بعد ان تعرض سليمان للفتنة وإجتازها بنجاح "قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)ص .
وقد عرضت سورة النمل هذا الملك بتفصيل "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ (15) ويتذكر سليمان هذه النعمة ويحدث بها " وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ (16)النمل.
ان حديث القران عن سليمان نزل في العهد المكي فجميع المواضيع التي ذكر فيها سليمان كانت في السور المكية ماعدا موضع البقرة بشان السحرة وكان الحديث فيها عن انحرافات بني إسرائيل فلم يكن حديثا عن سليمان بقدر ما كان حديثا عن انحرافات بني إسرائيل في اتباعهم للشياطين يعلمون الناس السحر.
وينبغي التأمل في الاستفادة من حديث القران عن سليمان وما وهبه الله من ملك لم يؤته احد قبله ولابعده ونزول ذلك في القران المكي أي حالة ان كان المؤمنون مستضعفين يخافون أن يتخطفهم الناس لايأمن الواحد منهم على نفسه او ماله فما جدوى حكاية اخبار الملوك عليهم , فاذ علمنا ان ان العهد المكي لم يكن للمسلمين اتصال بأهل الكتاب علمنا ان القران نزل بسيرة سليمان صافيا مصفي مجردا مما علق بهذه السيرة اليوم من روايات واساطير وخرافات بل حرص النبي عند نزول القران الا يشوش العقل المؤمن باحاديث اهل الكتاب فعن جابر - - عن النبي - - حين أتاه عمر فقال : إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا ، أفترى أن نكتب بعضها ؟ فقال : أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى ؟ ! لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي " . رواه أحمد ، والبيهقي في كتاب ( شعب الإيمان ) .
وقد يغلب على الظن ان متطلبات المرحلة المكية هوالحث على الصبر على الاذي والتربية على الثبات وبيان عاقبة المتقين وعاقبة المجرمين في الامم الغابرة مما تقتضيه حالة المؤمنين وقتها من الاضطهاد والاستضعاف وما يلاقوه من اذي على يد المشركين وهذا وارد في حديث القران عن عاد وثمود وفرعون ذي الاوتاد الذين طغوا في البلاد فاكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب لكن يبقي السؤال عن جدوى الحديث عن انبياء كانوا ملوكا تمكنوا من الارض واتاهم الله من من كل اسبابها مثل الحديث عن داوود وسليمان ومثله الحديث عن ذي القرنين وكله قران مكي وهو مايدعونا الى التامل في الاستفادة من حديث القران عن هذه الممالك في حالات الاستضعاف والاضطهاد.
لقد كان القران يتولى تربية امة ستقود العالم كما يتولي تثبيتها على الحق فكان يغرس فيها القيم والمباديء الضروية لهذه المهمة وهوما أحوجنا اليه اليوم فحتى لو كانت الحالة التي وصلت اليها الامة من الضعف والهوان الا اننا على يقين ان القران سيربي منها جيلا يرث الارض من بعد اهلها وسيكونون خلفاء الارض تلك سنة ماضية .
ان متتطلبات هذه المهمة تبدا من الآن ومن هنا تكون الاستفادة من حديث القران عن ملك سليمان خاصة اذا جردناها من خرافات واساطير واكاذيب اهل الكتاب التي حولت الحديث في هذا المجال من حديث تربية وتكوين الى حديث التسلية وحكايات ما قبل النوم و من هذا المنطلق نستعراض الحديث عن ملك سليمان في القران .
بعد استعراض سليمان ما من الله عليه من نعمة الملك وتنوع جنوده من الجن والانس والطير شرعت الايات في استعراض هذا الملك قال تعالى: "حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكًا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي." أنعمت علي وعلي والدي وان اعمل صالحًا ترضاه. وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين"
سار سليمان بجيشه المنوع من كافة الاطياف انس وجن وطير ، وفي طريقه مروا على واد النمل. وهذه اول دلالة على أنّ جيش سليمان كان يسير على الأرض، لا كما تقول الخرافات انه كان يسير على بساط الريح,ولانشغل انفسنا بما شغل به البعض عن مكان الوادي وطبيعة النملة وشكلها وجنسها واسمها فالايات تتحدث بان سليمان سار بجيشه هذا حتى إذا وصلوا وادي النمل، شاهدتهم نملة من نمال هذا الوادي، فرأت جيشًا ضخمًا عظيمًا!!! فلمّا رأت هذا الجيش ، خشيت على بنات جنسها، فصاحت فيهم محذرة منبهة، "ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم، لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون".
- وقد تامل كثير من المفسرين الملامح البلاغية في حديث النملة لاداعي للخوض فيها مع اهميتها طبعا المهم إنّ كلام النملة "يدل على حرصها على أمتها من النمل، وإشفاقها عليهم، واهتمامها بهم، وتفكيرها في تخليصهم من الخطر، وإيصالهم إلى بر لأمان،مع تبرئة سليمان وجنوده من شيء من ذلك اذا حدث منهم على سبيل الخطا " وهم لايشعرون "وهنا علم سليمان هذه القيمة قيمة الرحمة والشفقة التي اودعها في حشرة ضغيرة فإذا كانت نملة صغيرة بهذا الاهتمام بالنمال- وهي حشرة زاحفة صغيرة لا تكاد ترى -فلماذا لا يكون البشر- ذوو العقل والإفهام- فضلا عن الزعماء والقادة- مهتمين برعيتهم ، حريصين على نصحهم، وإبعاد الخطر عنهم .هنا فهم سليمان الدرس وتبسم ضاحكا من قولها فرحا بهذا الفهم وفرحا بنعمة ان اسمعه الله صوتها وافهمه منطقها وفرحا ايضا بنجاة النمل من جيشه فتوجه الى الله بالشكر والدعاء﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل: 19].
إنّ أصحاب المسؤوليات حَريَّ بهم أن يهتموا لما أَوكل إليهم من مهمات، وأن يعدّوها أمانات يُسألون عنها يوم القيامة، والتقصير فيها يورث غضب الرب وعذاب النار.
لقد رسم هذا المشهد للمؤمنين في مرحلة التكوين للمهام العظيمة في المستقبل قيمة مغايرة لما عرفته نظم السياسة من ان الممالك تستقر ببحور الدماء ووتستقربالقمع وانتهاك الحق في الحياة الان يربيهم القران على ان الممالك الحقيقية هي التي تقوم على الرحمة والشفقة بالرعية فتلك نظام الممالك في عالم الحشرات فكيف بعالم الانسان .

رابط المقال على مدونتي