بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وبعد؛
فإن مكانة السنة المطهرة في بيان القرآن الكريم لا تخفى على الدارسين، ولذا فقد أحببتُ أن أشارك ببعض الإضاءات في هذا الموضوع، أبدأها بالكلام فيه عن طبقة الصحابة -رضوان الله عليهم-، آملًا أن أستفيد من تصويبات مشايخي وإخواني في هذا الملتقى المبارك، فإن أكن قد أصبت فمن الله تعالى، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، أعاذني الله العظيم من شرهما، وأسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص والقبول في القول والعمل...
وقبل أن أشرع في كتابتي أود أن أشير إلى موضوع مهم، ألا وهو (التفسير بالسنة) لفضيلة شيخنا الدكتور مساعد الطيار حفظه الله-، وهو منشور على موقعه، وعلى هذا الملتقى المبارك، وهذا رابطه:
مصادر التفسير (2): التفسير بالسنة

تفسير القرآن بالسنة النبوية عند الصحابة

المشهور عند جمهور المحدثين أن السنة هي: (أقوال النبي، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخَلقية والخُلُقية، وسائر أخباره سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها) ، والمقصود بالتفسير بالسنة في هذا الموضوع هو: (اجتهاد الصحابة في تفسير القرآن بالسنة)، ومن هنا يتضح الفرق بين التفسير النبوي والتفسير بالسنة، فالتفسير النبوي تفسير مضاف إلى النبي مباشرة، أي أنه فسَّر الآية بنفسه، وحينئذ يكون تفسيره ملزِمًا، أما التفسير بالسنة فهو من اجتهاد الصحابة في الربط بين القرآن الكريم والسنة النبوية وبيانه بها، وهذا قد تختلف فيه الأنظار كما هو مفصَّل في كتب الأصول.
وقد كان الصحابة يحرصون على بيان القرآن بالسنة، فعن المخارق بن سليم قال: (قال لنا عبد الله: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده، الحمد لله لا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحيه ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يحيي بهن وجه الرحمن، ثم قرأ عبد الله "والعمل الصالح يرفعه"([1])، وأكثر الصحابة تفسيرًا للقرآن بالسنة: عبد الله بن عباس، يليه أبو هريرة، ثم أبو ذر الغفاري وأم المؤمنين عائشة .
وفي هذا الموضوع سأتناول ثلاثة مسائل:
- الأولى: أنواع التفسير بالسنة عند الصحابة.
- الثانية: طريقة الصحابة في التفسير بالسنة.
- الثالثة: ضوابط لمعرفة التفسير بالسنة في تفسير الصحابة.
· المسألة الأولى: أنواع التفسير بالسنة عند الصحابة:
تأملت التفسير بالسنة عند الصحابة، فوجدته قد اشتمل على ثلاثة أنواع:
· النوع الأول : التفسير بالسنة القولية: وهذا النوع هو أكثر الأنواع ورودًا في تفسير الصحابة، ومن أمثلته ما يلي:
أ- عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي قال: ((لا يستمع لي يهودي ولا نصراني، ولا يؤمن بي؛ إلا كان من أهل النار. قال أبو موسى : فقلت في نفسي: إن النبي لا يقول مثل هذا القول إلا من الفرقان، فوجدت الله يقول: "ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده"[هود:17])([2]).
ب- عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((ينزل عيسى بن مريم فيقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها ويعطى المال حتى لا يقبل، ويجمع له الصلاة، ويأتي الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعها الله له))، ثم قرأ أبو هريرة: "وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: قبل موت عيسى. قال حنظلة: فلا أدري هذا أصله حديث النبي أو قولًا من أبي هريرة)([3]).
· النوع الثاني: التفسير بالسنة الفعلية: ومن أمثلته ما يلي:
أ- عن سيار بن سلامة الرياحي قال: (أتيت أبا برزة، فسأله والدي عن مواقيت صلاة رسول الله ؟ قال: كان رسول الله يصلي الظهر إذا زالت الشمس. ثم تلا: "أقم الصلاة لدلوك الشمس"[الإسراء:78])([4]).
ب- عن سعد بن هشام، قال: (أتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، إني أريد أن أتبتل، فقالت: لا تفعل، ألم تقرأ: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"؟! قد تزوج رسول الله، ووُلد له)([5]).
· النوع الثالث: التفسير بالسنة الوصفية: وهو الأقل ورودًا في تفسير الصحابة، ومن أمثلته ما يلي:
أ- عن عائشة: (أن النبي كان إذا أوحى إليه وهو على ناقته؛ وضعت جرانها فما تستطيع أن تتحول حتى يسري عنه، وتلت: "إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا" ([6]).
ب- عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى: "وتقلبك في الساجدين"، قال: (كان النبي إذا قام إلى الصلاة؛رأى من خلفه كما يرى من بين يديه)([7]).
· المسألة الثانية: طريقة الصحابة في التفسير بالسنة:
للصحابة في تفسير القرآن بالسنة طرق عديدة، منها ما يلي:
1- أن يروي الصحابي حديثًا نبويًا، ويذكر بعده آية من القرآن، ومن أمثلتها ما يلي:
