التعريف بـ"طيبة النشر في القراءات العشر" وقيمتها العلمية:

طيبة النشر ألفية منظومة على بحر الرجز مستفعلن ست مرات, عدة أبياتها (1014) بيتاً، تناول فيها ابن الجزري مذاهب القراء العشرة أصولاً وفرشاً، واستهلها بمقدمة في مبادئ علم القراءات, وابتدأها بقوله:
قَالَ مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ الْجَزَريِ * يَاذَا الجَلالِ ارْحَمْهُ وَاسْتُر وَاغْفِرِ
الْحَمْدُ للهِ عَلىَ مَا يَسَّرَهْ * مِنْ نَشْرِ مَنْقُولِ حُرُوفِ العَشَرَهْ
وختمها بقوله:
وَهَا هُنَا تَمَّ نِظَامُ الطَّيِّبَهْ * أَلفِيَّةً سَعِيدَةً مُهَذَّبَهْ
بالرُّومِ مِنْ شَعْبَانَ وَسْطَ سَنَةِ * تِسْعٍ وتِسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةِوعندما ألّف ابن الجزري كتاب "النشر" واستقاه من أمهات المصادر الأصيلة في علم القراءات، وضمّن فيه قراءات الأئمة العشرة، ورواتهم المشهورين المذكورين في الشاطبيّة والدّرة، وتوسّع في الطرق وفصّلها في نشره تفصيلاً؛ عنّ له أن ينْظم هذا السفر الجليل في نظم أصيل, يقتصر فيه على صحيح النقول, وفصيح الأقوال, فنظم بذلك منظومة يسيرة أطلق عليها "طيبة النشر في القراءات العشر" ولقد اقتفى فيها أثر الشاطبيّ في استخدام مصطلحات الكتاب ليسهل على كلّ طالب استحضار قواعد هذا الفن، وتحصيل مسائله، وهي قليلة الألفاظ كثيرة المعاني، جمع فيها طرق القراء ورواياتهم، واعتمد ما في الشاطبية، وكتاب التيسير لأبي عمرو الداني، وزاد عليهما الضعف من القراءات والروايات والطرق التي تصل إلى الثمانين طريقاً تحقيقاً, وتتشعب هذه الثمانون إلى تسعمائة وثمانين طريقاً, حيث لم يعد الناظم -- للشاطبي وأمثاله إلى صاحب التيسير وغيره سوى طريقٍ واحد, حيث قال –- في نشره: "فلو عددنا طرقنا وطرقهم لتجاوزت الألف"([1]).
كما أنها حوت على نُبْذة من علم التجويد، ونُبْذة من علم الوقف والابتداء، وباب إفراد القراءات وجمعها, فحوت على أصول هذا الفن وقواعده وعلى مسائل وفرائد عزيزة.
وتبرز أهميتها أيضاً أنها من المصادر الأصيلة المقروء بها اليوم, ومرجع لمن أراد القراءة بـ"العشر الكبرى".

منهجه في الطيبة:
اعتمد ابن الجزري في نسجها على أسلوب الشاطبي في الرمز إلى القراء، وإلى رواتهم بالحروف الأبجدية حين يتعذر التصريح باسم القارئ، أو الراوي مع تعديل بسيط، وزيادة طفيفة تناسباً مع ما زيد على الشاطبية، كما وضع رموزاً للانفراد وأخرى للاجتماع.

وقد أشار ابن الجزري إلى اتّباعه طريقة الشاطبي في استعمال الرموز، والمصطلحات، والقواعد، والأضداد، واستخراج القراءات, حيث قال:
54- وَكُلُّ ذَا اتَّبَعْتُ فِيهِ الشَّاطِبِيْ * لِيَسْهُلَ اسْتِحْضَارُ كُلِّ طَالِبِ
55- وهـذِهِ أُرْجُـوزَةٌ وَجِيزَهْ * جَمَـعْتُ فِيهَا طُرُقًا عَزِيزَهْ
56- وَلاَ أَقُولُ إِنَّهاَ قَدْ فَضَلَتْ * حِرْزَ الأَمَانِي بَلْ بِه قَدْ كَمَلَتْ
57- حَوَتْ لِمَا فِيهِ مَعَ التَّيْسِيرِ * وَضِعْفِ ضِعْفِهِ سِوَى التَّحرِيرِ
58- ضَمَّنْتُهَا كِـتَابَ نَشْرِ الْعَشْرِ * فَهْـيَ بِهِ طَيّـِبَةٌ فِي النَّشْرِ

زمن تأليف الطيبة:

ابتدأ المؤلّف في هذا النظم آخر رجب سنة ‹798 هـ› بعد أن وصل إلى الرّوم، أي: بعد أن شرع في تأليف "النشر" بخمسة أشهر تقريباً، ثم انتهى من نظم "الطيّبة" في شعبان من نفس السنة.
حيث قال:
1012- بالرُّومِ مِنْ شَعْبَانَ وَسْطَ سَنَةِ * تِسْعٍ وتِسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةِ
ثم ختم "النشر" في ذي الحجّة من نفس السنة، أي بعد الانتهاء من نظم "الطَّيـِّبة" بأربعة أشهر تقريباً, حيث قال في آخر النشر: "وهذا آخر ما قدر الله جمعه وتأليفه من كتاب نشر القراءات العشر, وابتدأت في تأليفه في أوائل شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وسبعمائة بمدينة بورصة, وفرغت منه في ذي الحجة الحرام من السنة المذكورة"([2]).

من أشهر وأجود طبعاتها:
1- طبعة بضبط وتصحيح ومراجعة الشيخ محمد تميم الزعبي, طُبعت عن طريق مكتبة دار الهدى بالمدينة المنورة, الطبعة الأولى, 1414هـ, وآخرها مطبوع بدار ابن الجزري بالمدينة المنورة ودار الغوثاني بدمشق, الطبعة الخامسة, 1433هـ.
2- طبعة بتحقيق وضبط وتعليق الدكتور أيمن سويد, طُبعت عن طريق مكتبة ابن الجزري, بدمشق, سوريا, الطبعة الأولى عام 1433هـ.

([1]) النشر1/191.
([2]) النشر2/469.