ولكن في اليم " فأغرقناه ومن معه جميعا “قوم نوح جاء الماء إليهم أما قوم موسى فذهبوا هم إلى الماء .
وعندما ضرب الله مثلا للذين كفروا ضرب مثلا بامرأة نوح وعندما ضرب الله مثلا للذين امنوا ضرب لهم مثلا بامرأة فرعون " ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ (11).
غير أننا نريد أن نتأمل في مغايرة القران في طريقة الحكاية عنهما فيتلوا نبأ موسى على النبي محمد ويتلو نبأ نوح على قومه "نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) “ أما نبا نوح فيتلوه على قومه "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (71) فما الفائدة التي تعود من حكاية نبأ نوح على أهل مكة وحكاية نبأ موسى على النبي صلي الله عليه وسلم .
يتلوا القران نبأ موسى على النبي كمثال لرسول صمد أمام وجه طغيان اشد من طغيان أهل مكة وثبته الله ونزع الخوف من قلبه ونصره عليهم وفي هذا إيناس لقلب النبي وتثبيتا له فاهل مكة مهما وصلوا في عنادهم وطغيانهم فلن يصلوا إلى فرعون "وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلائِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)القمر
أما نبا نوح فالقران يأمر النبي أن يتلوه على أهل مكة و الفائدة التي تتحصل من تذكير المشركين بقصة نوح هي أن فيها تيئيسا لهم من الظفر بمحمد والغلبة عليه فنبأ نوح هو نبأ رجل طويل البال طويل الصبر لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما دون ملل أو كلل أو جزع أو فتور وكان على استعداد لان يمكث أكثر من ذلك إلا أن قومه هم الذين استعجلوا العذاب فقالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فاتنا بما تعدنا " فان كان المشركون يراهنون على الزمن حتى يفتر النبي أو يمل مع طول الوقت فهم واهمون ربما ظنوا أن رسالة النبي هي فترة عارضة في حياته ونزوة عابرة سرعان ما يمحوها الزمن ومن ثم تواصوا أن يصبروا على آلهتهم "وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6)ص ربما انتظروا الوقت الذي يترك فيه محمد هذه الدعوة وينصرف لغيرها والمسألة مسألة وقت يأتي نبا نوح لإزالة كل تلك الأوهام فالرجل لبث في دعوته ألف سنة إلا خمسين عاما فهل يمكن أن يصبروا مدة هذا الزمن ؟ .
ربما ظن المنحرفون في كل زمان ومكان أن عامل الوقت في مصلحتهم وأن دعوة أصحاب الحق ما هي إلا امرعارض أو نزوة عابره سيطويها الزمن فتاتي لهم قصة نوح تقول إن هذا الصنف من الناس لن يكلوا أو يملوا أو يفتروا وسيظلون صامدين وان بقوا آلاف السنين حتى يأتي وعد الله ويبقي الأمر أن على أصحاب الحق أن يوصلوا تلك الرسالة للمنحرفين فان كانوا ينتظرون وقتا يخلوا لهم الجو بباطلهم فسينتظرون طويلا فأهل الحق أطول أعمارا واصمد قلوبا واشد ثباتا على المواقف .