أ- عن أبي عبيدة بن حذيفة بن اليمان، عن أبيه قال: ((قام سائل على عهد النبي فسأل، فسكت القوم، ثم إن رجلاً أعطاه، فأعطاه القوم، فقال النبي : من استَنَّ خيراً فاستُنَّ به؛ فله أجره، ومثل أجور من تبعه، غير منتقص من أجورهم شيئاً، ومن استَنَّ شراً فاستُنَّ به؛ فعليه وزره، ومثل أوزار من اتبعه، غير منتقص من أوزارهم شيئاً))، قال: وتلا حذيفة : "علمت نفس ما قدمت وأخرت" [الانفطار:5]([8]).
ب- عن عائشة، قالت: سمعت النبي يقول: ((اتقو النار ولو بشق تمرة))، ثم قرأت: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره" [الزلزلة] ([9]).
2- أن يقرأ الصحابي آية من القرآن، ثم يذكر بعدها حديثًا نبويًّا، وهذه الطريقة تأتي في تفسيرهم على نوعين، هما:
- أولًا: أن يقرأ الصحابي آية من تلقاء نفسه، ويذكر بعدها حديثًا نبويًا، وهي الأكثر ورودًا في تفسيرهم من هذا النوع، ومن أمثلتها ما يلي:
أ- عن عبيد بن المغيرة قال: سمعت حذيفة ، وتلا قول الله : "فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك"[محمد:19]، قال: ((كنت رجلاً ذَرِب اللسان على أهلي، فقلت: يا رسول الله، إني لأخشى أن يدخلني لساني النار، فقال النبي : فأين أنت من الاستغفار؟! إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة))([10]).
ب- عن عبد الله بن عباس: ( "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم" [النجم: 32] قال: قال النبي: إن تغفر اللهم تغفر جما، وأي عبد لك لا ألما)([11]).
- ثانيًا: أن يُسأل الصحابي سؤالًا، أو ينكر عليه أحدٌ أمرًا، فيجيبه بآية من القرآن ويذكر بعدها حديثًا، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ- عن سعد بن هشام، قال: (أتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، إني أريد أن أتبتل، فقالت: لا تفعل، ألم تقرأ "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"؟! قد تزوج رسول الله ، وولد له)([12]).
ب- عن ابن عباس قال: وجهني على بن أبي طالب إلى ابن الكواء وأصحابه وعلي قميص رقيق وحلة فقالوا لي: أنت ابن عباس وتلبس مثل هذه الثياب؟! فقلت: أول ما أخاصمكم به، قال الله: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده" الأعراف الآية 32 ، و "خذوا زينتكم عند كل مسجد"، وكان رسول الله يلبس في العيدين بردي حبرة)([13]).
3- أن يروي الصحابي حديثًا نبويًا، فيذكر صحابي آخر آيةً بعده، ومن أمثلتها ما يلي:
أ- عن ميسرة، عن أبي الدرداء : (أنه كان إذا ذُكر حديث أبي هريرة عنده؛ يقول: أولم يقل الله : "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"[الأنبياء:105]، قال أبو الدرداء: فنحن الصالحون)([14])، وفي لفظ، عن ميسرة : ((أن أبا الدرداء حدثه بهذا الحديث: ليخرجن منها كفراً كفراً. قال أبو الدرداء: أولم يقل الله : "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون"[الأنبياء:105]، وهل الصالحون إلا نحن؟!)([15]).
ب- عن شفي الأصبحي، عن أبي هريرة قال: حدثني رسول الله : ((أن الله إذا كان يوم القيامة؛ ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به: رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: إن فلاناً قارئ، فقد قيل ذاك، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذاك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك، فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء, فقد قيل ذاك، ثم ضرب رسول الله على ركبتي فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة))، وقال الوليد أبو عثمان: فأخبرني عقبة بن مسلم أن شفياً هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا. قال أبو عثمان: وحدثني العلاء بن أبي حكيم، أنه كان سيافاً لمعاوية، فدخل عليه رجل، فأخبره بهذا عن أبي هريرة ، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا! فكيف بمن بقي من الناس؟! ثم بكى معاوية بكاءً شديداً، حتى ظننا أنه هالك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل بشر! ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه، وقال: صدق الله ورسوله:" من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون* أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوافيها وباطل ما كانوا يعملون"[هود:15-16])([16]).
4- أن يروي الصحابي حديثًا نبويًا، فينكر عليه أحد السامعين، فيحتج الصحابي بآية من القرآن، ومن أمثلتها ما يلي:
أ- عن مالك بن أوس بن الحدثان ، عن أبي ذر قال: سمعت حبيبي رسول الله يقول: ((في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البَزِّ صدقته، من جمع ديناراً، أو تبراً، أو فضة لا يعده لغريم، ولا ينفقه في سبيل الله؛ كُوي به)). قلت: يا أبا ذر، انظر ما تخبر عن رسول الله ! فإن هذه الأموال قد فشت! قال: من أنت ابن أخي؟ فانتسبت له، فقال: قد عرفت نسبك الأكبر، ما تقرأ: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم"[التوبة:34]؟([17]).
ب- عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني فقدم قبلي حاجًّا، قال: وقدمت بعده. فإذا أهل البصرة يأثرون عنه، أنه قال: إني سمعت رسول الله يقول: إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة! فقلت: ويحكم.. والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فما سمعت هذا الحديث. قال وتحملت أريد أن ألحقه، فوجدته، قد انطلق حاجا فانطلقت إلى الحج، أن ألقاه في هذا الحديث، فلقيته بهذا. فقلت يا أبا هريرة: ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك؟ قال: ما هو؟ قلت: زعموا أنك تقول أن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة. قال يا أبا عثمان: وما تعجب من ذا، والله يقول: "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة" ويقول: "فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل"!! والذي نفسي بيده؛ لقد سمعت رسول الله يقول: إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة)([18]).
5- أن يُسأل الصحابي عن حديث نبوي، فيجيب محتجًّا لمعناه بآيات من القرآن، ولم أقف إلا على مثال واحد في هذه الطريقة، وهو ما رُوي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: (بلغني عن أبي ذر حديث، فكنت أحب أن ألقاه، فلقيته فقلت له: يا أبا ذر، بلغني عنك حديث فكنت أحب أن ألقاك فأسألك عنه، فقال: قد لقيت فاسأل. قال: قلت: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله يقول: ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله، قال: نعم، فما أخالني أكذب على خليلي محمد -ثلاثاً يقولها-، قال: قلت: من الثلاثة الذين يحبهم الله ؟ قال: رجل غزا في سبيل الله، فلقي العدو مجاهداً محتسباً فقاتل حتى قتل، وأنتم تجدون في كتاب الله : "إن الله يحب الذين يقاتلون فيسبيله صفًّا"[الصف:4]، ورجل له جار يؤذيه فيصبر على أذاه ويحتسبه حتى يكفيه الله إياه بموت أو حياة، ورجل يكون مع قوم فيسيرون حتى يشق عليهم الكرى والنعاس، فينزلون في آخر الليل فيقوم إلى وضوئه وصلاته، قال: قلت: من الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: الفخور المختال، وأنتم تجدون في كتاب الله : "إن الله لا يحب كل مختال فخور"[لقمان:18]، والبخيل المنان، والتاجر أو البياع الحلاف)([19]).
6- أن يُسأل الصحابي عن معنى آية، فجيب بحديث نبوي، ولم أقف إلا على مثال واحد أيضًا في هذه الطريقة، وهو ما رُوي عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، يسأل عن الورود، قال: نحن يوم القيامة على كذا، وكذا، أي: ذلك فوق الناس، قال: فتدعى الأمم بأوثانها، وما كانت تعبد الأول، فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: من تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا ، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك، قال: سمعت النبي قال: فينطلق بهم، ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منافق، أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه على جسر جهنم كلاليب، وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافق، ثم ينجو المؤمنون فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوإ نجم في السماء، ثم كذلك تحل الشفاعة حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء أهل الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء، حتى ينبتوا نبات الشيء في السيل، ثم يسأل حتى يجعل له الدنيا، وعشرة أمثالها معها))([20]).
· المسألة الثالثة: ضوابط لمعرفة التفسير بالسنة في تفسير الصحابة :
من خلال قراءتي في تفسير الصحابة ، وجدت تشابهًا كبيرًا يصعب بسببه التفريق بين التفسير بالسنة والتفسير النبوي والمرفوع حكمًا، بل إن بعض الباحثين جعل التفسير النبوي والتفسير بالسنة شيئًا واحدًا([21])، فحاولت أن أستخرج من تطبيقات الصحابة بعض الضوابط التي يُعرف بها التفسير بالسنة عندهم، والله أعلم:
1- أن يذكر الصحابي لفظًا صريحًا يستفاد منه بيانُه للآية بالحديث النبوي، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ- عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري ، عن النبي قال: ((لا يستمع لي يهودي ولا نصراني، ولا يؤمن بي؛ إلا كان من أهل النار. قال أبو موسى : فقلت في نفسي: إن النبي لا يقول مثل هذا القول إلا من الفرقان، فوجدت الله يقول: "ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده"[هود:17])([22]).
ب- عن أبي عمرو الأنصاري ، عن النعمان بن بشير ، عن النبي قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين لا يبالون من خالفهم حتى يأتي أمر الله. قال النعمان: فمن قال: إني أقول على رسول الله ما لم يقل؛ فإن تصديق ذلك في كتاب الله، قال الله : "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون"[آل عمران:55])([23]).
ت- عن عبد الله بن عباس، ((أن النبي كان إذا عصفت الريح؛ يجثو على ركبتيه ويقول: اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا)) قال ابن عباس: والله إن تفسير ذلك في كتاب الله، يقول الله : "وأرسلنا الرياح لواقح" [الحجر: 22] ، و "يرسل الرياح مبشرات" [الروم: 46] ، و "فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا" [فصلت: 16] ، و "أرسلنا عليهم الريح العقيم" [الذاريات: 41])([24]).
ث- عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله: ((لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق، ولا منان)) قال ابن عباس: فشق ذلك علي لأن المؤمنين يصيبون ذنوبًا، حتى وجدت ذلك في كتاب الله؛ في العاق: "فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم" [محمد: 22] الآية، وفي المنان: "لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى" [البقرة: 264] الآية، وفي الخمر: "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس" [المائدة: 90] إلى قوله: "فاجتنبوه" [المائدة: 90])([25]).
ج- عن عبد الله بن عباس: ((أن النبي جعل الدية اثني عشر ألفًا)) فذلك قوله: "وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله"، قال: بأخذ الدية)([26]).
ح- عن عبد الله بن عباس: (أنه طاف مع معاوية بالبيت، فجعل معاوية يستلم الأركان كلها، فقال له ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين، ولم يكن رسول الله يستلمهما؟!، فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال ابن عباس: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" [الأحزاب: 21] ، فقال معاوية: صدقتَ)([27]).
خ- عن عبد الله بن مسعود، قال: ((سُئِل رسول الله أي الذنب أكبر؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك)) قال: قال عبد الله: فأنزل الله تصديق ذلك: "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاما" [الفرقان: 68])([28]).
د- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان، فيستهل صارخًا من مسة الشيطان إياه إلا مريم وابنها)) ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: "وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم".
ذ- عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: ((لا تقولن زرعت، ولكن قل حرثت))، قال أبو هريرة ألم تسمع إلى قول الله: "أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون"([29]).
2- أن يُروى الحديث عن الصحابي مرفوعًا دون الاستشهاد بالآية، ويُروى عن نفس الصحابي موقوفًا مع الاستشهاد بالآية، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ- عن لقمان بن عامر، عن أبي أمامة قال: (لا يبقى أحد من هذه الأمة إلا دخل الجنة، إلا من شرد على الله كشراد البعير السوء على أهله، فمن يصدقني، فإن الله يقول: "لا يصلاها إلا الأشقى* الذي كذب وتولى"[الليل:15-16]، كذب بما جاء به محمد ، وتولى عنه)([30])، وروى أبو أمامة نحو هذا الأثر مرفوعاً دون الاستشهاد بالآية وذِكر ما بعدها([31]).
ب- عن سهل بن سعد : ("فإذا هم بالساهرة"[النازعات:14]، قال: أرض بيضاء عفراء كالخبزة من النقى)([32])، وروي سهل بن سعد ، عن النبي قال: ((يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس فيها معلم لأحد))([33]).
3- أن يُروى الحديث عن الصحابي مرفوعًا دون الاستشهاد بالآية، ويُروى عن صحابي آخر موقوفًا مع الاستشهاد بالآية، وهذا أقوى احتمالًا من الضابط الذي قبله، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ- عن أبي بحرية، عن معاذ بن جبل قال: (ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله ، قالوا: يا أبا عبد الرحمن ولا الجهاد في سبيل الله ؟! قال: ولا، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع؛ لأن الله يقول في كتابه: ("ولذكر الله أكبر"[العنكبوت:45])([34])، وروى طاووس بن كيسان؛ هذا المعنى عن معاذ مرفوعاً دون الاستشهاد بالآية([35])، ورُوي أيضاً نحو هذا المعنى عن عبد الله بن عمر ([36])، وجابر بن عبد الله ([37]) مرفوعاً دون الاستشهاد بالآية.
ب- عن كثير بن مُرَّة الحضرمي، عن أبي الدرداء قال: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأحبها إلى مليككم، وأنماها في درجاتكم، خير من أن تغزوا عدوكم فيضربوا رقابكم وتضربوا رقابهم، خير من إعطاء الدنانير والدراهم؟! قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؟ قال: ذكر الله، "ولذكر الله أكبر" [العنكبوت:45])([38])، ورُوي هذا المعنى مرفوعاً عن أبي الدرداء ، وليس فيه الاستشهاد بالآية([39])، ورُوي مرفوعاً أيضاً عن معاذ بن جبل ([40]).
وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


([1]) أخرجه الطبري في جامع البيان 20/444، والحاكم في المستدرك 2/461 (3589)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".

([2]) رواه الثعلبي في الكشف والبيان 5/163.

([3]) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير 4/1113 (6249).

([4]) أخرجه الطبري في جامع البيان 17/515.

([5]) أخرجه أحمد في المسند 41/148 (24601 )، وقال محققوه: "حديث صحيح".
([6])

([7])

([8]) أخرجه الحاكم في المستدرك 2/561 (3906)، وقال : "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذا اللفظ"، ووافقه الذهبي في التلخيص.

([9])

([10]) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف دون الاستشهاد بالآية 6/56 (35078)، والحاكم في المستدرك 2/496 (3706)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى: ابن مرودية 7/495، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه هكذا"، ووافقه الذهبي في التلخيص.

([11]) أخرجه الترمذي في الجامع، أبواب التفسير، باب: ومن سورة والنجم 5/250 (3284)، والبزار في المسند 11/206 (4960)، والحاكم في المستدرك 4/274 (7620)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال الهيثمي: "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح" (مجمع الزوائد 7/115/11378).
([12]) أخرجه أحمد في المسند 41/148 (24601 )، وقال محققوه: " حديث صحيح".
([13])

([14]) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 7/376 (1614)، وابن أبي حاتم في التفسير 8/2471 (13762).

([15]) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن 2/497 (1398)، ولم يتضح لي وجه التفسير بهذا الحديث.

([16]) أخرجه ابن المبارك في الزهد ص: 159 (469)، وابن أبي الدنيا في الأهوال ص: 156، والترمذي في الجامع، أبواب الزهد، باب ما جاء في الرياء والسمعة 4/169-171 (2382)، والنسائي في الكبرى، كتاب الرقائق 10/395 (11824)، والبغوي في شرح السنة 14/331-334 (4143)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".

([17]) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2/428 (10700)، وأحمد في المسند 35/441 (21557)، والترمذي في العلل الكبير ص: 100 (171)، والدارقطني في السنن، كتاب الزكاة، باب ليس في الخضروات صدقة 2/488 (1932)، والحاكم في المستدرك 1/545 (1431)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الزكاة، باب زكاة التجارة 4/247 (7598)، وابن عساكر في تاريخ دمشق 66/195-196، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى: ابن مردوية 4/180، وقال الترمذي: "سألت محمداً عن هذا الحديث فقال: ابن جريج لم يسمع من عمران بن أبي أنس, يقول: حُدِّثت عن عمران بن أبي أنس"، وقال الحاكم: "... إسناده صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، وقال البوصيري: "رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل بسند ضعيف، لانقطاعه وضعف بعض رواته" (إتحاف الخيرة 3/10/2058)، وقال الهيثمي: "رواه البزار بطوله، وروى أحمد طرفاً منه، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف" (مجمع الزوائد 3/72/4385)، وقال ابن حجر بعد ذكر رواية الحاكم وطريقاً للدارقطني: "هذا إسناد لا بأس به" (التلخيص الحبير 2/391).

([18]) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير 2/461 (2434).
([19]) أخرجه أحمد في المسند 35/421-422 (21530)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار 7/214 (2784)، والطيالسي في المسند 1/375 (470)، والبزار في المسند 9/347 (3908)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير 8/107، والطبراني في الكبير 2/152 (1637)، والحاكم في المستدرك 2/98 (2446)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي في التلخيص بقوله: "على شرط مسلم"، وقال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني ... وإسناد الطبراني وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح" (مجمع الزوائد 8/171/13573).

([20]) أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها 1/177 (316).
([21]) انظر رسالة الدكتوراة للباحث خالد الباتلي، بعنوان: "التفسير النبوي -مقدمة تأصيلية مع دراسة حديثية لأحاديث التفسير النبوي الصريح-" الحاشية رقم (1) 1/55.

([22]) رواه الثعلبي في الكشف والبيان 5/163.

([23]) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير 2/662 (3591).

([24]) أخرجه أبو الشيخ في العظمة 4/1351.
([25]) أخرجه الطبراني في الكبير 11/99 (11170)، وقال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله ثقات، إلا أن عتاب بن بشير لم أعرف له من مجاهد سماعا" (مجمع الزوائد 5/74/8211).
([26]) أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الديات، باب دية الخطإ 2/879 (2632)، وابن أبي حاتم في التفسير 6/1845 (10005)، والطبري في جامع البيان 14/367 (16983)، وضعَّفه الألباني.
([27]) أخرجه أحمد في المسند 3/369 (1877)، والطحاوي في شرح المعاني 2/184، وقال محققوا المسند: "حسن لغيره".
([28]) أخرجه أحمد في المسند 6/104 (3612)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب التفسير، سورة الفرقان 10/204 (11304)، وقال محققوا المسند: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
([29]) أخرجه الطبري في جامع البيان 23/139.
([30]) أخرجه الطبراني في الكبير 8/175 (7730)، وابن أبي حاتم في التفسير معلَّقاً 10/3441 (19368)، وقال الهيثمي: "رواه الطبراني موقوفاً، ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم" (مجمع الزوائد 10/403/18682).

([31]) أخرجه أحمد في المسند 36/560 (22226)، والحاكم في المستدرك 4/276 (7627)، والطبراني في الأوسط 3/281 (3149)، وسكت الحاكم عنه، والذهبي أيضاً في التلخيص، وقال الهيثمي: "إسناده حسن" (مجمع الزوائد 10/71).

([32]) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير 10/3398 (19119)، وابن أبي وداود في البعث ص: 27 (21)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى: ابن المنذر 8/409.

([33]) أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة 8/109 (6521).

([34]) أخرجه أحمد في الزهد ص: 26 (151)، وأبو نعيم في الحلية 1/235.

([35]) أخرجه الطبراني في الكبير 20/166 (352)، وقال الهيثمي: "أخرجه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح" (مجمع الزوائد 10/73/16745).

([36]) أخرجه البيهقي في الدعوات الكبير 1/80 (19).

([37]) أخرجه الطبراني في الأوسط 1/138 (209)، وقال: "لم يروه عن أبي الزبير إلا يحيى بن سعيد الأنصاري , ولا روى عنه إلا أبو خالد، تفرد به الفريابي"، وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجالهما رجال الصحيح 10/74/16749).

([38]) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب ما جاء في ذكر الله 1/211 (24)، وابن المبارك في الزهد ص: 398 (1129)، ويحيى بن سلام في التفسير 2/724، وابن أبي شيبة في المصنف 7/111 (34590)، والطبري في جامع البيان 18/413، وأبو نعيم في الحلية 1/219.

([39]) أخرجه أحمد في المسند 36/33 (21702)، وابن ماجة في السنن، كتاب الأدب، باب فضل الذكر 2/1245 (3790)، والترمذي في الجامع، أبواب الدعوات، باب ما جاء في فضل الذكر 5/320 (3377)، والحاكم في المستدرك 1/673 (1825)، والبغوي في شرح السنة، كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله ومجالس الذكر 5/15 (1244)، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وقال البغوي: "هذا حديث حسن"، وقال الهيثمي: "رواه أحمد، وإسناده حسن" (مجمع الزوائد 10/73/16743).

([40]) أخرجه أحمد في المسند 36/396-397 (22079)، وقال الهيثمي: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش لم يدرك معاذاً" (مجمع الزوائد 10/73/16744).